الإثنين، 18 مايو 2026 — 30 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

من النفايات إلى الثروة.. كيف تحوّل الجزائر “الكارتون” إلى قيمة مضافة؟

Author
صبرينة عيلان 12 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

قال الدكتور كريم ومان، المدير العام السابق للوكالة الوطنية لتثمين النفايات والاقتصاد الدائري، إن كل طن من الورق يعاد تدويره محليا لا يوفر فقط العملة الصعبة، بل يساهم أيضا في اقتصاد ما يقارب 26.500 لتر من المياه و4000 كيلوواط من الكهرباء، ما يعكس أبعادا اقتصادية تتجاوز الطابع البيئي لهذا النشاط، وهذا من خلال ارتفاع تكاليف التعبئة عالميا بنسبة تتراوح بين 40 و60 بالمائة، وبلوغ معدلات تدوير الورق في بعض التجارب الدولية نحو 71,4 بالمائة.

وأجمع كل من الدكتور كريم ومان، المدير العام السابق للوكالة الوطنية لتثمين النفايات، والخبير الاقتصادي، الدكتور أحمد الحيدوسي، في تصريح لهما لـ”الأيام نيوز”، على أن اختزال الكرتون في مجرد مادة للتغليف يمثل قراءة سطحية لا تعكس حجمه الحقيقي داخل المنظومة الاقتصادية المعاصرة، التي باتت تقوم على شبكات معقدة من الإنتاج والتوزيع والاستهلاك. فالكرتون، في نظرهما، لم يعد مجرد غلاف خارجي يحمي السلع أثناء نقلها، بل تحوّل إلى عنصر بنيوي يضمن انسيابية حركة المنتجات عبر مختلف الحلقات، من المصانع إلى مراكز التخزين، وصولا إلى رفوف المتاجر وأبواب المستهلكين.

وبحسب الخبيرين، فإن أي اضطراب في هذا القطاع، مهما بدا محدودا أو تقنيا، يمكن أن يُحدث تأثيرات متسلسلة تمتد بسرعة إلى باقي مكونات السوق. فتعطل إنتاج الكرتون أو ارتفاع تكلفته قد يؤدي إلى إرباك عمليات الشحن والتوزيع، وتأخير تسليم السلع، بل وحتى ندرة بعض المنتجات الأساسية في الأسواق. ومن هنا، يتجاوز تأثير هذه المادة البعد الصناعي الضيق ليطال بشكل مباشر الأمن الاجتماعي والاستقرار المعيشي، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من منظومة تلبية الحاجيات اليومية للمواطنين.

هذا وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خاصة مع صعود التجارة الإلكترونية وتوسع سلاسل الإمداد العابرة للحدود، تزايدت أهمية الكرتون كوسيط لوجستي لا غنى عنه. فهو يشكل الحلقة التي تربط بين المنتج والمستهلك، ويساهم في الحفاظ على جودة السلع، وتقليص الخسائر، وضمان وصول المنتجات في ظروف آمنة، لاسيما في قطاعات حساسة مثل الصناعات الغذائية والدوائية.

وعليه، فإن إعادة قراءة دور الكرتون داخل الاقتصاد تفرض نفسها اليوم كضرورة تحليلية، لفهم مدى حساسية هذا القطاع وارتباطه الوثيق بمفاهيم السيادة الاقتصادية والجاهزية اللوجستية، خاصة في ظل الأزمات العالمية المتكررة التي أثبتت أن أبسط حلقات الإنتاج قد تكون في كثير من الأحيان الأكثر تأثيرًا في استقرار الأسواق.

الكرتون ليس غلافا.. بل عصب التجارة الحديثة
وفي الموضوع، أكد الدكتور كريم ومان، المدير العام السابق للوكالة الوطنية لتثمين النفايات والاقتصاد الدائري، أن اختزال الكرتون في وظيفة الغلاف يتجاهل دوره كعصب حيوي للتجارة الحديثة؛ فالخطأ الاستراتيجي يكمن في عدم إدراك حجم الاعتماد عليه. فمع استحواذ التجارة الإلكترونية على 40% من استهلاك الكرتون عالميا، لم يعد مجرد منتج ثان، بل أصبح الناقل الذي من دونه تتعطل مليارات الدولارات من المعاملات الرقمية.
وعلى نسق هذا الدور الحيوي، يقول الدكتور ومان إن النظر للكرتون المستعمل كنفايات يعد قصورا كبيرا في الرؤية، فهو في الواقع منجم حضري متجدد يمكن إعادة تدويره حتى 7 مرات. لذا، فإن إهمال هذا المصدر لا يمثل خسارة بيئية فحسب، بل يعني إهدار مادة خام ثانوية جاهزة للاستخدام محلياً في الصناعة والتجارة وحتى القطاع الخدماتي.

كريم ومان

وأكد الدكتور كريم ومان أن النظرة التقليدية للكرتون باعتباره مجرد مادة تغليف لم تعد تعكس حقيقته داخل المنظومة الاقتصادية الحديثة، مشددا على أن هذا المورد البسيط ظاهريا يشكل في الواقع دعامة استراتيجية لضمان استمرارية سلاسل التوريد وحماية القيمة الاقتصادية للسلع.

وأوضح ومان أن أهمية الكرتون لا تتوقف عند حدود كونه مادة قابلة للتدوير أو عنصرا بيئيا، بل تمتد لتشمل حماية السلع أثناء النقل والتخزين، مضيفا أن الكرتون هو الضمانة الأساسية التي تحول دون تلف البضائع عبر مختلف مراحل التوزيع. وفي غيابه، ترتفع معدلات التلف بشكل مباشر، وهو ما ينعكس ـ حسبه ـ في شكل خسائر اقتصادية صريحة تمس الناتج المحلي الإجمالي. ومن هذا المنطلق، دعا الخبير إلى إعادة تعريف الكرتون كأداة للسيادة اللوجستية، وليس مجرد وعاء ذي استعمال أحادي.

اضطراب الإمدادات تهديد مباشر للأمن الغذائي والدوائي

وفي رده على سؤال حول انعكاسات اضطراب إمدادات الورق والكرتون، أوضح ومان أن هذه المادة تمثل حلقة وصل حرجة داخل سلاسل الإمداد العالمية، وأن أي خلل في توفرها لا يبقى محصورا في القطاع الصناعي، بل يمتد ليطال قطاعات حيوية تمس الحياة اليومية للمواطن.
وأشار إلى أن المنتجات الغذائية والدوائية تتطلب شروطا صارمة في النقل والتخزين، ما يجعل توفر مواد التعبئة مسألة حيوية لا تحتمل التأجيل، مضيفا: “غياب الكرتون يعني ببساطة عجز الفلاح عن تسويق محصوله، وتوقف المصنع عن إيصال الدواء إلى المستشفى، وهو ما يخلق ندرة مصطنعة تهدد الأمن الغذائي والدوائي على حد سواء”.
كما لفت المتحدث إلى أن اضطراب الإمدادات يؤدي إلى ارتفاعات حادة في تكاليف التعبئة عالميا، تتراوح بين 40 و60 بالمائة، مؤكدا أن هذه الزيادات “لا يمكن أن يتحملها قطاع التوزيع بمفرده، وبالتالي تنقل مباشرة إلى المستهلك، وهو ما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية، خاصة فيما يتعلق بالمواد الأساسية.

الورق درع استراتيجي في مواجهة التقلبات العالمية
وفي سياق متصل، شدد الدكتور ومان على أن تدوير الورق أصبح اليوم درعا استراتيجيا يعزز مناعة الاقتصاد الوطني ويقلل من تبعيته للأسواق الخارجية، موضحا أن الدول التي تفتقر إلى الموارد الغابية تظل رهينة لتقلبات أسعار لب الورق في الأسواق الدولية.
وأضاف أن التدوير المحلي يضمن توفر المادة الخام داخل الحدود الوطنية، ما يحصّن الاقتصاد من اضطرابات سلاسل الشحن والأزمات التجارية. واستشهد في هذا السياق بالتجربة الأوروبية التي حققت معدل تدوير بلغ 71,4 بالمائة، معتبرا أن هذا “النموذج أثبت قدرة التدوير على توفير استقرار سعري للصناعات التحويلية، وحمايتها من خطر التوقف في أوقات الأزمات”.

وأكد أن تبني دورة مغلقة للورق محليا يسمح بفك الارتباط مع تقلبات الأسواق العالمية، حيث تصبح تكاليف الإنتاج مرتبطة بالموارد المحلية المسعرة بالعملة الوطنية، بدل الارتهان للعملة الصعبة.

وفي حديثه عن البعد المالي، أوضح ومان أن تدوير الورق يتجاوز كونه حلا بيئيا ليصبح أداة استراتيجية لحماية ميزان المدفوعات، مشيرا إلى أن كل طن يُعاد تدويره محليًا يمثل طنا لم يتم استيراده، وهو ما يعني تقليصا مباشرا في استنزاف العملة الصعبة.

وأضاف أن هذا القطاع لا يكتفي بتقليل الواردات، بل يساهم في خلق قيمة مضافة حقيقية، من خلال تحويل النفايات الورقية إلى منتجات نهائية عالية القيمة، مثل علب الكرتون، بدل تصديرها كمخلفات منخفضة السعر.

كما أبرز الخبير ما وصفه بالربح الخفي لقطاع التدوير، موضحا أن تدوير الطن الواحد من الورق يوفر نحو 26.500 لتر من المياه و4000 كيلوواط من الكهرباء، وهي موارد تعادل في جوهرها وفورات مالية معتبرة في ميزانيات الدولة. إضافة إلى ذلك، يساهم التدوير في تقليص تكاليف الطمر، عبر تقليل الضغط على مراكز الردم وتخفيض الأعباء المرتبطة بتسيير النفايات.

وأضاف الدكتور كريم ومان، في تصريحه، بالتأكيد على أن قطاع التدوير يمثل أيضا رافعة حقيقية لسوق العمل، حيث يخلق 36 وظيفة في مجال التدوير مقابل 6 وظائف فقط في قطاع الطمر، وهو ما يعكس ـ حسبه ـ قدرة هذا النشاط على تحفيز الاقتصاد الداخلي.

وأشار إلى أن وقف استيراد المواد الأولية وتحويلها محليا يساهم في إعادة ضخ الأموال داخل الاقتصاد الوطني، في شكل أجور ومداخيل، الأمر الذي يعزز القدرة الشرائية للمواطن ويدعم الاستقرار الاجتماعي.

وبناءً على ذلك، دعا ومان إلى ضرورة إدماج قطاع تدوير الورق والكرتون ضمن الاستراتيجيات الوطنية الكبرى، باعتباره ليس فقط خيارا بيئيا، بل رهانا سياديا يمس الأمن الاقتصادي واللوجستي والمالي للبلاد.

أحمد الحيدوسي

التدوير رافعة لتنويع الاقتصاد خارج المحروقات
من جهته، أكد الدكتور أحمد الحيدوسي، أستاذ الاقتصاد بجامعة جامعة الجزائر، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن تبني استراتيجية وطنية فعالة لتدوير النفايات لم يعد خيارا بيئيا فحسب، بل تحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية وأداة سيادية بامتياز في ظل التحديات المالية التي تواجهها الجزائر، وعلى رأسها تقليص استنزاف العملة الصعبة.

وأوضح المتحدث أن الاقتصاد الجزائري، الذي يسعى تدريجيا إلى تنويع مصادر دخله خارج قطاع المحروقات، بحاجة إلى تثمين موارده المحلية غير التقليدية، وفي مقدمتها النفايات القابلة لإعادة التدوير، والتي تمثل “منجما اقتصاديا مهملا”. فبدل الاعتماد على استيراد مواد أولية صناعية مثل البلاستيك المعاد تصنيعه، الورق، الكرتون، وحتى بعض المعادن، يمكن للجزائر أن توجّه استثماراتها نحو إنشاء منظومة متكاملة للتدوير، تضمن إعادة إدماج هذه المواد في الدورة الإنتاجية الوطنية.
وأشار الدكتور الحيدوسي إلى أن الفاتورة السنوية لاستيراد هذه المواد تمثل عبئا معتبرا على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، وهو ما يجعل من تطوير شعبة التدوير خطوة استراتيجية لتقليص الطلب على العملة الصعبة. فكل طن يتم استرجاعه وإعادة تدويره محليا، يقابله تقليص مباشر في فاتورة الاستيراد، ما يعزز التوازنات المالية ويخفف الضغط على ميزان المدفوعات.

وفي هذا السياق، شدّد الخبير على أن الاستثمار في اقتصاد التدوير لا يقتصر على الجانب الصناعي فقط، بل يمتد ليشمل خلق مناصب شغل جديدة، خاصة لفائدة الشباب، سواء في جمع وفرز النفايات أو في الصناعات التحويلية المرتبطة بها. كما يساهم في دعم المؤسسات الناشئة والمصغّرة، التي يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في بناء سلسلة قيمة متكاملة، من المصدر إلى المنتج النهائي.

كما أبرز أن الدول التي نجحت في هذا المجال، على غرار بعض الاقتصادات الأوروبية والآسيوية، لم تنظر إلى النفايات كمشكل، بل كمورد اقتصادي قابل للاستثمار، وهو ما ينبغي أن تستلهمه الجزائر من خلال وضع تحفيزات جبائية ومالية، وتشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب إدماج الاقتصاد غير الرسمي ضمن منظومة منظمة وشفافة.
وأضاف الدكتور الحيدوسي أن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد دائري، تكون فيه الموارد مستغلة إلى أقصى حد ممكن، ما يعزز السيادة الاقتصادية والمالية للجزائر، ويقلل من هشاشتها أمام تقلبات الأسواق الدولية، خاصة في ظل التحولات العالمية المتسارعة.