الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

من تغذية بؤر الصراع إلى دعم الانفصاليين.. كيف تراكمت ملفات القطيعة بين الجزائر والإمارات؟

Author
صبرينة عيلان 14 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

تبرز القطيعة الدبلوماسية التي أعلنتها الجزائر مع دولة الإمارات باعتبارها تتويجا لمسار طويل من التوترات والتحذيرات، وليس مجرد رد فعل على تطور منفرد، وفي قراءة لهذا التحول، يرى أندرياس كريغ، الأستاذ المشارك في الدراسات الأمنية بكلية كينغز لندن، أن قرار الجزائر كان يتشكل منذ فترة طويلة، ويعكس قبل كل شيء تحولا في نظرتها إلى الدور الإماراتي وطبيعة تحركاته في محيطها الإقليمي.

ونقل موقع «ميدل إيست آي» عن كريغ قوله، تعليقا على القرار: «هذا الأمر كان قادما منذ فترة طويلة، وبرأيي فإن أهمية الخطوة لا تكمن في القطيعة نفسها بقدر ما تكشفه عن الطريقة التي أصبحت الجزائر تنظر بها إلى الإمارات».

دعم الانفصاليين عمّق الخلاف بين الجزائر والإمارات

وأوضح كريغ أن الجزائر خلصت إلى أن النهج الإقليمي الذي تتبعه أبوظبي، والذي وصفه بأنه يقوم على رعاية ما سماه «محورا للانفصاليين»، بدأ يتجه نحو الجزائر نفسها، مستشهدا في ذلك بأدوار إماراتية مرتبطة بخليفة حفتر في ليبيا، وقوات الدعم السريع في السودان، والحراك الجنوبي في اليمن.

ويأتي هذا التطور بعد أشهر من تصاعد التوتر بين الجزائر والإمارات، حيث قضت الجزائر جزءا كبيرا من العام في التعبير عن استيائها من مواقف أبوظبي وتحركاتها في عدد من الملفات الإقليمية.

وفي 7 فبراير، بدأت الجزائر إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية الثنائية مع الإمارات، في خطوة لم تقدم بشأنها تفسيرا رسميا في ذلك الوقت، غير أن عددا من المحللين ربطوا القرار بتزايد التباينات بين البلدين وبما اعتبروه تدخلا إماراتيا متناميا في محيط الجزائر الإقليمي.

وفي هذا السياق، قال كريغ إن «أكبر المخاوف تتمثل في التواصل الإماراتي مع حركة الحكم الذاتي في منطقة القبائل، حركة “ماك”، التي تعتبرها الجزائر منظمة إرهابية وخطا أحمر يمر مباشرة عبر الوحدة الوطنية».

كما أشار إلى التوتر الذي برز بين البلدين على خلفية المواقف من منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك»، حيث قلل الرئيس عبد المجيد تبون، عقب إعلان الإمارات انسحابها من المنظمة في وقت سابق من العام، من أهمية القرار، واصفا إياه بأنه «حدث لا يذكر».

وأكد تبون آنذاك أن المملكة العربية السعودية تمثل الركيزة الأساسية لمنظمة أوبك، مضيفا بشأن الإمارات: «لقد أغلقنا الكتاب».

ويرى كريغ أن قرار قطع العلاقات لا يمكن فصله عن مسار طويل من التطورات، مشيرا إلى أن صياغة بيان وزارة الخارجية الجزائرية تكشف أن القرار لم يكن مرتبطا بحادثة منفردة، وإنما جاء بعد استنفاد جميع السبل الرامية إلى الحفاظ على العلاقات الثنائية.

وقال كريغ إن عبارة «بعد استنفاد جميع السبل» الواردة في موقف الخارجية الجزائرية، إلى جانب عدم تحديد سبب واحد ومباشر للقطيعة، تعكس، بحسب قراءته، قرارا مدروسا جاء نتيجة تراكمات متتالية، من بينها الاتصالات المشتبه بها مع الانفصاليين، والوجود العسكري الإماراتي في ليبيا ومنطقة الساحل، فضلا عن دعم أبوظبي للمغرب بشأن قضية الصحراء الغربية، التي وصفها بأنها «الملف الأكثر حساسية على الإطلاق بالنسبة للجزائر».

وأضاف أن هذه التطورات مجتمعة ساهمت في انتقال الخلاف الجزائري الإماراتي من مرحلة التباين في المواقف إلى مرحلة أكثر حدة، انتهت بإعلان القطيعة الدبلوماسية.

