الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

من تشييد المشاريع إلى قياس أثرها.. هل دخلت الجزائر مرحلة تنموية جديدة؟

Author
سارة حمدون 07 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم تعد قيمة المشاريع العمومية تقاس بعدد المنشآت التي يتم إنجازها، بل بقدرتها على خلق الثروة، واستحداث مناصب الشغل، وتحسين جودة الخدمات العمومية. وبينما تواصل الجزائر إطلاق مشاريع في قطاعات الصحة والرقمنة والسكن والبنية التحتية، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت البلاد قد انتقلت فعلا إلى نموذج تنموي جديد، يقوم على قياس أثر الاستثمار في النمو الاقتصادي وتحسين حياة المواطن.

فبعد عقود ركزت خلالها السياسات العمومية على سد العجز في البنية التحتية وتوفير المرافق الأساسية، يبدو أن الرهان اليوم يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدا، عنوانها تحويل المشاريع المنجزة إلى أدوات للإنتاج وخلق القيمة المضافة، وجعل المواطن المستفيد الأول من نتائج التنمية، وتأتي هذه الديناميكية في ظرف اقتصادي عالمي يتسم بتحولات عميقة، حيث لم تعد قوة الدول تقاس فقط بحجم مواردها الطبيعية أو عدد المشاريع التي تنجزها، وإنما بقدرتها على بناء اقتصاد متنوع، قائم على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.

من اقتصاد الإنجاز إلى اقتصاد الأثر

شهدت الجزائر، خلال السنوات الماضية، إنجاز مشاريع كبرى في قطاعات السكن والنقل والطاقة والصحة والتعليم، وهي مشاريع ساهمت في تعزيز البنية الأساسية وتحسين مستوى التغطية بالخدمات العمومية. غير أن التحولات الاقتصادية الجديدة فرضت الانتقال من منطق الإنجاز إلى منطق أكثر ارتباطا بالنتائج، أي الانتقال من سؤال كم عدد المشاريع التي تم إنجازها؟ إلى سؤال ما الأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي حققته هذه المشاريع؟“.

وفي هذا السياق، صرح الخبير الاقتصادي وأستاذ العلوم الاقتصادية الدكتور الهواري تيغرسي لـ”الأيام نيوز، أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من استكمال بناء البنية التحتية إلى تعظيم أثرها الاقتصادي والاجتماعي، ومن الاستثمار في المنشآت إلى الاستثمار في الإنسان والمعرفة والسيادة الرقمية.

ويؤكد تيغرسي أن مفهوم الاستقلال في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقتصر على البعد السياسي فقط، بل أصبح مرتبطا أيضا بالاستقلال الاقتصادي والسيادة الرقمية والأمن الصحي والقدرة على بناء اقتصاد قائم على المعرفة.

ويضيف أن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في عدد المشاريع التي يتم إطلاقها أو حجم الأموال المرصودة لها، وإنما في قدرتها على رفع تنافسية الاقتصاد، تحسين الإنتاجية، خلق مناصب الشغل، وتوفير خدمات عمومية ذات جودة للمواطن.

مؤشرات اقتصادية تعكس مرحلة انتقالية

تأتي هذه التحولات في وقت تشير فيه المؤشرات الاقتصادية إلى استمرار قدرة الاقتصاد الجزائري على تحقيق مستويات نمو إيجابية، رغم التحديات المرتبطة بالظرف الاقتصادي العالمي وتقلبات أسواق الطاقة.

ووفق توقعات صندوق النقد الدولي، يواصل الاقتصاد الجزائري تسجيل نمو مدفوعا باستمرار النشاط في قطاعات الطاقة والاستثمار العمومي، مع التأكيد على ضرورة مواصلة الإصلاحات الهيكلية وتنويع مصادر النمو من خلال تعزيز دور القطاعات خارج المحروقات.

كما تشير تقارير البنك الدولي إلى أن الجزائر حققت تقدما في عدد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، غير أن التحدي الأساسي يبقى مرتبطا بزيادة الإنتاجية، تحسين مناخ الأعمال، ورفع مساهمة القطاع الخاص في خلق القيمة والثروة.

وفي هذا الإطار، عملت الجزائر على إعادة تنظيم منظومة الاستثمار من خلال القانون الجديد للاستثمار وإنشاء الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، بهدف تبسيط الإجراءات، تقليص العراقيل الإدارية، وتحسين جاذبية الاقتصاد الوطني أمام المستثمرين.

وتشير معطيات الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار إلى تسجيل آلاف المشاريع الاستثمارية المصرح بها خلال الفترة الأخيرة، مع توقعات بخلق مناصب عمل جديدة، غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطا بمدى سرعة تجسيد هذه المشاريع وتحولها إلى نشاطات اقتصادية منتجة.

الاستثمار في البنية التحتية.. من التشييد إلى خلق القيمة

لا تزال البنية التحتية تشكل أحد الأعمدة الأساسية في المسار التنموي، غير أن النظرة إليها أصبحت أكثر ارتباطا بمردوديتها الاقتصادية.

فإنشاء منطقة صناعية مثلا لا يكتمل أثره ببناء المصانع فقط، وإنما بقدرتها على جذب المستثمرين، تطوير الإنتاج، خلق فرص العمل، وإدماج المؤسسات المحلية في سلاسل القيمة.

وينطبق الأمر ذاته على مشاريع النقل والطرقات والموانئ، التي لا تقاس أهميتها فقط بقدرتها على تحسين الربط بين المناطق، وإنما بدورها في تسهيل حركة التجارة وتقليص تكاليف الإنتاج وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تفرض اعتماد مؤشرات دقيقة لقياس أثر المشاريع العمومية، مثل عدد مناصب العمل التي توفرها، مساهمتها في الإنتاج، تأثيرها على التنمية المحلية، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين.

السكن والصحة والتعليم.. الاستثمار في الإنسان

لطالما شكلت القطاعات الاجتماعية، وعلى رأسها السكن والصحة والتعليم، إحدى ركائز النموذج التنموي الجزائري، باعتبارها مرتبطة مباشرة بتحسين ظروف معيشة المواطنين وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

غير أن المقاربة الحديثة لهذه القطاعات تتجاوز بعدها الاجتماعي، لتتعامل معها باعتبارها استثمارات طويلة المدى في رأس المال البشري وفي قدرة الاقتصاد على النمو، ويعد قطاع السكن أحد أبرز الأمثلة على هذا التحوّل، حيث لا يمثل بناء الوحدات السكنية مجرد استجابة لحاجة اجتماعية، بل يشكل أيضا محركا اقتصاديا يرتبط بعشرات الأنشطة الصناعية والخدماتية، بداية من صناعة مواد البناء وصولا إلى النقل والهندسة والخدمات.

غير أن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال من بناء الأحياء السكنية فقط إلى بناء مدن متكاملة توفر الخدمات والنقل والفضاءات الاقتصادية والربط الرقمي، حتى تصبح هذه المشاريع أدوات حقيقية للتنمية المحلية، وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور الهواري تيغرسي أن قيمة المشروع السكني لا تقاس فقط بعدد الوحدات المنجزة، وإنما بقدرته على تحسين نمط حياة المواطن وخلق محيط اقتصادي واجتماعي متوازن.

أما قطاع الصحة، فقد أصبح بدوره أحد المجالات التي تعكس التوجه نحو اقتصاد المعرفة، خاصة مع إطلاق مشاريع تستهدف تطوير الطب المتخصص وربط العلاج بالبحث العلمي.

وتبرز في هذا الإطار مشاريع المؤسسات الاستشفائية المتخصصة ومشروع المعهد الجزائري للعلاج بالخلايا الجذعية والجينية، باعتبارها مؤشرات على توجه نحو بناء قدرات وطنية في مجالات طبية دقيقة، بما يسمح بتقليص الاعتماد على العلاج بالخارج وخلق تخصصات ذات قيمة مضافة عالية.

