الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

من الفكرة إلى التجسيد.. مشاريع طلابية ترسم ملامح عمران الغد

Author
إيمان عبروس 05 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تبرز الطبعة الثامنة والعشرون من المعرض الدولي للبناء ومواد البناء والأشغال العمومية “باتيماتاك 2026” كمنصة تتجاوز منطق العرض التقليدي إلى فضاء لصناعة الفرص وبناء المستقبل، فهنا تُعرض أفكار الغد، وتُختبر وتُصقل لتأخذ طريقها نحو التجسيد. في نقطة تلاقٍ ديناميكية تجمع الطلبة والمهندسين والمستثمرين حول هدف واحد: تحويل الابتكار إلى مشاريع واقعية قادرة على دفع عجلة التنمية وإعادة رسم ملامح قطاع البناء في الجزائر.

ويأتي هذا الزخم في سياق وطني يتسارع فيه الرهان على الكفاءات الشابة والتكنولوجيا لإعادة تشكيل ملامح قطاع البناء في الجزائر.

وشهدت الأيام الأولى من المعرض حضورا لافتا وتفاعلا نوعيا مع المشاريع المعروضة، خاصة تلك المقدمة من قبل الطلبة والمهندسين الشباب، حيث تحولت أجنحة العرض إلى منصات حقيقية لتبادل الأفكار واستكشاف فرص الشراكة، بما يعزز إمكانية تحويل هذه التصورات إلى مشاريع قابلة للتجسيد داخل السوق الوطنية.

ولم يكن هذا التفاعل عابرا، بل عكس وعيا متزايدا لدى مختلف الفاعلين بأهمية ربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي، في ظل التحولات التي يعرفها القطاع.

الطلبة في صلب ديناميكية الابتكار

وفي هذا السياق، أكدت دار زيرار صافية، طالبة سنة خامسة بالمدرسة متعددة العلوم للهندسة المعمارية والعمران، في تصريح خصت به “الأيام نيوز”، أن المشاركة في المعرض تمثل فرصة حقيقية لعرض الأفكار وتطويرها في بيئة مهنية مفتوحة، مشيرة إلى أن الاحتكاك المباشر مع الفاعلين في القطاع، من مهندسين ومستثمرين، يسمح بتحسين المشاريع وإعادة توجيهها بما يتماشى مع متطلبات السوق.

وأوضحت المتحدثة أن مشروعهم يندرج ضمن تصور مبتكر لإعادة تنظيم الفضاءات الوظيفية، من خلال تصميم حلول مرنة لمطابخ مدرسية تعتمد على وحدات قابلة لإعادة الاستخدام، بما يضمن الاستغلال الأمثل للمساحة وتحقيق الاستدامة في نفس الوقت. وأضافت أن مثل هذه المبادرات تمنح الطلبة فرصة الانتقال من الجانب النظري إلى التطبيق العملي، وفتح آفاق للتجسيد الفعلي لأفكارهم، خاصة في ظل وجود اهتمام من بعض المهنيين الذين أبدوا استعدادهم لدراسة إمكانية مرافقة المشروع.

كما أشارت إلى أن النقاشات التي دارت داخل المعرض ساعدتهم على إعادة النظر في بعض التفاصيل التقنية، سواء من حيث المواد المستعملة أو طرق التركيب، وهو ما يعكس أهمية هذا النوع من الفعاليات لتحسين المشاريع وجودتها.

المؤسسات الناشئة.. هندسة في خدمة البعد الإنساني

ومن جهته، أبرز طورش خالد، مهندس معماري وصاحب مؤسسة ناشئة “أرشي سانس فيار”، أن مشاركته في المعرض سمحت له بعرض مشروعه المتخصص في تصميم فضاءات معمارية موجهة لمرضى التوحد، باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي، وهو ما يعكس توجها جديدا نحو توظيف الهندسة المعمارية في خدمة الأبعاد النفسية والصحية.

وأوضح أن هذه التجربة كانت جد ثرية، خاصة من خلال اللقاء مع مستثمرين ومختصين في المجال، ما أتاح فرصة تبادل الخبرات وتطوير المشروع عبر ملاحظات عملية ونقاشات معمقة، إلى جانب توسيع شبكة العلاقات المهنية، التي تعتبر عنصرا حاسما في مسار أي مؤسسة ناشئة.

وأضاف أن هذا النوع من المشاريع يعكس تحوّلا في مفهوم الهندسة المعمارية، التي لم تعد تقتصر على الجوانب الجمالية أو الوظيفية، بل أصبحت تأخذ بعين الاعتبار التأثير النفسي للفضاء على المستخدم، خاصة بالنسبة للفئات الخاصة مثل مرضى التوحد.

