الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

 من حضن الأسرة إلى شاشة الذكاء الاصطناعي.. كيف تغيّرت ثقافة طلب النصيحة؟

Author
إيمان بن يمينة 02 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

شكّلت الأسرة والأصدقاء، لعقود طويلة، المصدر الأول لطلب النصيحة عند مواجهة الحيرة أو اتخاذ القرارات الشخصية والمهنية، مستفيدين من خبراتهم، وقربهم من تفاصيل حياتهم، وما توفره العلاقات الإنسانية من دعم وثقة يصعب تعويضهما.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً لافتاً في أنماط طلب النصيحة، مع الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي التي دخلت تفاصيل الحياة اليومية. فقد اتجه كثير من المستخدمين إلى محاورة هذه التطبيقات في قضايا تتجاوز الاستفسارات التقنية، لتشمل الخيارات الدراسية والمهنية، والعلاقات الاجتماعية، وحتى المشاعر والهواجس الشخصية، في مؤشر يعكس اتساع حضور الذكاء الاصطناعي في مساحات كانت ترتبط تقليدياً بالتواصل الإنساني المباشر.

وفي ظل هذا التحول، يطرح هذا التقرير الإشكالية التالية: كيف أسهم الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل أنماط طلب النصيحة لدى الأفراد؟ وما الذي يدفع البعض إلى تفضيل استشارة الخوارزميات على اللجوء إلى الأسرة أو الأصدقاء؟

النصيحة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

أكدت الباحثة في علم الاجتماع، الدكتورة جميلة لعرابي، في حديثها إلى موقع “الأيام نيوز”، أن الانزياح نحو الاستعانة بالذكاء الاصطناعي يعبر عن التحول الجاري في بنية التواصل الإنساني.

وتوضح لعرابي أن تفضيل الأفراد للحوار مع الآلة بدلاً من الأسرة يعود في جوهره إلى تبدل عميق في طبيعة التوقعات الاجتماعية والضغوط التي يواجهها الفرد المعاصر في مجتمعه الشفهي التقليدي، أكثر من ارتباطه بالسرعة والكفاءة التقنية وحدها.

وترى لعرابي في معرض تحليلها لـ”الأيام نيوز” أن الفضاء الرقمي يوفر للمستخدم بيئة استشارية تُشعره بالحياد التام والتحرر من الأحكام الاجتماعية الجاهزة التي قد يخشاها عند طرح مشكلاته أمام الوالدين أو الأصدقاء.

فالذكاء الاصطناعي يوفر مساحة يراها كثير من المستخدمين أقل عرضة للأحكام الاجتماعية أو الانتقاد المباشر، وهو ما يشجع بعضهم على طرح أسئلة قد يترددون في مناقشتها مع الأسرة أو الأصدقاء.

وترى الباحثة أن هذا التحوّل غيّر مصادر الثقة لدى بعض الشباب، إذ باتوا يمنحون ثقة أكبر للإجابات التي تقدمها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، على حساب خبرة الوالدين وكبار السن وتجاربهم الحياتية. وقد يسهم ذلك في تراجع حضور الأسرة لدى بعض الشباب بوصفها أحد أهم مصادر التوجيه واتخاذ القرار، ليتشكل فضاء اجتماعي فرداني يتواصل فيه الشاب مع شاشته أكثر مما يتواصل مع محيطه المباشر.

جزء من الروتين اليومي

تقول نجمة، في حديثها إلى موقع “الأيام نيوز”، إنها وجدت في “شات.جي.بي.تي” مساحة مريحة للحديث دون خوف من الأحكام أو الانتقاد، مضيفة أنها قد تقضي ساعات في التحاور معه عندما تشعر بالحيرة أو الضغط النفسي.

وتوضح أن ما يدفعها إلى العودة إليه باستمرار هو شعورها بأنه يصغي إلى ما تكتبه، ويقدم إجابات منظمة تساعدها على ترتيب أفكارها.

وترى أن سهولة الوصول إليه في أي وقت، وقدرته على مناقشة مختلف المواضيع، جعلاه جزءاً من روتينها اليومي في طلب المشورة.

وفي المقابل، يؤكد إسلام، في حديثه إلى “الأيام نيوز”، أنه يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بحذر، ويقتصر استخدامه على الأغراض العلمية والبحثية، مثل تلخيص المعلومات أو شرح المفاهيم وتنظيم الأفكار.

ويشير إلى أنه يتجنب مشاركة تفاصيل حياته الشخصية أو مشكلاته الخاصة، انطلاقاً من حرصه على خصوصيته، واعتقاده بأن القضايا الإنسانية والعائلية لا تزال تحتاج إلى نقاش مباشر مع أشخاص يعرفونه ويحيطون بظروفه، وليس مع خوارزمية مهما بلغت درجة تطورها.

عزلة عاطفية 

تُشير الدكتورة جميلة لعرابي إلى أن الاعتياد على الاستشارة الرقمية يفرز حالة من العزلة، حيث يتراجع الحوار المباشر داخل البيت الواحد لصالح محادثات ثنائية مغلقة بين الفرد والبرمجيات الذكية.

وفي هذا السياق، يتخذ التحدث مع الذكاء الاصطناعي أبعاداً تتعدى الحصول على معلومات مجردة، ليصبح نوعاً من التعويض النفسي والاجتماعي عن الفجوات التواصلية القائمة بين الأجيال.

وترى الخبيرة الاجتماعية أن اعتماد الشاب على استشارة الآلة في أدق تفاصيل حياته يؤدي تدريجياً إلى تآكل المهارات الاجتماعية والعاطفية المطلوبة لبناء العلاقات الإنسانية الواقعية. فالذكاء الاصطناعي يقدم إجابات مصممة خصيصاً لتلبية رغبة المستخدم وتفادي مواجهته، على عكس الحوار الإنساني الذي يحمل في طياته التعاطف الصادق والنقد البنّاء واختلاف الآراء، وهي عناصر أساسية في نضج الشخصية وبناء الهوية الاجتماعية.

وقد أظهرت الملاحظات الميدانية في هذا الشأن أن ارتفاع وتيرة اللجوء للحلول التقنية يرافقه اتساع في الفجوة بين الأبناء والآباء، حيث يشعر الأولياء بضعف أثرهم التوجيهي أمام التدفق المعلوماتي الفوري الذي يتلقاه الأبناء، ما يحوّل الاستشارة الأسرية إلى عملية ثانوية لا يُلجأ إليها إلا في حالات الضرورة القصوى.

تهديد للأسرة

تتوافق هذه الإشكالية المطروحة مع ما توصلت إليه أبحاث أكاديمية ميدانية رصدت تحولات البناء الأسري في العصر الرقمي. فقد كشفت دراسة ميدانية منشورة للباحثة وهيبة محمدي أُجريت بجامعة وهران-2 بعنوان “تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على الهوية الثقافية والتنشئة الاجتماعية بين الشباب الجزائري”، أن الاعتماد المتنامي على تقنيات الذكاء الاصطناعي أحدث تغيراً دالاً في طبيعة التفاعلات اليومية ونماذج التنشئة، مهدداً الأدوار التقليدية للأسرة والمحيط الاجتماعي المقرب.

وأظهرت المقاييس العلمية للدراسة – والتي شملت عينات من الشباب وأوليائهم ونُشرت عبر المركز الديمقراطي العربي – أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي باتت تفسر مساحة واسعة من التغيرات في السلوكيات والقيم الاجتماعية للجيل الجديد؛ حيث يُقبل الشباب على هذه الوسائط الذكية كبديل تفاعلي يوفر إجابات فورية وحلولاً وخيارات تفك عزلتهم الافتراضية، مع أنها في الوقت ذاته تُضعف آليات الضبط القيمي والتواصل المباشر، وتزيد من فجوة الاغتراب عن الدوائر الأسرية التي كانت تمثل المرجع الأول للاحتواء ونقل الخبرات التراكمية.

وتعزز هذه الخلاصات العلمية التحذيرات بشأن تداعيات هذا التحول الرقمي؛ إذ تؤكد النتائج أن انسحاب الشباب من قنوات التشاور العائلي التقليدي نحو الشاشات الذكية يعيد تشكيل نموذج طلب النصيحة، ويؤدي تدريجياً إلى انتقال جزء من دور الإرشاد وتقديم النصيحة من الأسرة والمحيط الاجتماعي إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

مخاطر الانسلاخ من السياق الثقافي

في سياق متصل، تحذر الدكتورة لعرابي من المخاطر المرتبطة بالاستسقاء المباشر للحلول الاجتماعية والأسرية من برمجيات الذكاء الاصطناعي. فهذه الأنظمة جرى تطويرها وفق خوارزميات ونماذج معقدة تتغذى غالباً على ثقافة وسياقات مجتمعية غربية، وقد تتجاهل الخصوصيات الثقافية والقيمية المحلية التي تطبع المجتمعات العربية والأسر الجزائرية.

وتشرح لعرابي لـ”الأيام نيوز” أن الاعتماد المفرط على النصائح الجاهزة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي قد يدفع الأفراد إلى التعامل مع مشكلاتهم بمعزل عن واقعهم الأسري والاجتماعي، والاعتماد على حلول عامة لا تراعي خصوصية البيئة الجزائرية وطبيعة العلاقات داخل الأسرة. وترى أن تطبيق هذه النصائح دون مراعاة اختلاف الثقافات والعادات قد يؤدي إلى قرارات لا تنسجم مع الواقع المحلي، ويضعف دور الأسرة في احتواء المشكلات والمساهمة في حلها.

وينتج عن ذلك إضعاف للحلول القائمة على التضامن الأسري، والتنصل من الأدوار الاجتماعية المتبادلة تحت مبررات استقلالية الفرد وحلوله الرقمية الشخصية.

كما تبرز الخبيرة التأثير المزدوج للتقنية؛ ففي الوقت الذي تتيح فيه هذه الأدوات إمكانية الوصول السريع إلى حلول تنظيمية وخيارات معارفية واسعة تساعد الفرد في تخطيط حياته، تساهم في المقابل – عند المبالغة في استخدامها – في تجريد العلاقات الأسرية من حميميتها، وتحويل النصيحة من ممارسة عاطفية اجتماعية إلى عملية معالجة بيانات.

نحو توازن بين التطور التقني والروابط الأسرية

تخلص الدكتورة جميلة لعرابي في ختام تحليلها إلى أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي تتطلب وعياً مجتمعياً يحدد مجالات استخدامه دون مساس بالبنية الأساسية للعلاقات الأسرية، وتكمن الخطورة في تحوّل التكنولوجيا إلى بديل كامل عن الروابط الإنسانية والتواصل الشفهي بين الأفراد.

وترى الباحثة أن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الأسرة والمؤسسات التربوية لإعادة تنشيط مجالس الحوار الداخلي وتشييد أطر استشارية قائمة على التقبل والاستيعاب، ما يشجع الأبناء على طرح قضاياهم داخل محيطهم الأسري دون خوف من الأحكام المسبقة. فالغاية الأساسية من التطور الرقمي هي توظيف أدواته لخدمة الإنسان وتسهيل حياته، بعيداً عن إفراغ البيئة الأسرية من مضمونها التربوي والعاطفي الذي يظل الحصن الأول لبناء الفرد وتماسكه الاجتماعي.

Author إيمان بن يمينة
إيمان بن يمينة، صحفية، خريجة المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، تخصص جيوسياسة وسائل الإعلام. بدأت مساري المهني بتربص في مجلس الأمة ضمن خلية الإعلام والاتصال، ثم في إذاعة الجزائر الدولية، وأعمل حاليًا صحفية في الأيام نيوز، حيث أكتب في القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.
↑