وتكشف هذه القراءة، وفق ما أورده «ميدل إيست آي»، أن قرار القطيعة لم يأت نتيجة أزمة منفردة أو تطور طارئ، وإنما جاء في سياق تراكم ملفات سياسية وأمنية وإقليمية، جعلت استمرار العلاقات بين الجزائر وأبوظبي أكثر صعوبة، خصوصا في ظل اختلاف الرؤى بشأن قضايا الساحل وليبيا والسودان واليمن والصحراء الغربية، إلى جانب الملفات المرتبطة بالأمن القومي الجزائري.

من جهته أكد أيوب عرفي، محلل سياسي، في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أن قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة، المعلن يوم الخميس 10 سبتمبر 2026، لم يكن «انفعالا عابرا ولا ردة فعل متسرعة»، وإنما جاء، حسب قراءته، تتويجا لسنوات من الصبر الاستراتيجي تجاه دولة اختارت، بشكل متكرر، الوقوف في الضفة المقابلة للجزائر في قضايا تمس أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.

الجزائر لم تقطع علاقة طبيعية بل أغلقت بابا لاستهدافها

وأوضح عرفي أن الجزائر «لم تقطع علاقة طبيعية، بل أغلقت أخيرا بابا كان يستخدم منذ سنوات لاستهدافها من الداخل والخارج معا»، معتبرا أن القرار يعكس وصول العلاقات بين البلدين إلى مرحلة لم يعد فيها استمرارها بالشكل السابق ممكنا، بعد تراكم جملة من الملفات والخلافات السياسية والأمنية والإقليمية.

من ليبيا إلى السودان والساحل.. نفوذ إماراتي يثير قلق الجزائر

وأشار المحلل السياسي إلى أن التحول في طبيعة الدور الإماراتي الإقليمي برز بشكل واضح منذ أحداث الربيع العربي، حيث اختارت أبوظبي توظيف إمكاناتها المالية الكبيرة في توسيع نفوذها الإقليمي والتأثير في مسارات الأزمات، بدلا من الاكتفاء بدور اقتصادي تقليدي بين الدول العربية.

وفي الملف الليبي، يرى عرفي أن الدعم الإماراتي لخليفة حفتر بالسلاح والمرتزقة ساهم في إطالة أمد الحرب واستنزاف الدولة الليبية، بما انعكس، وفق تقديره، بصورة مباشرة على البيئة الأمنية المحيطة بالجزائر، خاصة في ظل حساسية الحدود الجنوبية الشرقية وتنامي مخاطر تهريب السلاح وتسلل الجماعات المسلحة.
وأضاف أن الجزائر وجدت نفسها، في المقابل، منخرطة في دعم المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، والدفع باتجاه تسوية تحفظ وحدة ليبيا ومؤسساتها، وهو ما جعل التباين بين الرؤيتين الجزائرية والإماراتية أكثر وضوحا في هذا الملف.

وبشأن السودان، اعتبر عرفي أن موقف أبوظبي من الحرب الدائرة هناك يمثل حلقة أخرى في سلسلة التحركات التي أثارت قلق الجزائر، مشيرا إلى ما وصفه بالدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دڤلو «حميدتي»، في حرب خلفت تداعيات إنسانية وأمنية واسعة، فضلا عن التقارير الدولية المتكررة بشأن مسارات تهريب الذهب السوداني عبر الإمارات وتمويل أطراف الصراع.

أما في منطقة الساحل، فيرى عرفي أن الحضور الإماراتي لا يمكن، في تقديره، اختزاله في البعد الاقتصادي، بل يندرج ضمن منطق أوسع يقوم على توسيع النفوذ عبر دعم أطراف محلية وبناء تحالفات وامتدادات داخل منطقة تعتبرها الجزائر مجالا حيويا لأمنها القومي.

وقال إن «هذا ليس نفوذا اقتصاديا عاديا بين دول شقيقة، بل نمط متكرر: تفتيت الدول عبر المال، وتحويل الأزمات إلى استثمار جيوسياسي طويل الأمد، دون أي اعتبار لتكلفته البشرية أو لأمن الجوار».

هل انتقل الخلاف من المحيط الإقليمي إلى الداخل الجزائري؟

ويرى عرفي أن الأخطر بالنسبة للجزائر يتمثل في انتقال ما تعتبره تدخلا إماراتيا من المحيط الإقليمي إلى الداخل الجزائري، مشيرا إلى أن الجزائر، وفق تقديره، بنت خلال السنوات الماضية قناعة تستند إلى مؤشرات ومعطيات متراكمة بشأن محاولات التدخل في الشأن السياسي الداخلي.

وفي هذا السياق، أشار إلى ما قال إنه تصريح للرئيس عبد المجيد تبون في فبراير 2026، تحدث فيه عن محاولة الإمارات التدخل في الانتخابات الرئاسية الجزائرية لصالح مرشح بعينه، واصفا إياها بـ«دويلة» حاولت التأثير في استحقاقين رئاسيين متعاقبين.

كما توقف عرفي عند ملف حركة «ماك»، التي تصنفها السلطات الجزائرية منظمة إرهابية، معتبرا أن ما وصفه بالدعم الإماراتي لها يمثل، في تقديره، أحد أخطر الملفات التي عمقت القطيعة بين الجزائر وأبوظبي.

وقال إن «توظيف ورقة الانفصال الداخلي، عبر منابر ومظلات دولية، هو أخطر أشكال العدوان غير المباشر الذي يمكن أن تتعرض له أي دولة، لأنه لا يستهدف حكومة أو سياسة، بل يستهدف وحدة الشعب والتراب ذاتهما».

وأضاف أن جمع هذا الملف مع ما وصفه بسجل الدعم لأطراف مسلحة وانفصالية في محيط الجزائر، من ليبيا إلى السودان، يجعل من الصعب، حسب قراءته، اختزال الخلاف في مجرد سوء تفاهم أو اختلاف في وجهات النظر، معتبرا أن الأمر يتعلق، من وجهة نظره، بنمط واحد تتعدد أدواته وغاياته.

الصحراء الغربية والتطبيع.. ملفات عمّقت الهوة بين الجزائر وأبوظبي

وفي السياق ذاته، اعتبر عرفي أن الموقف الإماراتي من المغرب وقضية الصحراء الغربية يمثل عاملا إضافيا في توتر العلاقات مع الجزائر، لافتا إلى أن هذا الملف يحظى بمكانة بالغة الحساسية في السياسة الخارجية الجزائرية.

كما ربط المحلل السياسي بين هذه التطورات وبين توقيع الإمارات اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل عام 2020، معتبرا أن مواقف أبوظبي الإقليمية خلال السنوات الماضية ساهمت في تكريس تصور جزائري يرى في الإمارات طرفا يتحرك ضمن محاور إقليمية تتعارض مع عدد من الثوابت التي تقوم عليها السياسة الجزائرية.

وقال: «حين تختار دولة خليجية صغيرة أن تكون رأس حربة لمحاور إقليمية معادية لثوابت الجزائر التاريخية، فإنها تتنازل طوعا عن صفة الشقيقة وتضع نفسها في خانة الخصم الاستراتيجي».

وفي تقييمه لمسار التصعيد بين البلدين، شدد عرفي على أن الجزائر لم تتجه، مباشرة إلى القطيعة، وإنما صعدت تدريجيا وبحذر، بدءا من التحذيرات الدبلوماسية، مرورا بإجراءات عملية، وصولا إلى قرار قطع العلاقات الدبلوماسية.

وأشار في هذا الإطار إلى إنهاء اتفاقية الخدمات الجوية بين البلدين في فبراير 2026، معتبرا أن هذه الخطوة شكلت مؤشرا على بلوغ الخلاف مرحلة متقدمة، قبل أن تأتي القطيعة الكاملة لتضع حدا لمسار طويل من التوتر.

وأضاف أن بيان وزارة الخارجية الجزائرية نفسه يؤكد أن القرار جاء «بعد استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية»، وهو ما يراه عرفي دليلا على أن الجزائر منحت، وفق قراءته، فرصا متكررة للحفاظ على العلاقة قبل الوصول إلى قرار القطيعة.

وأضاف عرفي أن الجزائر، من وجهة نظره، لا تغلق الباب أمام الإمارات باعتبارها دولة عربية، وإنما ترفض ما وصفه بسياسة المال بلا أخلاق، والنفوذ بلا حدود، والتدخل في شؤون الغير باسم الاستقرار الإقليمي.

وقال إن قرار القطيعة يحمل، في تقديره، رسالة واضحة مفادها أن «وحدة الجزائر وأمنها القومي ليسا قابلين للمساومة»، وأن أي محاولة للمساس بهما ستواجه بمواقف حازمة من الدولة الجزائرية.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية، وفي عام 2022 تحصلت على جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف في فئة الإعلام الإلكتروني
↑