الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

من رد الفعل إلى الاستباق.. كيف تُدار معركة تفكيك عصابات الأحياء؟

Author
صبرينة عيلان 24 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتنامى بشكل لافت مؤشرات القلق المرتبطة بتوسع ظاهرة عصابات الأحياء، التي لم تعد تندرج ضمن مظاهر الانحراف الفردي أو السلوكيات المعزولة، بل باتت تتخذ طابعا أكثر تعقيدا وتشابكا، من خلال ارتباطها المتزايد بعصابات إجرامية منظمة تشمل الاتجار بالمخدرات والاعتداءات بمختلف أشكالها، بما يعكس انتقالها من نطاق محلي محدود إلى بنية إجرامية أكثر تنظيما وقدرة على التكيّف وإعادة التشكل.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الأمني، أحمد ميزاب، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن المعطيات الميدانية الراهنة تعكس تصاعدا واضحا في مستويات العنف داخل الأحياء، بالتوازي مع تعمّق الروابط بين عصابات الأحياء وباقي الأنشطة الإجرامية، وهو ما يمثل – حسبه – تحوّلا نوعيا في طبيعة التهديد، يفرض مراجعة شاملة لمنظومة التعاطي معه على مختلف المستويات.

الخبير الأمني، أحمد ميزاب

ويذهب ميزاب إلى التأكيد بأن هذا التحوّل لم يعد يسمح بالاكتفاء بالمقاربات الأمنية الظرفية أو التدخلات الجزئية، بل يستدعي الانتقال نحو مقاربة مؤسساتية شاملة، قائمة على التنسيق المحكم بين مختلف القطاعات، ومبنية على التكامل بين البعدين الردعي والوقائي ضمن رؤية استراتيجية موحدة، قادرة على استيعاب تعقيدات الظاهرة ومعالجة امتداداتها الاجتماعية والأمنية في آن واحد.

هذا وشهدت الساحة الوطنية خطوة تنظيمية جديدة تمثلت في التنصيب الرسمي لأعضاء اللجنة الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها لعهدة 2026-2029، وذلك بحضور واسع لممثلي مختلف القطاعات الأمنية والوزارية. وتندرج هذه المبادرة ضمن توجه استراتيجي يهدف إلى الانتقال من المعالجات الظرفية إلى بناء مقاربة مؤسساتية متكاملة، تقوم على التنسيق بين الهيئات، وتستهدف معالجة الظاهرة في أبعادها الأمنية والاجتماعية والتربوية.

وتعكس هذه الخطوة إرادة واضحة لإعادة هيكلة آليات التصدي لعصابات الأحياء، من خلال إرساء إطار عمل وطني يقوم على الوقاية كخيار استراتيجي، مدعوما بأدوات الردع القانوني، في سبيل الحد من تنامي السلوكيات العنيفة والانحرافات داخل الفضاءات الحضرية، بما في ذلك الأحياء، المؤسسات التربوية، الفضاءات الشبانية والدينية، وكذا المجال الرقمي، الذي بات يشكل امتدادا جديدا لتأثير هذه الظاهرة.

وأوضح ميزاب أن هذا التحول لم يعد يسمح بالاكتفاء بالمقاربات الأمنية الظرفية أو التدخلات المعزولة، بل يستدعي الانتقال إلى مقاربة منظمة تندرج ضمن سياسة عمومية متكاملة، تقوم على التنسيق بين مختلف القطاعات، وتجمع بين البعدين الردعي والوقائي ضمن رؤية استراتيجية موحدة.

لجنة وطنية بين الرهان السياسي وشروط الفعالية

وفي تعليقه على قرار إنشاء لجنة وطنية لمكافحة هذه الظاهرة، اعتبر ميزاب أن هذه الخطوة تمثل “مؤشرا إيجابيا على وجود إرادة سياسية عليا لإدراج ملف عصابات الأحياء ضمن أولويات العمل الحكومي”، مشيرا إلى أن تأكيد وزير الداخلية أن هذه المبادرة تأتي تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، يعكس إدراكا رسميا متقدما لخطورة الظاهرة وضرورة معالجتها بشكل ممنهج”.

غير أن الخبير الأمني شدد على أن اعتبار هذه اللجنة نقطة تحوّل فعلية يبقى مرهونا بتوفر جملة من الشروط الحاسمة، وفي مقدمتها تمتعها بصلاحيات تنفيذية فعلية، تمكنها من التدخل والتوجيه، بدل الاكتفاء بدور استشاري محدود. كما أشار إلى أهمية تحويل مخرجات اللجنة إلى قرارات قابلة للتطبيق ميدانيا، مع ضمان وجود آليات تقييم دورية تقيس الأثر وتسمح بتصحيح المسار عند الحاجة.

