الثلاثاء، 19 مايو 2026 — 1 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

من النزيف إلى الأمل.. كيف غيّر العلاج الوقائي حياة مرضى “الهيموفيليا” في الجزائر؟

Author
إيمان عبروس 30 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

في الجزائر، وعلى غرار باقي دول العالم، شهد التكفل بمرضى الهيموفيليا تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، بفضل إدماج استراتيجيات علاجية حديثة واعتماد مقاربة وقائية. غير أن التحديات لا تزال قائمة، سواء من حيث الالتزام بالعلاج، أو التأثيرات الاجتماعية والنفسية للمرض، أو كلفة التكفل به.

ما هي الهيموفيليا؟

الهيموفيليا، أو ما يُعرف بمرض “النزيف الوراثي”، ليست مجرد حالة صحية عابرة، بل اضطراب مزمن يُلازم المريض منذ الولادة، ويؤثر بشكل عميق على تفاصيل حياته اليومية. يقوم هذا المرض على نقص أو غياب أحد عوامل تخثر الدم، ما يجعل النزيف يستمر لفترة أطول من الطبيعي، سواء أكان نزيفًا داخليًا غير مرئي أم خارجيًا واضحًا.

وتكمن خطورته الحقيقية في النزيف الداخلي، خاصة على مستوى المفاصل، حيث يؤدي، مع مرور الوقت، إلى تلفها بشكل دائم، مسببًا الإعاقة والألم المزمن.

في هذا السياق، تكشف تصريحات خبراء في أمراض الدم والاقتصاد الصيدلاني عن واقع المرض، وآفاق تحسين جودة حياة المرضى، عبر الانتقال من منطق العلاج عند حدوث النزيف إلى استراتيجية “صفر نزيف”.

 

الوقاية الدوائية.. حجر الأساس في علاج الهيموفيليا

تؤكد البروفيسورة آمال جنوني، المختصة في أمراض الدم والمسؤولة عن متابعة مرضى الهيموفيليا بالمستشفى الجامعي بعنابة، في تصريح خصّت به “الأيام نيوز”، أن الاستثمار في العلاج الوقائي يشكل نقلة نوعية في التكفل بهذا المرض.

وتوضح أن اعتماد استراتيجية علاجية مبكرة ودقيقة ومنتظمة يساهم بشكل كبير في تقليص التكاليف على المدى الطويل.

ويُعد العلاج الوقائي جوهر هذه المقاربة، حيث يتم الشروع فيه مباشرة بعد التشخيص، خصوصًا لدى الأطفال المصابين بالأشكال الحادة والمتوسطة. ويهدف هذا العلاج إلى الحفاظ على مستوى كافٍ من عوامل التخثر في الدم، بما يمنع حدوث النزيف قبل وقوعه، بدلًا من التدخل بعد حدوثه.

هذا التحول من العلاج العلاجي إلى العلاج الوقائي مكّن من تقليص المضاعفات بشكل كبير، خاصة تلك المرتبطة بالمفاصل والعظام، والتي تُعد السبب الرئيسي للإعاقة لدى المرضى.

منع المضاعفات.. الطريق نحو حياة طبيعية

تشدد البروفيسورة جنوني على أن النزيف المتكرر داخل المفاصل يؤدي إلى تلف تدريجي فيها، ما ينعكس سلبًا على حركة المريض وجودة حياته. غير أن العلاج الوقائي المنتظم، خاصة عند البدء به في سن مبكرة، يسمح بتفادي هذه المضاعفات بشكل كبير.

وتضيف أن المرضى الذين يستفيدون من هذا النوع من العلاج يمكنهم ممارسة حياتهم بشكل طبيعي إلى حد بعيد، من حيث الدراسة، والأنشطة الرياضية، وحتى الحياة الاجتماعية. كما أصبح بإمكانهم التخطيط لمستقبلهم بثقة أكبر، سواء من حيث العمل أو تكوين أسرة.

هذا التحسن في نوعية الحياة يعكس تطورًا حقيقيًا في النظرة إلى المرض، حيث لم يعد يُعتبر عائقًا حتميًا أمام تحقيق الطموحات.

جهود الدولة.. تقدم ملموس في التكفل والعلاج

وعلى مستوى السياسات الصحية، سجلت الجزائر تقدمًا معتبرًا في مجال التكفل بمرضى الهيموفيليا. فقد تم وضع خطط عمل وطنية، إلى جانب اعتماد توجيهات رسمية سمحت بتعميم العلاج الوقائي على المرضى المصابين بالنوعين “أ” و”ب”، خاصة في الحالات الحادة والمتوسطة المصحوبة بنزيف متكرر.

كما تخضع البروتوكولات العلاجية لتقييم مستمر، مع إدماج علاجات مبتكرة بشكل تدريجي، ما ساهم في تحسين نتائج العلاج وتقليل المضاعفات.

وتشير البروفيسورة جنوني إلى أن هذه الجهود مكّنت المرضى من عيش حياة قريبة جدًا من الحياة الطبيعية، مع السعي الدائم لتحسين جودة حياتهم وحياة أسرهم.

التشخيص المبكر.. مفتاح الوقاية من الإعاقة

يُعتبر التشخيص المبكر عنصرًا حاسمًا في مسار علاج الهيموفيليا، خاصة أن المرض وراثي وتظهر أعراضه في سن مبكرة. وتوضح البروفيسورة جنوني أن الكشف المبكر يسمح بوضع برنامج علاجي وقائي قبل حدوث أولى المضاعفات.

فالنزيف داخل المفاصل، إذا لم يُعالج في الوقت المناسب، قد يؤدي إلى تلف دائم فيها، وهو ما يمكن تجنبه تمامًا عبر التشخيص المبكر والمتابعة المنتظمة.

التربية العلاجية.. شريك أساسي في نجاح العلاج

ورغم أهمية توفير العلاج، إلا أن نجاحه يبقى مرتبطًا بمدى التزام المريض به، وهو ما يتطلب، حسب المختصين، برنامجًا متكاملًا للتربية العلاجية.

هذا البرنامج يستهدف بالدرجة الأولى الأولياء، ثم الأطفال، من أجل تمكينهم من فهم طبيعة المرض، وأهمية العلاج، وطرق التعايش معه. كما يعتمد على عمل فريق متعدد التخصصات، يضم أطباء، وصيادلة، وأخصائيين نفسيين، لضمان مرافقة شاملة للمريض.

“صفر نزيف”.. هدف طبي يصطدم بواقع معقد

وفي تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، سلط البروفيسور مصطفى شلغوم، الخبير في الاقتصاد الصيدلاني بمستشفى سيدي بلعباس، الضوء على التحديات التي تواجه تحقيق هدف “صفر نزيف”، والذي يُعد الهدف الأسمى في علاج الهيموفيليا.

ويؤكد البروفيسور شلغوم أن المشكلة الأساسية التي يعاني منها المرضى تكمن في المضاعفات، خاصة على مستوى المفاصل، حيث يؤدي النزيف المتكرر إلى ألم مزمن، وضعف في الحركة، وقد يصل الأمر إلى العجز عن الدراسة أو العمل، بل وحتى الحاجة إلى عمليات جراحية لتركيب مفاصل اصطناعية.

ويشرح أن تحقيق هذا الهدف يتطلب الحفاظ على مستوى معين من عامل التخثر في الدم، وهو ما يتم عبر العلاج الوقائي. غير أن هذا الأخير يطرح تحديات كبيرة، خاصة أنه يُعطى عن طريق الحقن الوريدي، في بعض الأحيان ثلاث مرات في الأسبوع أو أكثر.

إشكالية الالتزام بالعلاج.. تحدٍّ يومي للمريض

يشير البروفيسور شلغوم إلى أن الالتزام بالعلاج الوقائي يُعد من أبرز التحديات، نظرًا لصعوبة تطبيقه بشكل منتظم، خاصة لدى الأطفال والمراهقين. ففكرة تلقي حقن وريدية متكررة تشكل عبئًا نفسيًا وجسديًا على المريض.

وهنا تبرز الحاجة إلى تطوير علاجات جديدة أكثر سهولة في الاستعمال، بما يضمن تحسين الالتزام بالعلاج، وبالتالي تحقيق نتائج أفضل.

تأثيرات اجتماعية ونفسية.. مرض يتجاوز الجسد

لا يقتصر تأثير الهيموفيليا على الجانب الصحي فقط، بل يمتد إلى الجوانب الاجتماعية والنفسية. إذ يعيش الطفل المصاب، في كثير من الأحيان، ضمن إطار من الحماية الزائدة، ما يؤثر على استقلاليته وثقته بنفسه.

ومع التقدم في العمر، يواجه المريض تحديات إضافية، خاصة خلال مرحلة المراهقة، حيث قد يجد نفسه مضطرًا لاختيار نمط حياة يتماشى مع مرضه، ما يحد من خياراته المهنية والاجتماعية.

كما يشير شلغوم إلى أن تفاوت الإمكانيات بين المرضى من حيث الوصول إلى العلاج أو خدمات إعادة التأهيل، مثل العلاج الفيزيائي، يخلق نوعًا من عدم المساواة، ويزيد من معاناة بعض الفئات.

نحو مقاربة شاملة.. بين الطب والاقتصاد والمجتمع

يؤكد الخبراء أن مواجهة الهيموفيليا تتطلب مقاربة شاملة، لا تقتصر على العلاج الطبي فقط، بل تشمل أيضًا الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. فالتكفل الفعّال بالمرض يمر عبر توفير العلاج، وضمان استمراريته، إلى جانب دعم المرضى نفسيًا واجتماعيًا.

كما أن الاستثمار في العلاج الوقائي، رغم كلفته المرتفعة على المدى القصير، يُعد خيارًا اقتصاديًا ذكيًا، نظرًا لما يحققه من تقليص في تكاليف المضاعفات والعلاج طويل الأمد.

في تقاطع يعكس تطور النظرة الطبية والإنسانية لمرض الهيموفيليا، يبعث كل من البروفيسور مصطفى شلغوم والبروفيسورة آمال جنوني برسالة أمل مشتركة، تؤكد أن هذا المرض لم يعد كما كان في السابق، لا من حيث مساره ولا من حيث تأثيره على حياة المرضى.

رسالة أمل.. من التعايش مع المرض إلى استعادة الحياة

وتؤكد البروفيسورة آمال جنوني أن إصابة الطفل بالهيموفيليا لم تعد نهاية الطريق، بل بداية لمسار يمكن التحكم فيه بفعالية، بفضل التقدم الطبي واعتماد العلاجات الوقائية الحديثة، التي تسمح للمريض بأن يعيش حياة طبيعية إلى حد كبير، ويحقق طموحاته الدراسية والمهنية دون قيود حتمية.

ومن جهته، يشدد البروفيسور مصطفى شلغوم على أن التحولات الحاصلة في مجال العلاج، خاصة مع تطور الأدوية وظهور مقاربات علاجية أكثر نجاعة، جعلت هدف “صفر نزيف” أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى، مضيفًا أن الأمل اليوم لم يعد نظريًا، بل أصبح مشروعًا قابلًا للتحقيق.

ويجمع الخبيران على أن متوسط العمر المتوقع للمصابين بالهيموفيليا، في حال الالتزام بالعلاج المناسب، أصبح مماثلًا لباقي أفراد المجتمع، وهو ما يعكس التحول الجذري في مسار هذا المرض، من حالة مزمنة مثقلة بالمضاعفات إلى وضع صحي يمكن التعايش معه بكرامة واستقلالية، لأن مرض الهيموفيليا لم يعد حكمًا، بل تحدٍّ يمكن تجاوزه، وأملٌ يتجدد مع كل تطور طبي.

 

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي