2025.01.13
من باريس إلى لندن..  مروءة جزائرية لا تحكمها الجغرافيا مقالات رأي

من باريس إلى لندن.. مروءة جزائرية لا تحكمها الجغرافيا


شهدت ضواحي باريس خلال الساعات الماضية، حادث انفجار منزلي في منطقة "ماجني-لي-هامو"، أسفر عن اشتعال النيران ومحاصرة أم وثلاثة أطفال في الطابق العلوي. وفي الدقائق الأولى التي سبقت وصول فرق الطوارئ، تدخّل الجزائري رشيد، جار العائلة، واقتحم المكان لإخراج الأطفال واحدا تلو الآخر، وفق ما نقلته وسائل إعلام فرنسية. الواقعة أعادت إلى الواجهة، سلسلة حوادث مماثلة في مدن أوروبية، حيث برز جزائريون كمستجيبين أوائل في مواقف طارئة، ما يؤكد أن ما حدث هو امتداد لسلوك مدني متكرر، يعكس حضورا أخلاقيا ثابتا في لحظات الخطر.

في صباح الثلاثاء 23 ديسمبر 2025، دوّى انفجار عنيف داخل منزل سكني في بلدية "ماجني- لي-هامو" في إقليم إيفلين غربي باريس، قبل أن تلتهم النيران أجزاء واسعة من المسكن، في دقائق قليلة تحوّل المكان إلى مشهد فوضى وانطلق دخان كثيف، ولهب يعلو بسرعة، وصراخ يقطع الشارع، وداخل المنزل كانت أم في التاسعة والثلاثين مع أطفالها الثلاثة أعمارهم بين عامين وخمس سنوات محاصرين بين الطابق العلوي والدخان المتصاعد، والسلطات الفرنسية قد تحدثت عن أربع ضحايا في حالة استعجال مطلق، وفتح تحقيق لتحديد أسباب الحادث، وفق ما نقلته وسائل إعلام فرنسية عن محافظة إيفلين ونيابة فرساي.

وسط هذه اللحظة التي لا تمنح وقتا للتفكير الطويل، تقدّم جارٌ يُدعى رشيد إلى واجهة المشهد، وروايات الصحافة الفرنسية المتداولة تتفق على خطّ عام أن رشيد خرج فور سماع الانفجار، حيث رأى الأم تصرخ طلبا للنجدة، ثم صعد إلى الطابق العلوي ودخل البيت المشتعل بمساعدة بعض الجيران، وبدأ إخراج الأطفال واحدا تلو الآخر، وفي شهادته التي بثّتها محطات فرنسية، وصف القرار بعبارات مباشرة حيث قال إنه اندفع لأن الوقت كان ينفد، وأنه تعامل مع الأمر كواجب إنساني لا يحتمل التأجيل.

إن هذه القصة رغم أنها تبدو خبرا إنسانيا من النوع الذي يمرّ سريعا في نشرات الحوادث، لكنها في الأصل تحمل طبقات أعمق عن روح الإنسان وثقافته ومعنى الشجاعة المدنية في المدن الحديثة، ودور الجيرة كشبكة أمان أولى قبل وصول سيارات الإطفاء، ثم ما تكشفه القصة عن صورة الجزائريين في المهجر عندما تُختزل حياتهم في عناوين إدارية أو نقاشات هوياتية صاخبة، هنا يظهر الوجه الحقيقي للجزائري، أو ابن الجالية الجزائرية، فيتقدّم خطوة إضافية في لحظة الخطر، ويترك بصمة يصعب محوها لأن أثرها ملموس بحياة أُنقذت.

وفي خلفية الحدث تبقى الحقيقة العملية كون أن الانفجار أدى إلى دمار كبير للمنزل، وأصيب أفراد العائلة بجروح خطيرة استدعت نقلهم بشكل عاجل، بينما تحوّل رشيد في ساعات قليلة إلى بطل يومي في الحي، وينال اعتراف الناس الذين شاهدوا النار تتقدم ورأوا شخصا يقرر أن يتقدم نحوها.

لحظة الانفجار... كيف تحوّل رشيد إلى أول مستجيب قبل وصول الطوارئ

عند وقوع انفجارٍ منزليّ، لا يمنح المكان وقتا للفهم، يسبق الصوتُ الخبر، وتسبق سحابة الغبار تفسيرَ ما حدث "في ماجني-لي-هامو"، وقد وُصف المنزل بأنه دُمّر شبه كلي، وبأن الطابقين تضررا بشدة، فيما انتشرت الشظايا في محيط واسع وأُغلقت المنطقة أمنيا، وتحركت فرق الإطفاء بكثافة كبيرة، ضمن هذا المشهد، بدأت الشهادة المتداولة عن رشيد البطل حيث لم ينتظر تعليمات، ولم يكتف بالاتصال ودخل مباشرة مذ عرف أن في الداخل أطفالا، وأن النار في مثل هذه اللحظات لا تعطي فرصة ثانية عندما يتكاثف الدخان في الطابق العلوي، وقد ذُكر أنه استعان بجارٍ ساعده جسديا على الوصول إلى مدخلٍ صار معقدا بسبب الدمار، ثم بدأ إخراج الأطفال واحدا تلو الآخر، هذا التفصيل بالذات مهم لأنه يُظهر أن البطولة كانت فعلا مدنيا بدأ بشخص وثقافة إنسانية عالية.

تتقدّم القصة أكثر عندما نضعها في سياق ما بعد الإنقاذ، فالسلطات القضائية أعلنت فتح تحقيق تحت عنوان البحث عن أسباب الإصابات، وأُسند الملف إلى فرقة البحث في رامبوييه، وهذا الإجراء يعني أن الكارثة تم التعامل معها كواقعة تتطلب خبرات تقنية وسماع شهود وجمع عناصر مادية لمعرفة السبب المحتمل للانفجار.

لكن ما لا يقوله التحقيق عادة هو ما حدث في الدقائق الأولى داخل البيت، وهنا تتقدم قيمة شهادة رشيد لأنها تضيء نقطة الفراغ الزمني بين وقوع الانفجار ووصول الفرق، وفي هذا الفراغ تحديدا، يكون السكان هم من يحددون شكل النهاية، رشيد قرر أن تكون النهاية نجاة، حتى لو خرج هو نفسه بأذى، وفي روايات متداولة، ذُكر أنه أصيب بحروق في اليدين أثناء الحفر والبحث وسط الركام والدخان، فالرجل يروي جسدا دفع ثمنا حتى لا تدفعه عائلة كاملة.

رشيد... سيرة دقيقة لقرارٍ واحد وكيف تُصنع البطولة

إن الجزء الأكثر حساسية في رواياته يتمثل في لحظة مواجهة الأم داخل النار، ورد في رواية متداولة أنه وجدها وسط اللهب والدخان، وأنها كانت ترفض الخروج لأن طفلها الأصغر ما يزال في الداخل، في هذا النوع من الحوادث، قد تكون الأم على وشك فقدان الوعي، ليكون قرار رشيد الذي لم يكن إنقاذا سهلا فيقوم على إخراج طفل ثم الانسحاب، ومحاولة قراءة المكان وهو ينهار ويتبدل.

والأهم أن رشيد لم يعمل بمعزل عن محيطه، فذُكر أن الجيران ساعدوا في اللحظة الأولى، وأن واحدا منهم أسنده جسديا للدخول، وأن آخرين شاركوا في استلام الأطفال وتأمين الممر وتوجيه الحركة حول المنزل حتى لا تتحول الفوضى إلى كارثة إضافية، في مثل هذه القصص، تظهر النجدة بوصفها ثقافة حيّ، لكن ظهورها يحتاج إلى شرارة أولى، ورشيد كان هذه الشرارة.

لماذا يندفع إنسان إلى النار؟... الشجاعة المدنية حين تصير فعلا

في علم الاجتماع اليومي تُوصف لحظات الكوارث بأنها لحظات انكشاف للسلوك البشري حيث إن البعض يتراجع، البعض يجمد، والبعض يتحرك، وما حدث في "ماجني ليهامو" يندرج ضمن ما يمكن تسميته الشجاعة المدنية؛ حيث إن هذه الشجاعة لا ترتبط بزيّ رسمي ولا بسلطة، وتحتاج مباشرة إلى قرار فردي يخضع لقيم تربى عليها الإنسان وبإحساسه بالمسؤولية تجاه الآخر.

ومن زاوية أخرى تعيد القصة طرح سؤال مهم وهو: أين يبدأ دور المواطن وأين ينتهي؟ فالدولة تمتلك أجهزة الإطفاء والإسعاف والشرطة، لكن الدقائق الأولى في كثير من الحوادث تبقى خارج قدرة هذه الأجهزة على الحضور الفوري، وهنا تظهر قيمة المبادرة المدنية وخاصة عند الفرد الجزائري.

الجزائريون وبطولات المهجر... حالات موثقة تكشف خطّا إنسانيا متكررا

قصة رشيد ليست استثناء معزولا في سرديات الجزائريين بالمهجر، فخلال السنوات الأخيرة، فقد تكررت قصص لجزائريين تدخلوا لإنقاذ أرواح أو لتقديم العون في ظروف طارئة، مما شكّل خيطا إنسانيا متكررا في ذاكرة الجاليات الجزائرية في الخارج، هذه الحالات من باريس إلى لندن، تُظهر الاندماج الإيجابي والتفاعل مع محيطهم الاجتماعي في اللحظة التي تحتاج إلى فعل شجاع سريع.

في فرنسا معقل أكبر جالية جزائرية في العالم، ظهر نواري (18 عاما) في يونيو 2024 كأحد أبطال اللحظة عندما قفز في مياه حوض لافيليت بباريس لإنقاذ امرأة كانت على وشك الغرق أثناء محاولتها إنقاذ كلبها، وكان تدخله بعيدا عن أي واجب رسمي بل بدافع إنساني فوري، ويتقاطع هذا مع حالة إسلام مرابط في محطة مترو Raspail، حيث منع سقوط شخص على السكة في مايو 2024، وحالة ماسي في Choisy-le-Roi الذي أنقذ طفلة مهددة بالسقوط في يونيو 2025، وحالة عبد الإله عسّاوي الذي أنقذ طفلين من حريق في Le Mée-sur-Seine عام 2020، ما ساهم في حصوله على إقامة استثنائية لاحقا. كل هذه الأمثلة تركّز على الاستجابة الإنسانية قبل أي اعتبار آخر.

وفي المملكة المتحدة بريطانيا في حادثة نوفمبر 2025، حيث كان العامل الجزائري سمير زيتوني على متن قطار حين وقع هجوم طعْن جماعي بين دونكاستر ولندن، حيث وقف زيتوني في وجه المهاجم لحماية الركاب، مما ساهم في إنقاذ العديد منهم، رغم إصابته بجروح خطيرة ونقله إلى المستشفى، وتمت الإشادة به رسميا من الجهات البريطانية كبطل حقيقي لأن تدخله أنقذ أرواحا كثيرة في لحظة تهديد مباشر.

هذه الأمثلة من فرنسا والمملكة المتحدة وغيرها ليست سوى جزء من نسيج أوسع لجزائريين يعيشون في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث تتحلى الجالية الجزائرية بصبغتها الإنسانية في السياقات اليومية، يشكّل الجزائريون جزءا من أغلب المجتمعات الأوروبية الكبرى مثل بلجيكا، إسبانيا، ألمانيا، وإيطاليا، إضافة إلى وجود مجموعات كبيرة في كندا والولايات المتحدة، تقدّر بأكثر من مئات الآلاف في كل منها.

وفي كندا حيث تمتد الجالية الجزائرية إلى ما يعتبر أكبر تجمع جزائري في أمريكا الشمالية، مركّزا في كيبيك وأونتاريو، حيث يسهمون في المجتمع في مجالات متنوعة من العمل المهني والعلمي إلى الأنشطة المدنية والثقافية رغم أن القصص الفردية عن إنقاذ الأرواح بالمعنى المأساوي قد لا تكون موثّقة إعلاميا بنفس الوتيرة، إلا أن الدور الاجتماعي الثابت للجالية في المبادرات الخيرية والتضامنية هو جزء من نسيج الحياة الكندية اليومية.

ما تجمع عليه هذه الحالات، سواء في باريس أو لندن أو غيرهما، هو تقدّم الفرد للمساعدة قبل التردّد والحسابات، مما يعكس صورة تتجاوز الأحكام النمطية حول المهاجرين، الجزائري في المهجر يتفاعل مع محيطه، ينقذ حياة في محنة، ويساهم في تعزيز نسيج المجتمع الذي يعيش فيه، سواء كان ذلك بضحية قدرة شخص أنقذ آخر من الغرق أو عبر رجل واجه خطرا مباشرا لحماية ركاب لا يعرفهم.

سوسيولوجيا "المروءة" في الفضاء العام.. كيف تُعيد القيم الأصيلة ترتيب الفوضى؟

تُمثل حوادث الإنقاذ التي نفذها جزائريون في المهجر مادة خصبة لتحليل "سوسيولوجيا الفعل العفوي"، ففي اللحظة التي يندفع فيها شاب نحو حريق أو يقفز إلى سكة مترو، هو في الواقع يستحضر منظومة "التربية على الإقدام" التي تشكلت في أحياء الجزائر وقراها، هذه المنظومة التي تقوم على مبدأ "الجماعية" (Collectivism) في مواجهة المخاطر، حيث يُعتبر الفرد مسؤولا أخلاقيا عن محيطه المباشر، ثم إن ما نلاحظه في مدن مثل باريس، لندن، أو كندا وغيرها، هو انتقال هذه العدوى الإيجابية من النخوة إلى قلب المجتمعات الغربية، حيث يصبح الجزائري قائد استجابة بالفطرة، لا ينتظر صدور أوامر أو اكتمال شروط السلامة الشخصية لأنه يرى في الخطر نداء للهوية والذات والإنسانية، فيندفع لترميم التصدعات التي تتركها الحوادث المفاجئة في جدار السلم الاجتماعي.

هذه البطولة الفطرية تعكس حالة من "الصلابة النفسية" التي يتميز بها الفرد الجزائري، وهي صلابة ناتجة عن تاريخ طويل من التحديات والمواجهات الكبرى، فحين يواجه الجزائري النار أو السلاح لإنقاذ غريب، فإنه يمارس نوعا من "الدبلوماسية الشعبية" الصامتة، إن صح التعبير، والتي تخاطب الوجدان العام، إن التأثير السوسيولوجي لهذه الأفعال يمتد لسنوات، فهي تخلق حالة من الامتنان المجتمعي وتكسر العزلة بين المكونات الثقافية المختلفة، إنها عملية تجسير فجوات تتم عبر التضحية والجسد، حيث يكتب هؤلاء الشباب بدمائهم وعرقهم حقيقة وجودهم كعناصر فاعلة، منخرطة، وحريصة على استقرار مجتمعاتهم الجديدة، ما يجعل من المروءة الجزائرية أو "الرجلة" بالمفهوم الجزائري مادة دسمة للدراسات التي تبحث في كيفية اندماج القيم التقليدية في تحديث السلوك المدني المعاصر في العالم.

سيميولوجيا "الجسد المندفع".. تحويل الفعل الغريزي إلى استراتيجية أمن مدني موازية

عندما نتأمل في بطولات الجزائريين بالمهجر، لا نجد أنفسنا أمام مجرد شجاعة عفوية، فنحن بصدد دراسة "سيميولوجيا الجسد" الذي يرفض أن يكون مجرد "رقم إداري" في إحصائيات الهجرة، ليصبح "فاعلا أمنيا" يتفوق على الأجهزة التكنولوجية، ففي حادثة سمير زيتوني ببريطانيا (نوفمبر 2025)، الذي واجه هجوما بالسكاكين في قطار كامبريدج، أو في فعل رشيد ديدوش الذي اقتحم نيران حريق إيفلين (ديسمبر 2025)، نلاحظ وجود "ذكاء ميداني" يدمج بين السرعة الفائقة في اتخاذ القرار وبين القدرة على قراءة الفراغ الزمني القاتل الذي يسبق وصول فرق الإنقاذ، هذا الجزائري المندفع لا يتحرك بعاطفة مجردة إنما ببروتوكول "المبادرة الفائقة" الذي يجعله يدرك أن كل ثانية تأخير تعني فقدان حياة بشرية.