وأكد المتحدث أن مثل هذه التظاهرات تمثل فضاء حيويا لدعم المؤسسات الناشئة، داعية إلى تعميم تنظيمها عبر مختلف ولايات الوطن، من أجل إتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من الشباب المبدع لإبراز مشاريعهم وتسليط الضوء على قدراتهم الابتكارية.

من فضاء عرض إلى منصة تجسيد

ويعكس الحضور القوي للمشاريع الطلابية والناشئة، خلال هذه الطبعة من “باتيماتيك 2026″، تحوّلا تدريجيا في دور المعارض المهنية، من مجرد فضاءات للعرض إلى منصات فعلية لاحتضان الأفكار وربطها بمحيطها الاقتصادي، خاصة في ظل التوجه نحو دعم الابتكار وتعزيز المقاولاتية في الجزائر.

فالمعرض، اليوم، أصبح فضاء لتبادل الخبرات وبناء الشراكات، حيث يلتقي فيه الطلبة بالمستثمرين، والباحثون بالمهنيين، في إطار تفاعلي يسمح بتقاطع الرؤى وتكامل الأدوار.

كما يبرز هذا الحراك أهمية خلق جسور تواصل مستدامة بين الجامعة والمؤسسة الاقتصادية، بما يضمن مرافقة المشاريع منذ مراحلها الأولى إلى غاية دخولها السوق، في إطار رؤية تقوم على تثمين الكفاءات الوطنية وتحويل المعرفة إلى قيمة مضافة.

التكنولوجيا كرافعة للتحوّل في قطاع البناء

ومن بين أبرز الملامح التي ميزت هذه الطبعة، الحضور القوي للتكنولوجيا في مختلف المشاريع المعروضة، حيث برزت تطبيقات متقدمة للواقع الافتراضي، وبرامج التصميم ثلاثي الأبعاد، وتقنيات المحاكاة الرقمية، التي تتيح للمهندسين اختبار مشاريعهم قبل تنفيذها على أرض الواقع.

وقد ساهمت هذه الأدوات في تحسين جودة التصاميم، وتقليص التكاليف، وتفادي الأخطاء، وهو ما يجعلها عنصرا أساسيا في مستقبل قطاع البناء. كما تعكس هذه التطورات دخول الجزائر تدريجيا في مسار التحوّل الرقمي في هذا المجال.

الاستدامة.. توجه استراتيجي متنامٍ

إلى جانب التكنولوجيا، برزت الاستدامة كأحد المحاور الرئيسية في المشاريع المعروضة، حيث ركز العديد من المشاركين على استعمال مواد صديقة للبيئة، وتصميم فضاءات تراعي التهوية الطبيعية والإضاءة الذكية، بما يساهم في تقليل استهلاك الطاقة وتحسين جودة الحياة.

ويعكس هذا التوجه وعيا متزايدا لدى الجيل الجديد بأهمية الحفاظ على البيئة، وضرورة تبني نماذج بناء أكثر استدامة، خاصة في ظل التحديات المناخية التي يشهدها العالم.

رهان على تعميم التجربة وطنيا

وفي ظل الديناميكية التي يشهدها قطاع البناء والأشغال العمومية، يبرز “باتيماتاك” في طبعته الثامنة والعشرين، كأداة استراتيجية لدعم التحوّل نحو اقتصاد قائم على الابتكار، غير أن التحدي، بحسب عدد من المشاركين، يبقى في تعميم مثل هذه المبادرات عبر مختلف مناطق البلاد، لضمان عدالة الفرص وتعزيز إشراك الطاقات الشابة على المستوى الوطني.

ويؤكد هذا الطرح أهمية الخروج من المركزية، وتوفير فضاءات مماثلة في الولايات الداخلية، بما يسمح باكتشاف مواهب جديدة، وخلق ديناميكية اقتصادية محلية قائمة على الابتكار.

بين الطموح والتجسيد.. مستقبل يتشكل

وبين طموح الطلبة، وحماس المؤسسات الناشئة، واهتمام الفاعلين الاقتصاديين، يبدو أن المعرض تحول من موعد سنوي إلى نقطة التقاء حقيقية بين الفكرة والتجسيد، وبين الإبداع ومتطلبات السوق، في مسار يعكس ملامح جيل جديد يسعى لإعادة رسم مستقبل العمران في الجزائر.

فما يحدث داخل فضاءات “باتيماتاك” اليوم، قد يكون نواة لمشاريع الغد، التي ستساهم في بناء مدن أكثر ذكاءً واستدامة، وتعزز من مكانة الجزائر في مجال الابتكار المعماري.

وفي ظل هذا الزخم، يبقى الأمل معقودا على استمرار مثل هذه المبادرات، وتطويرها لتصبح جزءا من منظومة متكاملة لدعم الابتكار، تضع الشباب في قلب العملية التنموية، وتفتح أمامهم آفاقا أوسع لتحقيق طموحاتهم والمساهمة في بناء اقتصاد وطني أكثر تنوعا واستدامة.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي