الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

من جذب الاستثمار إلى صناعة القيمة.. هل تدخل الجزائر مرحلة جديدة من النمو الاقتصادي؟

Author
إيمان عبروس 17 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يصنع الاستثمار داخل الاقتصاد الوطني أحد أبرز محركات النمو خلال السنوات المقبلة، مع تنامي الاستثمارات وتوسع النشاط في قطاعات المناجم والطاقة والصناعة والفلاحة، بالتوازي مع توجه متزايد لتعزيز الإنتاج المحلي ورفع القدرات التصديرية.

وتتضح أهمية هذا المسار في قدرة الاستثمار على خلق قيمة مضافة، وتطوير سلاسل إنتاج متكاملة، ودعم تنافسية المؤسسات الجزائرية في الأسواق الخارجية.

وفي تصريح خص به “الأيام نيوز”، أكد نصرالدين ساري، بروفيسور وخبير اقتصادي والأمين العام للمركز الجزائري للدراسات الاقتصادية والبحث في قضايا التنمية المحلية، أن الجزائر تمتلك اليوم مقومات حقيقية تسمح لها بالانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا في بناء اقتصاد منتج، خاصة مع تسارع وتيرة المشاريع في قطاعات المناجم والطاقة والصناعة والفلاحة والبنية التحتية.

الاستثمار.. من التوسع إلى صناعة القيمة

وأوضح ساري أن القيمة الاقتصادية للاستثمارات تتحدد بقدرتها على خلق سلاسل إنتاج متكاملة داخل البلاد، إلى جانب حجم الاستثمارات نفسها، معتبرا أن استغلال الموارد الطبيعية يمكن أن يتحول إلى قاعدة لصناعات تحويلية تنتج مواد ومكونات ذات قيمة مضافة أعلى.

وأشار إلى أن قطاعات مثل الحديد والفوسفات والموارد الطاقوية تملك إمكانية دعم صناعات مرتبطة بها، بما يفتح المجال أمام توسيع النشاط الاقتصادي وخلق فرص جديدة للمؤسسات الجزائرية.

وتسمح هذه المقاربة بربط الإنتاج الأولي بالتحويل والتصنيع والخدمات المرتبطة به، بما يؤدي إلى توزيع القيمة الاقتصادية على عدد أكبر من المؤسسات والقطاعات، ويعزز مساهمة الاستثمار في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية.

سلاسل الإنتاج.. أساس المرحلة المقبلة

ويرى الخبير الاقتصادي أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ربط مختلف الاستثمارات ضمن رؤية اقتصادية موحدة ومتكاملة، بحيث تتكامل القطاعات بدل أن تعمل كل منها بصورة منفصلة.

وأبرز أن تطوير المناجم يحتاج إلى شبكات نقل وموانئ وطاقة، بينما تحتاج الصناعة إلى المواد الأولية المحلية والتكنولوجيا والكفاءات، في حين يتطلب التصدير منظومة لوجستية ومؤسسات قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.

ويجعل هذا الترابط من الاستثمار نقطة انطلاق لمنظومة اقتصادية تبدأ من استغلال الموارد، ثم التحويل والتصنيع، وصولًا إلى التسويق والتصدير.

وأكد ساري أن نجاح هذه المنظومة يرتبط بقدرة الجزائر على بناء حلقات إنتاج محلية، تضمن بقاء جزء أكبر من القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.. حلقة أساسية

ويضع ساري المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في موقع مهم ضمن هذا التحوّل، باعتبارها قادرة على بناء شبكة المناولة والخدمات حول الاستثمارات، والمساهمة في توفير فرص العمل وتطوير الكفاءات.

وأوضح أن إدماج هذه المؤسسات في سلاسل الإنتاج يمنحها فرصة للاستفادة من الطلب الناتج عن توسع النشاط الصناعي والمنجمي والطاقوي، كما يسمح لها بتطوير قدراتها التقنية والإدارية.

ويمتد هذا المجال أيضا إلى المؤسسات الناشئة التي يمكن أن تقدم حلولًا تكنولوجية ورقمية ولوجستية، بما يدعم الابتكار ويرفع كفاءة مختلف حلقات الإنتاج.

ويعزز إدماج المؤسسات المحلية انتشار الأثر الاقتصادي للاستثمار، عبر ربط المشاريع بمختلف حلقات الإنتاج والخدمات وفتح المجال أمام استفادة أوسع من عوائده.

من الموارد إلى مزايا إنتاج وتصدير

وفي تقييمه لإمكانات الجزائر في الوصول إلى موقع قوة اقتصادية إقليمية، ربط ساري ذلك بقدرة البلاد على تحويل مواردها وموقعها الجغرافي إلى مزايا إنتاج وتصدير.

وأوضح أن الجزائر تمتلك سوقًا داخلية معتبرة، وموارد طاقوية ومعدنية، وإمكانات فلاحية، إلى جانب موقع جغرافي يربط المتوسط بالعمق الإفريقي.

وتوفر هذه المقومات قاعدة يمكن توظيفها في تطوير الإنتاج والتجارة الخارجية، خاصة مع إمكانية الوصول إلى أسواق إفريقية ومتوسطية.

غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب، حسب المتحدث، تطوير منتجات تنافسية تحمل قيمة مضافة، وتحسين قدرات المؤسسات على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

بيئة الأعمال.. شرط لجذب الاستثمار المنتج

وأرجع ساري نجاح هذا المسار بتحسين البيئة الاقتصادية والمؤسساتية، معتبرًا أن استقرار التشريعات وتوفير الظروف المناسبة للمستثمرين يشكلان عاملين أساسيين في توجيه الاستثمار نحو النشاط المنتج.

وتحتاج المؤسسات، في هذا الإطار، إلى وضوح في القواعد الاقتصادية وسرعة في الإجراءات ومرافقة تسمح لها بالتوسع والاستثمار على المدى الطويل.

كما يمثل تكوين الكفاءات عنصرًا أساسيا في رفع الإنتاجية واستيعاب التكنولوجيا، خاصة مع تغيّر احتياجات القطاعات الصناعية والخدماتية.

وتبرز الرقمنة بدورها كأداة لتحسين أداء المؤسسات وتسريع الإجراءات وتطوير الخدمات الاقتصادية، بما يعزز كفاءة النشاط ويقلل التكاليف ويدعم القدرة التنافسية.

التصدير.. مقياس القدرة التنافسية

وفي هذا السياق، وضع الخبير الاقتصادي التصدير ضمن أبرز المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس نجاح التحول نحو اقتصاد منتج، باعتبار أن توسيع الإنتاج يحتاج إلى أسواق خارجية تستوعب السلع والخدمات الجزائرية.

وأوضح أن رفع القدرات التصديرية يمنح المؤسسات حافزًا لتحسين الجودة وتطوير التكنولوجيا والرفع من الإنتاجية، كما يساهم في تنويع مصادر الإيرادات الخارجية.

ويمكن للجزائر، وفق هذا التصور، توظيف موقعها الجغرافي لتعزيز حضور مؤسساتها في الأسواق الإفريقية والمتوسطية، مع تطوير الخدمات اللوجستية وآليات مرافقة المصدرين.

ويجعل توسيع الصادرات مرحلة أساسية في تحويل الاستثمار إلى قيمة اقتصادية مستدامة، خاصة عندما يرتبط الإنتاج المحلي بمنتجات قادرة على المنافسة خارج السوق الوطنية.

من الاستثمار إلى اقتصاد يصنع ويصدر

وفي هذا الجانب، يرى المصرح أن الجزائر قادرة، خلال السنوات المقبلة، على الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير الموارد إلى اقتصاد ينتج ويصنع ويصدّر، إذا تم توظيف المقومات المتاحة ضمن رؤية اقتصادية متكاملة.

وأوضح أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى توجيه الاستثمار نحو القطاعات المنتجة، وتطوير سلاسل القيمة، وإدماج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز التكوين والابتكار والتكنولوجيا.

ويجعل هذا المسار جودة الاستثمار أكثر أهمية من حجمه، فالمردود الاقتصادي يرتفع عندما يؤدي الاستثمار إلى خلق نشاطات تحويلية، وتوسيع قاعدة المؤسسات، وتوفير فرص العمل، وإنتاج سلع وخدمات قابلة للتصدير.

كما يسمح بناء سلاسل إنتاج محلية بتوسيع الأثر الاقتصادي للاستثمار، من خلال ربط المؤسسات والموردين ومقدمي الخدمات ومراكز البحث ضمن منظومة واحدة.

المقومات.. من الإمكان إلى قوة اقتصادية

وأكد المتحدث أن الجزائر تمتلك مقومات يمكن أن تدعم بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وإنتاجية، غير أن الاستفادة منها تتطلب تحويل الموارد والموقع والقدرات البشرية إلى مزايا اقتصادية فعلية.

ويشمل ذلك رفع القيمة المضافة، وتطوير الصناعات التحويلية، وتشجيع المؤسسات على التوسع، وتعزيز الابتكار، وربط الاستثمار بالإنتاج والتصدير.

كما يكتسب القطاع الخاص أهمية متزايدة في هذه المرحلة، بالنظر إلى قدرته على تطوير المؤسسات والمناولة والخدمات، والمساهمة في خلق نشاط اقتصادي حول مختلف سلاسل الإنتاج.

الرهان على صناعة القيمة

واختتم البروفيسور نصر الدين ساري حديثه إلى “الأيام نيوز” بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تستدعي توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة، وتعزيز التكامل بين الصناعة والمؤسسات والمناولة، بما يوسع قاعدة الاقتصاد المنتج.

وأضاف أن بناء سلاسل إنتاج متكاملة والاستثمار في الكفاءات والتكنولوجيا يمثلان ركيزة لتحويل الاستثمار إلى قيمة مضافة، ودعم الصادرات وتعزيز تنافسية المؤسسات الجزائرية في الأسواق الخارجية.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.
↑