إن هذا "الذكاء الإستراتيجي للنجدة" يقلب المفاهيم السوسيولوجية التقليدية حول "تأثير المتفرج"(Bystander Effect)  الذي يسود في المدن الكبرى مثل لندن وباريس وبرلين، حيث يميل الناس عادة لانتظار تدخل السلطات، ثم إن الجزائري بتركيبته النفسية التي ترفض "الوقوف السلبي"، يكسر هذا الجمود الاجتماعي، وهو يمتلك ما يمكن تسميته بـ"الأمن الوجداني الميداني"، كم قدرة على تحويل الاندفاع إلى هندسة نجاة، كما فعل إسلام مرابط في مترو باريس عندما حسب توقيت وصول المقطورة قبل القفز للسكة. إننا هنا أمام "مواطنة جسدية" تعيد تعريف دور المهاجر، فهو "صمام أمان بشري" يساهم في خفض معدلات الوفيات في الحوادث المنزلية والشارعية.

إعادة هندسة الصورة الذهنية للجزائري في الضمير العالمي

تتجاوز هذه البطولات حدود الفعل المادي لتدخل في سياق "الدبلوماسية الشعبية" التي تصحح بدموع الامتنان ما أفسدته صراعات الهوية والخطابات السياسية المتشنجة، حين تخرج عمدة مدينة "ماجني-لي-هامو" لتصف رشيد بـ"البطل الحقيقي"، أو عندما تضج منصات التواصل في إسبانيا بالحديث عن الشاب الجزائري أمين الذي أنقذ مسنا من الغرق في سواحل "أليكانتي" (صيف 2025)، فإننا نشهد عملية تطهير للصورة النمطية، هذا الفعل البطولي هو أقوى من أي حملة إعلانية أو خطاب سياسي، لأنه يلمس المنطقة "فوق العرقية" و"فوق الدينية" في الإنسان، وهي منطقة الحفاظ على النوع.

إن هذه الحالات تمثل قوة ناعمة صامتة، حيث يتحول الجزائري من "موضع اتهام" في بعض الخطابات اليمينية المتطرفة إلى "موضع امتنان" وتقدير وطني. إن تحويل الشجاعة الفردية إلى "أيقونة" مجتمعية يساهم في إعادة ترتيب السلم الهرمي للقيم داخل المجتمعات الغربية، لم يعد المهاجر الجزائري يُعرف فقط بمهارته التقنية أو كفاحه الاقتصادي، فقد صار يُعرف بالمروءة العابرة للحدو، وهذا الرصيد القيمي يبني جسورا من "الثقة الإنسانية" بين الشعوب، فالجار الفرنسي أو البريطاني الذي شاهد جاره الجزائري يخاطر بحياته من أجل أطفاله، لن يرى فيه بعد اليوم غريبا وسيراه أخا في المصير، إنها عملية إعادة صياغة للعقد الاجتماعي في أوروبا، حيث تُكتب بنوده بشجاعة الجزائريين الذين يقدمون أرواحهم كقربان لتعايش إنساني أعمق، محولين مفهوم "الاندماج" من قالب قانوني جاف إلى فعل تضامن وجداني ملموس.

استشراف "المواطنة العالمية".. الجزائري كجسر قيمي بين ضفتي الحضارة

يفتح ملف بطولات الجزائريين في المهجر آفاقا جديدة لما يمكن تسميته بـ"المواطنة العالمية المتجذرة"، إن الجزائري الذي ينقذ غريقا في كندا أو يقتحم حريقا في فرنسا، يثبت أن "الجزائرية" ليست انغلاقا جغرافيا فهي "حقيبة قيمية" محمولة عبر القارات، وهذه البطولات تضع العالم أمام حقيقة أن الثقافة الجزائرية، بتركيبتها التي تمزج بين الصرامة والرحمة، تمتلك القدرة على ترميم التصدعات الإنسانية أينما وجدت.

إن مستقبل الجاليات الجزائرية، بناء على هذه "الدبلوماسية الوجدانية"، يتجه نحو الاعتراف بها كرصيد إنساني استراتيجي للدول المضيفة، لم يعد المهاجر يدا عاملة فقط، فقد صار قلبا نابضا يحمي المجتمعات من التفكك القيمي. إن قصص رشيد، سمير، نواري، وماسي، هي رسائل مشفرة إلى المستقبل، تؤكد أن العالم في لحظات احتراقه سيجد دائما "جزائريا" يقرر أن يتقدم نحو النار حين يقرر الجميع التراجع، وبذلك، تظل البطولة الجزائرية في المهجر هي الضمانة الأسمى لتعايش يبدأ من النجدة، ويمر عبر الامتنان، لينتهي ببناء إنسانية واحدة لا تفرقها الحدود.