الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

من المعارض إلى الأسواق.. كيف تبحث الجزائر عن موطئ قدم إفريقي؟

Author
صبرينة عيلان 30 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تراهن الجزائر على توسيع حضورها التجاري داخل العمق الإفريقي عبر بوابة الصناعات الغذائية، من خلال مشاركة متعاملين اقتصاديين ومؤسسات وطنية في الصالون الدولي للأغذية بإفريقيا المرتقب تنظيمه بتونس من 9 إلى 11 جوان المقبل.

ويأتي هذا التوجه في سياق مساعٍ رسمية متزايدة لإعادة رسم خريطة الصادرات الجزائرية خارج قطاع المحروقات، والانتقال من اقتصاد يعتمد على الريع الطاقوي إلى اقتصاد إنتاجي قادر على اقتحام الأسواق القارية والدولية.

ويُنظر إلى هذا الموعد الاقتصادي كواحد من أهم المنصات الإفريقية المتخصصة في الصناعات الغذائية والمنتجات الفلاحية، بالنظر إلى استقطابه كبار الموردين والمشترين والموزعين الدوليين، إلى جانب فاعلين في مجالات النقل والتخزين وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.

كما يشكل هذا الصالون فضاء لعرض أحدث الابتكارات المرتبطة بالتغليف الذكي، وتقنيات التبريد، والحلول الصناعية المستدامة، في وقت أصبحت فيه المنافسة داخل سوق الغذاء الإفريقية لا تقوم فقط على وفرة الإنتاج، بل على جودة الخدمات المرافقة وسرعة التوزيع واحترام المعايير الصحية الدولية.

وبين رهانات فتح أسواق جديدة أمام المنتوج الجزائري، وبناء شراكات اقتصادية عابرة للحدود، ومواكبة التحولات الحديثة في مجالات التغليف واللوجستيك وسلسلة التبريد، تبرز تساؤلات عديدة حول مدى قدرة المؤسسات الجزائرية على فرض مكانتها داخل سوق إفريقية تشهد تغيرات عميقة ومتسارعة في طبيعة المنافسة وآليات التموقع التجاري.

هل تنجح الجزائر في اختراق الأسواق الإفريقية عبر صالون الأغذية؟

أكد حسن كريم، رئيس المنظمة الجزائرية للفلاحة والأمن الغذائي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن مشاركة المؤسسات الجزائرية في الصالون الدولي للأغذية بإفريقيا المرتقب تنظيمه في تونس من 9 إلى 11 جوان المقبل، تمثل خطوة استراتيجية تتجاوز مجرد عرض المنتجات الغذائية نحو بناء تموقع اقتصادي جديد للجزائر داخل العمق الإفريقي، معتبرا أن هذه التظاهرات الاقتصادية أصبحت اليوم إحدى أهم أدوات الدبلوماسية التجارية الحديثة، خاصة في ظل التحولات التي تعرفها الأسواق العالمية وتزايد التنافس على الأسواق الإفريقية الصاعدة.

وأوضح المتحدث أن الجزائر دخلت، خلال السنوات الأخيرة، مرحلة جديدة في التفكير الاقتصادي تقوم على تنويع مصادر الدخل وتقليص التبعية للمحروقات، وهو ما جعل ملف الصادرات خارج قطاع الطاقة يحظى بأولوية متزايدة من قبل السلطات العمومية، مضيفا أن قطاع الصناعات الغذائية والفلاحة التحويلية بات من بين أكثر القطاعات قدرة على تحقيق اختراق فعلي للأسواق الخارجية بالنظر إلى تنوع المنتجات الجزائرية وتحسن جودتها وارتفاع قدرات الإنتاج الوطني.

وأشار حسن كريم إلى أن القارة الإفريقية أصبحت تمثل فرصة اقتصادية ضخمة بالنسبة للمنتجات الجزائرية، خاصة بعد دخول اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية حيّز التنفيذ، ما يفتح المجال أمام بناء شراكات تجارية جديدة وتسهيل انسياب السلع والخدمات بين الدول الإفريقية، وهو ما ينبغي على المؤسسات الجزائرية استغلاله بذكاء عبر الحضور القوي في الصالونات والمعارض المتخصصة.

الصالونات الاقتصادية واجهة لتسويق “العلامة الجزائرية” قاريا

وبخصوص أهمية المشاركة الجزائرية في الصالون الدولي للأغذية بإفريقيا، أكد رئيس المنظمة الجزائرية للفلاحة والأمن الغذائي أن مثل هذه الفعاليات لم تعد مجرد فضاءات تقليدية للعرض التجاري، بل تحولت إلى منصات استراتيجية لترويج صورة الاقتصاد الوطني والتعريف بالقدرات الإنتاجية الجزائرية أمام المستثمرين والموزعين والمستوردين الدوليين.

وقال المتحدث إن المؤسسات الجزائرية مطالبة اليوم بالانتقال من منطق الإنتاج المحلي إلى منطق التموقع الإقليمي والقاري، مشيرا إلى أن نجاح أي منتج في الأسواق الإفريقية لا يرتبط فقط بالسعر، وإنما أيضاً بجودة التغليف، واحترام المعايير الصحية، وقدرة المؤسسة على ضمان التموين المنتظم وبناء الثقة مع الشركاء.

وأضاف أن المشاركة الجزائرية في مثل هذه الصالونات تسمح للمؤسسات الوطنية بفهم طبيعة الطلب داخل الأسواق الإفريقية، والتعرف على احتياجات المستهلك الإفريقي، فضلا عن دراسة المنافسة القادمة من بلدان أخرى كتركيا والصين والهند وبعض الدول الأوروبية التي أصبحت تتسابق بقوة للتموقع داخل القارة السمراء.

ويرى حسن كريم أن المنتجات الجزائرية تملك فرصا كبيرة للمنافسة، خاصة في مجالات التمور، المصبرات الغذائية، العجائن، الزيوت، مشتقات الحبوب، المياه المعدنية وبعض المنتجات الفلاحية التحويلية، موضحا أن العديد من الأسواق الإفريقية تبحث حاليا عن موردين جدد يتمتعون بالقرب الجغرافي والتكلفة اللوجستية الأقل، وهو ما يمنح الجزائر امتيازا استراتيجيا مهما.

كما شدد على أن الصالونات الدولية تمنح للمؤسسات الجزائرية فرصة بناء شبكات أعمال مباشرة مع المتعاملين الاقتصاديين دون وسطاء، وهو ما يختصر الكثير من الوقت والتكاليف، ويسمح بفتح قنوات تصدير حقيقية ومستدامة، بدل الاكتفاء بالعمليات التجارية الظرفية أو الموسمية.

وبشأن الدور الجديد للمعارض والصالونات المتخصصة في الصناعات الغذائية، أوضح حسن كريم أن العالم يشهد اليوم تحولا كبيرا في أدوات بناء النفوذ الاقتصادي، حيث أصبحت المعارض الدولية بمثابة بورصات اقتصادية مفتوحة تُعقد فيها الشراكات وتبنى خلالها التحالفات التجارية والاستثمارية.

وأكد أن هذه الصالونات تتيح للمنتجين الأفارقة التواصل المباشر مع المشترين الدوليين وسلاسل التوزيع الكبرى، ما يمنح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فرصة الوصول إلى أسواق كانت سابقاً حكراً على الشركات متعددة الجنسيات.

وأشار إلى أن إفريقيا أصبحت محط أنظار كبريات الشركات العالمية بالنظر إلى النمو الديمغرافي الكبير وارتفاع الطلب على المواد الغذائية، وهو ما يجعل من الضروري على المنتجين الجزائريين الحضور بقوة داخل هذه الفضاءات الاقتصادية لضمان مكان لهم في السوق القارية المستقبلية.

وأضاف المتحدث أن المعارض المتخصصة لها أيضا دور محوري في نقل الخبرات والتكنولوجيا وتبادل التجارب بين الفاعلين الاقتصاديين، فهي تتيح للمؤسسات الجزائرية الاطلاع على أحدث تقنيات التصنيع الغذائي والتوضيب والتسويق، فضلا عن التعرف على المعايير الجديدة المطلوبة في الأسواق الدولية.

كما أبرز أن نجاح أي مشاركة جزائرية لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأجنحة أو حجم الحضور، بل بقدرة المؤسسات على تحويل اللقاءات المهنية إلى عقود تصدير فعلية وشراكات إنتاج وتوزيع طويلة المدى، معتبرا أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان الاستمرارية والمتابعة بعد انتهاء المعارض.

الأمن الغذائي والصادرات.. معركة الجزائر الاقتصادية القادمة

واعتبر حسن كريم أن الجزائر تمتلك اليوم كل المقومات التي تؤهلها للتحول إلى قطب غذائي إقليمي داخل إفريقيا، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها البلاد والاستثمارات المتزايدة في القطاع الفلاحي والصناعات التحويلية.

وأوضح أن الرهان لم يعد يقتصر على تحقيق الاكتفاء الذاتي فقط، وإنما يتعداه إلى بناء اقتصاد تصديري قادر على جلب العملة الصعبة وخلق مناصب الشغل وتعزيز مكانة الجزائر داخل القارة الإفريقية.

وأكد أن نجاح هذا المسار يتطلب العمل على عدة محاور متوازية، من بينها تحسين منظومة النقل واللوجستيك، وتطوير الموانئ، وتبسيط الإجراءات الإدارية الخاصة بالتصدير، إلى جانب مرافقة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتمكينها من أدوات التسويق الدولي.

كيف غيّرت اللوجستيك قواعد سوق الغذاء الإفريقي؟

من جهته، أكد فادي تميم، المنسق الوطني للمنظمة الجزائرية لحماية وإرشاد المستهلك ومحيطه، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن التوجهات الجديدة التي تشهدها الصناعات الغذائية الإفريقية في مجالات التغليف، وسلسلة التبريد، والخدمات اللوجستية، تعكس تحولا عميقا في طبيعة المنافسة الاقتصادية داخل القارة، موضحاً أن التنافس لم يعد قائما فقط على وفرة الإنتاج أو انخفاض الأسعار، بل أصبح يرتبط أساسا بمدى قدرة المؤسسات على ضمان الجودة، وسلامة المنتوج، وسرعة التوزيع، واحترام المعايير الدولية الخاصة بحماية المستهلك.

وأوضح المتحدث أن القارة الإفريقية تعرف، خلال السنوات الأخيرة، ديناميكية متسارعة في قطاع الصناعات الغذائية، مدفوعة بالنمو السكاني الكبير، وتوسع الطبقة الاستهلاكية، وارتفاع الطلب على المنتجات الغذائية الجاهزة والمحوّلة، وهو ما دفع المؤسسات الإفريقية إلى إعادة النظر في نماذجها الإنتاجية والتجارية من أجل مواكبة التحولات الجديدة التي يعرفها السوق العالمي.

وأضاف أن المستهلك الإفريقي نفسه أصبح أكثر وعيا من السابق، وأكثر اهتماما بجودة التغليف، وتاريخ الصلاحية، وشروط الحفظ والنقل، وطبيعة المكونات المستعملة، وهو ما فرض على الشركات تطوير منظوماتها الصناعية والخدماتية للحفاظ على قدرتها التنافسية.

وأكد فادي تميم أن هذا المجال لم يعد يقتصر على الوظيفة التقليدية المرتبطة بحماية المنتوج فقط، بل تحوّل إلى عنصر استراتيجي في عملية التسويق وبناء ثقة المستهلك.
وقال إن شكل التغليف وجودته وطريقة تصميمه أصبحت تؤثر بشكل مباشر على قرار الشراء، خاصة في ظل المنافسة القوية التي تعرفها الأسواق الإفريقية بين المنتجات المحلية والسلع المستوردة القادمة من أوروبا وآسيا وتركيا.

وأشار إلى أن المؤسسات الغذائية الحديثة باتت تستثمر بشكل متزايد في التغليف الذكي والصديق للبيئة، من خلال استعمال مواد أكثر أماناً وقابلية لإعادة التدوير، إضافة إلى تطوير تقنيات تسمح بالحفاظ على جودة المواد الغذائية لفترات أطول دون التأثير على سلامتها الصحية.

وأضاف أن التغليف أصبح أيضا وسيلة لتأكيد هوية المنتج ومصدره، حيث تلجأ العديد من الشركات إلى إبراز المعلومات المتعلقة بالمكونات، والقيم الغذائية، وطرق الاستعمال، وشهادات الجودة، وهو ما يعزز شفافية العلاقة بين المنتج والمستهلك.

ويرى المتحدث أن نجاح أي مؤسسة غذائية داخل السوق الإفريقية أصبح مرتبطا بقدرتها على تقديم منتوج يحترم المعايير الصحية الدولية، خاصة مع تنامي حضور العلامات التجارية العالمية داخل القارة، ما يفرض على المنتجين المحليين تحسين جودة التغليف من أجل تعزيز القدرة التنافسية.

كما شدد على أن التغليف الجيد يساهم بشكل مباشر في تقليص نسب التلف والهدر الغذائي، وهي قضية باتت تحظى باهتمام عالمي متزايد في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية والتحديات المرتبطة بالأمن الغذائي.

سلسلة التبريد.. المعركة الخفية لضمان سلامة الغذاء

واعتبر فادي تميم أن هذا الجانب أصبح أحد أهم محددات النجاح داخل الصناعات الغذائية الحديثة، خاصة بالنسبة للمنتجات الحساسة مثل اللحوم، ومشتقات الحليب، والأسماك، والخضر والفواكه، والمنتجات المجمدة.

وأوضح أن الكثير من الخسائر التي كانت تتكبدها الأسواق الإفريقية في السابق كانت مرتبطة بضعف أنظمة التخزين والنقل المبرد، ما يؤدي إلى تلف المنتجات أو فقدان جودتها قبل وصولها إلى المستهلك.

وأضاف أن المؤسسات التي تستثمر اليوم في تطوير سلاسل التبريد أصبحت تتمتع بأفضلية تنافسية واضحة، لأنها قادرة على ضمان استقرار جودة المنتجات والحفاظ على سلامتها الصحية خلال مختلف مراحل النقل والتوزيع.

وأشار إلى أن التحوّل الرقمي ساهم بدوره في تطوير أنظمة التبريد الحديثة، حيث أصبحت بعض الشركات تعتمد على تقنيات المراقبة الذكية لدرجات الحرارة والرطوبة أثناء النقل والتخزين، ما يسمح بالتدخل السريع عند حدوث أي خلل قد يهدد سلامة المنتوج.

وأكد المتحدث أن المستهلك الإفريقي أصبح أكثر حساسية تجاه شروط حفظ الأغذية، خاصة بعد الأزمات الصحية العالمية التي رفعت مستوى الوعي الجماعي بأهمية السلامة الغذائية، وهو ما جعل احترام سلسلة التبريد معيارا أساسيا في تقييم جودة المنتجات.

كما أوضح أن الدول التي تنجح في بناء منظومات تبريد ولوجستيك قوية ستكون الأكثر قدرة على التحكم في الأسواق الغذائية مستقبلا، لأن المنافسة الحديثة أصبحت تقوم على سرعة الإمداد واستقرار الجودة أكثر من أي وقت مضى.

وأضاف أن التحولات الجديدة دفعت العديد من الشركات الغذائية الإفريقية إلى الاستثمار في المخازن الذكية، ومراكز التوزيع الحديثة، وحلول النقل المبرد، إضافة إلى الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية لتتبع مسار المنتجات من المصنع إلى نقاط البيع.

كما لفت إلى أن المنافسة الحالية داخل سوق الصناعات الغذائية الإفريقية لم تعد بين منتج وآخر فقط، بل أصبحت بين منظومات متكاملة تشمل الإنتاج والتغليف والنقل والتخزين والتسويق وخدمة المستهلك.

وأكد أن الدول التي ستنجح في تطوير بنيتها اللوجستية ستكون صاحبة اليد العليا في السوق القارية خلال السنوات المقبلة، لأن التجارة الحديثة أصبحت ترتكز على سرعة الوصول، وتقليص التكاليف، وضمان استمرارية التموين.

المستهلك الإفريقي من الحلقة الأضعف إلى العنصر الحاسم

وشدد فادي تميم على أن التحولات التي يشهدها قطاع الصناعات الغذائية الإفريقية تعكس انتقال المستهلك من مجرد متلقٍ للمنتجات إلى عنصر مؤثر في رسم توجهات السوق.

وأوضح أن ارتفاع مستوى الوعي الصحي والبيئي لدى المستهلكين دفع الشركات إلى مراجعة استراتيجياتها الصناعية والتسويقية، من أجل تقديم منتجات أكثر أمانا وجودة وشفافية.

وأكد أن مستقبل المنافسة داخل القارة الإفريقية لن يُحسم فقط بحجم الإنتاج، وإنما بمدى احترام حقوق المستهلك، والقدرة على ضمان غذاء آمن وسليم يصل إلى المواطن في أفضل الظروف الصحية واللوجستية.

مشيرا إلى أن إفريقيا تمتلك اليوم فرصة تاريخية لبناء صناعة غذائية قوية ومتكاملة، شرط الاستثمار في التكنولوجيا، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز ثقافة الجودة، معتبرا أن التغليف وسلسلة التبريد والخدمات اللوجستية أصبحت الأسلحة الجديدة في معركة التنافس الاقتصادي داخل القارة.