من دفاتر صُنّاع الموت.. شهادات على همجيّة الاستعمار الفرنسي في الجزائر

ليس هناك لغةٌ في العالم تستطيع التعبير عن بشاعة وفظاعة الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي بحق الشعب الجزائري وبلاده وأرضه وموروثه الحضاري. ولعل كلمة “استعمار”، أو ما يعادلها من الكلمات المتداولة، تبقى عاجزة عن إيصال المعنى الحقيقي للمشروع الفرنسي، على امتداد قرن وثلث القرن، لتدمير كيان الأمة الجزائرية ومحو وجودها من التاريخ الإنساني، ولعله من المُجدي اختراع كلمة أخرى بديلة عن “الاستعمار” تكون أكثر عمقا وقوة وبلاغة في التعبير عن المدى الذي بلغه التوحّش الفرنسي والذي لا يقاربه إلاّ التّوحّش الصهيوني في فلسطين.

اللغةُ عاجزةٌ عن التعبير

نسمع أحيانا، ونقرأ أحيانا أخرى عن ذلك التوحّش، لا سيما في الجانب المُتعلّق بالتعذيب الهمجي للإنسان الجزائري، فترتعد فرائصنا ويتملّكنا الرّعب، بل أن هناك من لا يستطيع مواصلة الاستماع أو القراءة، من هول الصُّور التي تتداعى في خياله وهو يحاول أن يتصوّر المشاهد كما حدثت، وعبثا يحاول ذلك، لأن ما حدث يتجاوز قدرة العقل على التخيّل، كما يتجاوز قدرة اللغة على استحضار الأحداث بكل بشاعتها وفظاعتها، بل يتجاوز قدرة أيّ شكل تعبيري آخر على ذلك.

حتى الطاعون فيه بعض الرّحمة!

تختلف المصادر التاريخية في تقدير أعداد الجزائريين الذين قتلتهم فرنسا بكل أشكال التقتيل، منذ 1830 إلى غاية 1962، فمنهم من يقول بأن العدد هو نصف الشعب الجزائري، ومنهم من يقول بأن العدد هو ثلث الشعب، ويذهب أكثر المؤرّخين الفرنسيين “إنصافا” بأن أعدادهم تجاوزت العشرة ملايين شهيد، ومن أولئك المؤرخ الفرنسي “جاك جوركي”، الذي قال: “إن مجموع الذين قتلتهم فرنسا في الجزائر، منذ احتلالها عام: 1830م، حتى رحيلها عام: 1962م، هم: عشرة ملايين مسلم”، وهناك من يذكر استشهاد اثني عشر مليون شهيد. وإن كانت الجزائر تشتهر بين كل أمم العالم بأنها أمّة المليون ونصف المليون شهيد خلال سنوات ثورة التحرير الوطني، فمن المُجدي التوضيح: ما الذي يُمثّله هذا العدد بالنسبة لمجموع تعداد السّكان؟ فقد يكون الجواب أن المليون ونصف مليون شهيد هم ثلث أو رُبع السّكان خلال الفترة (1954 – 1962)، وليس هناك استعمار فوق الأرض بلغ هذه الوحشية إلاّ الطاعون الذي فتلك بثلث سكّان أوروبا في القرون الوسطى، ونُورد المقارنة من باب تعداد الأموات فحسب، فالطاعون فيه بعض “الرحمة” ولا يمتدُّ عمرُه أكثر من سنوات، بينما الاستعمار الفرنسي فكلّه توحّشٌ وهمجيّة وعمّر أكثر من قرن وثلاثين سنة.

لاكوست: القرآن أقوى من فرنسا

إن المشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر كان مشروع إبادة حضارية للوجود الجزائري على كلّ المستويات (الدولة، الأرض، الإنسان، الدين، اللغة، المنظومة المجتمعية بكل عاداتها وتقاليدها،..). ولكن هذا المشروع انتهى إلى الزّوال، وانتصر الإنسان الجزائري على أكبر قوة شيطانية كان الحلف الأطلسي “الناتو” يدعمها، والسرّ يكمن في عبقرية شخصية الإنسان الجزائري وأصالته وعمق إيمانه بوطنه ودينه وموروثه. ولعل “أصدق” ما كشف عنه وزير الحرب الفرنسي “لاكوست”، حينما سئل عن أسباب الجبروت الفرنسي أمام الإيمان الجزائري، أجاب قائلا: “هُزمنا بشعب يجري القرآن في عروقه، وفي دمائه، وعلى ألسنته… نعم انهزمنا لأنّ القرآن أقوى من فرنسا”.

صناعة “أمريكا جديدة” في الجزائر

نَصّ التعهّد الرسمي لفرنسا في البند الخامس من معاهدة الاستسلام التي وقّعتها مع الدّاي في الرابع جويلية 1830 أن “تبقى ممارسة الديانة المُحمّدية حرّة، كما أنه لن يقع اعتداء على حرية السكان من جميع الطبقات ولا على دينهم وأملاكهم وتجارتهم وصناعتهم ونسائهم”. كما تعهّد الحاكم العام “بيليسيي” بأن “تقاليد الجزائريين ستُحترم، ولن يدخل عسكري واحد إلى المساجد”. لكن المارشال “برتران كلوزيل” (1772 – 1842) كشف بكل وضوح عن الغاية الاستعمارية، حيث قال: “يلزم أن نصنع أمريكا جديدة هنا بالجزائر، بإبادة سكانها الأصليين، كالهنود الحمر في العالم الجديد، حتى يسود الجنس الأوروبي عدديًّا ويصبح الاستعمار استيطانًا دائمًا”.

أوهام الجنرال “بيجو”

استعملت فرنسا كل الطرق الهمجية المتوحّشة من أجل تحويل الجزائر إلى “أمريكا جديدة”، ومعاملة الجزائريين كالهنود الحمر، بإبادتهم وتهجيرهم إلى المناطق القاحلة، وتدمير شخصيتهم وبنائهم الروحي.. ومن تلك الطرق للقضاء على الكيان الجزائري، سعت فرنسا إلى استقدام الأوروبيين من كل الجنسيات، وفي هذا الاتجاه، يقول عالم الاجتماع “شارل فوريي” (1772 – 1837): “إن هجرة الأوروبيين إلى الجزائر يجب أن تكون عارمة جارفة، يجب أن نبعث جحافل دهماء من الأوروبيين، إن في استطاعة فرنسا أن تبعث، دون أن تنهك قواها أو ترهق نفسها، أربعة ملايين نسمة، ثم تبعث أوروبا ما تبقى”. وفي هذا السياق، قال الجنرال “بيجو” في جانفي 1840: “نحن في حاجة إلى جحافل دهماء من المعمرين الفرنسيين والأوروبيين، ولكي تجلبوهم عليكم أن تعطوهم أراضي خصبة لا يطير غرابها.. حتى يصبحوا أصحابها وأربابها ويصير أربابها الأولون نسيًا منسيًّا”.

“هواية” القتل للتّسلية في الشّتاء

سجّل كثيرٌ من الجنرالات الفرنسيين اعترافاتهم حول المستوى الذي بلغوه في التوحّش والجهمية في عمليات الإبادة والتقتيل بحق الشعب الجزائري، منهم الجنرال “نيكولاس تشانغارنيي” (1793 – 1877) الذي قال: “ظهرت وحشية الغزو الفرنسي على الجزائر منذ 1830، لا نترك أحدًا، إنه الغزو الذي يمارسه الجيش على أوسع نطاق، مصحوبًا بالنهب والمجازر، فتحوّل الجنود إلى ذبّاحين لسكان معزولي السلاح، وكانت الفرق، التي تقوم بالتدمير، تتسلى خاصة في فصل الشتاء”. وأما وزير الحرب المارشال “إتيان موريس جيرارد” (1773 -1852) فقال: “لا بد من إبادة جميع السكان العرب، إن المجازر والحرائق وتخريب الفلاحة هي في تقديري الوسائل الوحيدة لتركيز هيمنتنا”.

مقتطفات من تقرير لجنة 1833

بعد ثلاث سنوات من الاحتلال، أرسل ملك فرنسا لجنة بحث للاطلاع على حالة الجزائر، في السابع جويلية 1833، فجاء في تقريرها: “إذا فحصنا الأعمال التي قمنا بها نحو الأهالي، لوَجدنا أنها لم تكن منطقية على أسس العدل فحسب، بل أنها كانت غير منطقية على أصول العقل والمنطق.. ضممنا إلى أملاك الدولة وسائر العقارات التي كانت أملاك الأوقاف، واستولينا على أملاك طبقة من السكان تعهّدنا برعايتها وحمايتها.. بلغ بنا الأمر إلى درجة أننا كنا نغتصب الأملاك ثم نُجبر مالكيها على دفع المصاريف اللازمة لهدمها، وكنا نُجبر الناس على دفع مصاريف هدم المساجد.. لقد انتهكنا حرمات المعاهد الدينية، ونبشنا القبور.. ثم أرسلنا إلى التعذيب والقتل، بدون محاكمة ولمجرد الظنون، جماعة من الذين لم تثبت إدانتهم حتى الآن، وحجزنا أملاكم، ومنعناها عن ورثتهم.. لقد ذبحنا جماعة من الناس كانت تحمل جواز المرور منّا، ولمجرد ظنون قمنا بإعدام سكّان جهات واسعة ثم ثبتت براءتهم بعد ذلك. وأوقفنا أمام المحاكم رجالا من ذوي النفوذ الديني، ما كان ذنبهم إلاّ أنهم تجرأوا على الوقوف أمامنا بإخلاص يسألوننا الشفقة على أبناء ملّتهم، فوجدنا حُكّاما (فرنسيين) يستطيعون أن يُصدروا على هؤلاء الرجال أحكاما بالموت. ووجدنا رجالا مُتمدّنين (فرنسيين) يستطيعون تنفيذ هذا الحكم. والخلاصة أن وحشيتنا كانت تفوق كثيرا وحشيةَ من ذهبنا نحمل إليهم المدنية”.

رسالة الأجيال الجزائرية

إن ما قامت به فرنسا في الجزائر أكبر من أن تستوعبه كلمة “استعمار”، ونعتقد بأن رسالة الأجيال الجزائرية، التي لن تستطيع تصوّر فظاعة وبشاعة الجرائم الفرنسية التي سعت إلى محو الوجود الحضاري الجزائري، أن تقوم بتجميع شهادات واعترافات صُنّاع الموت الفرنسيين، منذ 1830 وإلى غاية 1962، وتُنجز أعمالا توثيقية قابلة للتوظيف والاستثمار في التحصين الروحي للشخصية الوطنية لدى الإنسان الجزائري. وأيضا لتمكين الخيال على تصوّر حجم التضحيات التي قدّمها الشعب من أجل تأكيد حضور الجزائر على الخارطة الإنسانية بكل عزم ويقين وإيمان.