وأضاف أن غياب هذه العناصر قد يحوّل اللجنة إلى مجرد إطار تنظيمي دون أثر ملموس، في حين أن توفرها قد يشكل بداية تحوّل حقيقي في طريقة إدارة هذه الظاهرة، والانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق التخطيط الاستباقي.

بين الردع والوقاية معادلة ضرورية

وأوضح ميزاب أن “المقاربة الردعية تبقى عنصرا ضروريا، بل لا غنى عنه، في مواجهة عصابات الأحياء، كونها تتيح تحييد العناصر النشطة وفرض استعادة النظام في المدى القصير”، غير أنه حذر من محدودية هذا الخيار إذا تم اعتماده بشكل منفرد.
وقال في هذا الصدد: “التدخل الأمني قادر على إيقاف الفعل الإجرامي في لحظته، لكنه لا يعالج الأسباب العميقة التي أدت إلى ظهوره، ما يجعل الظاهرة قابلة لإعادة التشكل في آجال قصيرة”.
في المقابل، أبرز أن المقاربة الوقائية “تقوم على معالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي الظاهرة، وعلى تقليص البيئة الحاضنة التي تسمح بتجنيد عناصر جديدة”، مؤكدا أن هذا المسار “يتطلب وقتا واستثمارا مستمرا، لكنه يحقق نتائج أكثر استدامة”.

وشدد ميزاب على أن الفعالية الحقيقية لا تتحقق بالمفاضلة بين المقاربتين، بل بالجمع بينهما ضمن تصور متكامل، يزاوج بين تدخل أمني سريع وعمل وقائي عميق يستهدف المحيط الاجتماعي.

وعن أبرز التحديات التي تعيق الجهود الميدانية، كشف الخبير الأمني أن الأجهزة المعنية تواجه صعوبات حقيقية في الاختراق الاستخباراتي لبعض الأحياء التي تتحول إلى فضاءات شبه مغلقة، بفعل الترابط الداخلي القوي بين عناصر هذه العصابات.

كما أشار إلى ظاهرة “التواطؤ الصامت” لدى بعض السكان، موضحا أنها لا تعكس بالضرورة قبولا بالظاهرة، بل ترتبط غالبا بحالة خوف من الانتقام، وهو ما يحد من تدفق المعلومات ويضعف فعالية التدخلات الأمنية.

وأضاف أن هذه العصابات “تتمتع بقدرة عالية على إعادة التشكّل، حيث لا يعني تفكيك مجموعة نهاية النشاط، بل سرعان ما تظهر مجموعات جديدة تستفيد من نفس البيئة ونفس الظروف”، مشيرا، في السياق ذاته، إلى استعمال وسائل تواصل حديثة تعزز التنسيق بين هذه المجموعات، وتزيد من تعقيد عمليات التتبع.
ولم يغفل ميزاب الإشارة إلى “نقص الموارد البشرية المتخصصة في العمل الوقائي، وضعف الربط بين المقاربة الأمنية والاجتماعية”، معتبرا أن هذا الخلل “يؤدي إلى معالجة جزئية لا تمس جذور المشكلة”.

وفي حديثه عن المقاربة الجديدة، أبرز ميزاب أن التنسيق بين مختلف الأجهزة يمثل أحد أبرز عناصر القوة، ويعكس وعيا بضرورة تجاوز العمل القطاعي الضيق نحو عمل جماعي منظم.
وأوضح أن “اعتماد أدوات حديثة، مثل قاعدة بيانات مشتركة بين مصالح الأمن والدرك والعدالة”، من شأنه توحيد المعلومة وتعزيز دقة التدخل، مشيرا إلى أهمية إنشاء “خلايا تحليل مشتركة تعمل بشكل يومي، بما يسمح بالانتقال من المعالجة الظرفية إلى المتابعة المستمرة المبنية على تحليل معمق”.

كما شدد على ضرورة تحديد مسؤول واضح عن كل ملف محلي، لضمان وضوح القيادة الميدانية وتفادي تداخل الصلاحيات، معتبرا أن التبادل الفوري للمعلومة يشكل عنصرا حاسما في رفع سرعة الاستجابة وفعالية العمليات.

وأكد ميزاب أن اللجان الولائية تمثل الحلقة الحاسمة في تحويل الاستراتيجية الوطنية إلى نتائج ملموسة، موضحا أن خصوصية الظاهرة تفرض “تكييف المعالجة مع الواقع المحلي لكل منطقة”.
وأشار إلى أن هذه اللجان قادرة على رسم خرائط دقيقة للنقاط السوداء، وتحديد الأولويات بناءً على المعطيات الميدانية، إلى جانب تعبئة الفاعلين المحليين من جمعيات وبلديات ومؤسسات تربوية.