السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

من ذاكرة الألم في ذكرى النكبة.. عذرا يا “غزّة”.. التّاريخ شاهدٌ أصمٌّ وأعمى


 

تتلاحق الصّور حزينةً في ذاكرتي في كلّ عام، ويوجعني الحرفُ في كلّ مرة، وتبكي الكلمات كما بكت الدّيار في مثل هذا اليوم الأكثر وجعًا في تاريخ وجسد وطنٍ ما زال ينزف منذ ستةٍ وسبعين عامًا.. ذكرى النكبة التي أورثت الضّياع والتّشريد والخيام والمنافي واللّجوء والوجع والسّجن والموت لشعبي ووطني فلسطين.

مذ أشرقت شمس هذا اليوم المجلّلة بالسّواد (الخامس عشر ماي 1948)، وامتلأت أزقّة وطرقات وشوارع كلّ قرانا الفلسطينيّة بأقدام هذا المحتلّ القاتل، الذي ترك في كلّ خطوةٍ جثثًا بين قتلٍ وإبادة، لتفرغ حينها كلّ الأماكن من أصحابها، مات الشّجر، وصرخ المكان بحجارته وبيوته وترابه بين تهجيرٍ وموت، بين ترحيلٍ وقتل، بين حرقٍ وتنكيل..

غادروا على أمل أن يعودوا بعد يومين أو ثلاثة أو ثمانية، وليس أكثر.. ولكنهم لم يعودوا حتى هذه اللّحظة التي يبكي فيها القلم كلّما أخذت الحروف مداها بين الصّرخة والوجع، بين الحنين وحزن المنفى، بين قصص الرّاحلين وصدى صوت المغادرين لعالم الوجود.

ستةٌ وسبعون عامًا وهم ينتظرون في خيام اللجوء، وماتوا وهم ينتظرون، وما زالت حقائب العودة مركونة بملابس الرّحيل تنتظر البيوت والحواكير، ولم يعلموا أنّه لم يعد هناك بيوت.. ولم يعلموا أنّ الأمكنة ألبسوها ثوبًا آخر لا يشبهها، وحملت اسمًا آخر لا تعرفه من قبل.

ستةٌ وسبعون عامًا على نكبتك يا وطن المواجع.. ستةٌ وسبعون عامًا ونحن اللاجئون المنفيون في غربة تستنزف أحلامنا بالعودة.. شعبٌ مودِّع لأحلامه وأبنائه وبيوته ودياره. ستةٌ وسبعون عامًا ونحن نرسم قُرانا على ورق الأمنيات والأحزان. ستةٌ وسبعون عامًا ونحن نُقتل بدمٍ بارد، وبقهقهة محتّلٍّ يحتفل يوم نكبتنا باستقلاله. ستةٌ وسبعون عامًا ونحن نتلقّى الوعود على طاولات الخيانة والخذلان.

ستةٌ وسبعون عامًا وأطفال المخيّمات يرسمون صور بيوتهم ومفاتيح الأبواب على جدران المنافي في: عين الحلوة ونهر البارد وبرج البراجنة.. على عيون الشّمس، وأوراق شجرة الزّيتون قبل أن تشيخ.

ستةٌ وسبعون عامًا وفلسطين في منافيها تبكي الوطن الذي ضاع. وهل وصل القلم مداه وشعبنا في يُباد في غزّة والضفّة والمناطق الفلسطينية المُسيّجة بالصّمت.. وهل الجثث شاهدة على التّاريخ أم التّاريخ شاهدٌ على الموت في كلّ مكان؟

تكلّم أيّها التّاريخ، كفاك صمتًا أيّها العالم الظّالم، تكلّم أيّها الضّمير فقد مرّ عليك زمنٌ وأنت ميّت في هذه الأرض التي ترى كلّ هذه المآسي ولا تتكلّم، وتسمع الصّراخ الذي يفتّت القلب، وتصمّ أذنيك عن كلّ صرخة ألمٍ وجوعٍ وقهر.

ها هي نكبة “غزّة” تتحدّث وحدها عن نكباتنا التي زرعت فينا كلّ ألم، وكلّ حزن، وكلّ ويل، من لجوء إلى لجوء أكبر، ومن موتٍ إلى موتٍ أبشع، ومن تشريدٍ إلى تشريدٍ أقسى.

سوءًا للعروبة.. ما مدى تعرّيها من الضّمير! وتبًّا لكلّ معاني الحداثة ما أكذبها وهي تتلفّع بثوب الديمقراطيّة المخادعة لكلّ صوتٍ إنسانيّ! وألف لعنةٍ على يوم كانت فيه نكبتنا بداية الويلات والنّكبات التي ما توقّفت يومًا على يد طاغٍ تعدّى كلّ حدود الطّغيان.

عذرًا يا “غزّة” فالتّاريخ شاهدٌ على نكبتك الكبرى، ولكنّ التّاريخ أصمٌ وأعمى!