السيادة الرقمية.. رهان اقتصاد المستقبل

من أبرز التحولات التي ترافق المرحلة الجديدة الاهتمام المتزايد بالاقتصاد الرقمي والبيانات باعتبارها موردا استراتيجيا في الاقتصاد العالمي، فالدول اليوم لا تتنافس فقط على الموارد الطبيعية، بل أيضا على التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية والقدرة على التحكم في البيانات.

وفي هذا السياق، يمثل تطوير البنية التحتية الرقمية الوطنية خطوة مهمة نحو تعزيز السيادة الرقمية وتحسين أداء الإدارة العمومية.

ويرى الدكتور الهواري تيغرسي أن التحوّل الرقمي يمثل أحد العناوين الأساسية للمرحلة المقبلة، موضحا أن أهمية المشاريع الرقمية لا تكمن فقط في الجانب التقني، وإنما في قدرتها على تغيير طريقة تسيير الدولة والانتقال من منطق الوثائق والإجراءات التقليدية إلى منطق البيانات والخدمات الذكية.

فالرقمنة يمكن أن تساهم في تقليص البيروقراطية، تحسين سرعة معالجة الملفات، تعزيز الشفافية، وتوفير معلومات دقيقة تساعد على اتخاذ القرار الاقتصادي.

 من اقتصاد المشاريع إلى اقتصاد الحوكمة

رغم أهمية المشاريع التي أطلقتها الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، فإن التحدي الأكبر يبقى مرتبطا بضمان استدامتها وتحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية، فالتجارب الدولية أثبتت أن كثرة المشاريع لا تعني بالضرورة تحقيق التنمية إذا لم ترافقها منظومة فعالة للمتابعة والتقييم والحوكمة.

ولهذا أصبح قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع العمومية معيارا أساسيا في السياسات التنموية الحديثة.

فالمشروع الناجح ليس فقط ذلك الذي يكتمل في الآجال المحددة، وإنما ذلك الذي يخلق قيمة مستدامة بعد دخوله مرحلة الاستغلال.

ويؤكد الدكتور الهواري تيغرسي أن الجزائر مطالبة بالانتقال إلى مرحلة اقتصاد الأثر، حيث يصبح المواطن هو المقياس النهائي لنجاح السياسات العمومية، من خلال مدى انعكاس المشاريع على حياته اليومية.

هل دخلت الجزائر فعلا مرحلة تنموية جديدة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تعتمد فقط على عدد المشاريع التي تم تدشينها أو حجم الاستثمارات المعلنة، وإنما على مدى قدرة هذه المشاريع على إنتاج نتائج ملموسة ومستدامة.

فالجزائر قطعت، خلال السنوات الماضية، مرحلة مهمة في بناء البنية التحتية وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات، لكنها تواجه اليوم تحديا جديدا يتمثل في تحويل هذه المكتسبات إلى نمو اقتصادي حقيقي وفرص عمل وتحسن ملموس في مستوى معيشة المواطنين، وبذلك، فإن المرحلة الجديدة لا تقاس فقط بما يتم تشييده، وإنما بما يتم تحقيقه بعد انتهاء عملية التشييد.

فإذا نجحت الجزائر في ربط المشاريع بالتشغيل، والاستثمار بالإنتاج، والرقمنة بتحسين الخدمات، فإنها ستكون قد انتقلت فعلا من مرحلة بناء المنشآت إلى مرحلة بناء اقتصاد المستقبل.

فالاستقلال في القرن الحادي والعشرين لا يكتمل فقط بالحفاظ على السيادة السياسية، وإنما أيضا بامتلاك اقتصاد قوي ومنتج ومبني على المعرفة والابتكار، قادر على تحويل الإمكانات الوطنية إلى تنمية مستدامة يستفيد منها المواطن.

Author سارة حمدون
كاتبة و صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي