الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

من رقمنة الاقتصادات إلى ربطها.. هل تفتح الرقمنة آفاقا جديدة للتكامل العربي؟

Author
سهام سعدية سوماتي 02 أكتوبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

في خطوة تعكس تنامي الاهتمام العربي بتوظيف الرقمنة كرافعة للتكامل الاقتصادي، احتضنت الجزائر العاصمة، أول أمس الأربعاء، ندوة نظمها المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في إطار رئاسته لاتحاد المجالس الاقتصادية والاجتماعية العربية والهيئات المماثلة لها، خُصصت لبحث دور التحول الرقمي في تعزيز اندماج الدول العربية وتكاملها مع الاقتصاد العالمي.

وتبرز أهمية هذا المسار في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، والتي باتت فيها الأنظمة الرقمية عنصرا مؤثرا في تسهيل التجارة والاستثمار وتبادل البيانات والخدمات. وبينما قطعت الدول العربية خطوات متفاوتة في مجال الرقمنة، يطرح الانتقال من تطوير المنظومات الرقمية الوطنية إلى ربطها وتوحيد معاييرها تحديا أساسيا أمام بناء فضاء اقتصادي عربي أكثر ترابطا وقدرة على الانفتاح على الأسواق العالمية.

في هذا الصدد، أفاد فارس هباش، خبير في الاقتصاد الدولي، أن التحول الرقمي أصبح عنصرا أساسيا في تعزيز التكامل الاقتصادي العربي، بوصفه لم يعد مرتبطا فقط بتحديث الإدارة أو تحسين الخدمات، وإنما بات يرتبط بصورة مباشرة بقدرة الاقتصادات على تسهيل التجارة والاستثمار والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من رقمنة الاقتصادات كل دولة على حدة إلى ربطها رقميا ضمن فضاء اقتصادي أكثر تكاملا.

التكامل الرقمي العربي يفتح آفاقا أوسع للتجارة والاستثمار

وأوضح هباش، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن توظيف التحول الرقمي عربيا يبدأ من إزالة العوائق التي تحول دون انسيابية التدفقات التجارية والمالية والبيانات بين الدول، مبرزا أن التكامل الاقتصادي في البيئة الرقمية لم يعد يقاس فقط بحجم المبادلات التجارية، وإنما أيضا بمدى قدرة الأنظمة الجمركية والمصرفية واللوجستية على التواصل وتبادل المعلومات والوثائق بصورة سريعة وآمنة.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن بناء فضاء اقتصادي عربي مترابط رقميا من شأنه أن يسهل مختلف مراحل المعاملات التجارية والاستثمارية بين الدول، انطلاقا من التعريف بالمؤسسات والتحقق من هويتها، وصولا إلى العقود والفواتير وشهادات المنشأ والتصاريح الجمركية والدفع ومتابعة الشحنات، مؤكدا أن تحقيق ذلك يتطلب قابلية تشغيل بيني حقيقية بين الأنظمة الوطنية، بدل أن تظل كل دولة تعمل ضمن منظومة رقمية منفصلة.

ولفت الخبير إلى أهمية التنسيق الإقليمي في هذا المجال، خاصة في ظل وجود “الأجندة الرقمية العربية 2023-2033” التي أعدتها اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “الإسكوا”، والتي تضع إطارا للتعاون العربي في مجالات الرقمنة والاقتصاد والتجارة والبنية التحتية والحوكمة والتشريعات والإدماج الاجتماعي.

وأضاف أن أهمية هذه الأجندة تكمن في كونها تطرح الرقمنة ضمن رؤية متكاملة، بدل التعامل معها بوصفها مسألة تقنية منفصلة عن بقية القطاعات الاقتصادية.

وأكد هباش أن التجارة البينية العربية تمثل أحد أبرز المجالات التي يمكن أن تظهر فيها آثار التكامل الرقمي بصورة مباشرة، موضحا أن ربط النوافذ الجمركية الوطنية أو تطوير نافذة عربية رقمية للتجارة يمكن أن يسهم في تبادل التصاريح وشهادات المنشأ والتراخيص والوثائق الصحية والفنية إلكترونيا، بما يقلل الوقت والتكاليف المرتبطة بالإجراءات الورقية.

كما نوّه محدثنا بأن الرقمنة داخل كل دولة لا تكون كافية إذا عادت المعاملات إلى الإجراءات اليدوية عند انتقالها عبر الحدود، مبرزا أن الخطوة الأهم تتمثل في جعل الأنظمة الوطنية قادرة على التعرف على بعضها بعضا.

وذكر في هذا الصدد ضرورة تعزيز الاعتراف المتبادل بالتوقيع الإلكتروني والعقود والفواتير الإلكترونية وشهادات المنشأ ووثائق النقل، إلى جانب اعتماد معايير مشتركة لتبادل البيانات وربط أنظمة الحدود.

وفي الجانب المالي، أبرز هباش أن تطوير المدفوعات العابرة للحدود يمثل بدوره ركيزة أساسية لأي سوق رقمية عربية متكاملة، مشيرا إلى أهمية توسيع استخدام منصة “بُنى” للمدفوعات العربية وربطها بأنظمة الدفع الفوري الوطنية، بما يسمح بتقليص زمن التسوية وخفض تكاليف التحويلات، خصوصا بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تتأثر بشكل أكبر بطول آجال التسوية والرسوم.

وأضاف أن اعتماد معايير دولية في أنظمة الدفع، ومنها معيار «ISO 20022»، يمكن أن يسهل عملية الربط مع أنظمة الدفع العالمية، موضحا أن الهدف من التكامل الرقمي العربي لا ينبغي أن يكون إنشاء منظومة مغلقة، وإنما بناء سوق إقليمية أكثر قدرة على الانفتاح والتعامل مع الأسواق الإفريقية والأوروبية والآسيوية.

وفي السياق ذاته، أشار الخبير إلى أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة يمكن أن تستفيد بصورة كبيرة من توسيع السوق الرقمية العربية، باعتبار أن المنصات الرقمية تتيح للمؤسسات الوصول إلى أسواق جديدة دون الحاجة إلى شبكة واسعة من الوسطاء أو استثمارات مادية كبيرة.

ولفت إلى أن هذا الأمر يمكن أن يفتح المجال أمام نمو التجارة في الخدمات والمعرفة والتكنولوجيا، إلى جانب التجارة التقليدية في السلع.

كما يرى هباش أن توسيع السوق الرقمية العربية يمكن أن يساعد الشركات الناشئة على تجاوز محدودية السوق الوطنية، من خلال منحها إمكانية الوصول إلى قاعدة أوسع من المستهلكين والمتعاملين، بما يعزز فرص النمو والاستثمار وظهور شركات تكنولوجية عربية قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.

كما أكد أن البيانات تمثل محورا أساسيا في مسار التكامل الرقمي، غير أن انسيابها بين الدول يجب أن يتم ضمن أطر تضمن حماية البيانات الشخصية والأمن السيبراني والسيادة الرقمية، موضحا أن ذلك يتطلب تقاربا في التشريعات واعتماد معايير مشتركة لتصنيف البيانات وحمايتها، إلى جانب الاعتراف المتبادل بآليات المصادقة والهوية الرقمية.

وفي هذا الإطار، لفت المتحدث إلى أن التشغيل البيني لأنظمة الهوية والتوثيق الرقمي يمكن أن يبسّط عددا كبيرا من المعاملات التجارية والاستثمارية، من خلال تمكين المؤسسات والأفراد من التحقق من هوياتهم والتوقيع على العقود وإنجاز الإجراءات عن بعد، وهو ما يعزز الشفافية ويقلل التعقيدات الإدارية.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات يمكن أن يقدما بدورهما قيمة إضافية للتكامل الاقتصادي العربي، من خلال تحسين إدارة الموانئ وسلاسل الإمداد، والتنبؤ بحركة التجارة، وتقييم المخاطر الجمركية ومكافحة الاحتيال، غير أن الاستفادة الفعلية من هذه التقنيات ترتبط بوجود قواعد بيانات مترابطة ومعايير مشتركة بين الدول.

وبخصوص الجزائر، أبرز هباش أن احتضانها للندوة في إطار رئاستها لاتحاد المجالس الاقتصادية والاجتماعية العربية والهيئات المماثلة لها يوفر فرصة للانتقال من تبادل التجارب إلى بحث مشاريع عملية في مجال التكامل الرقمي، مشيرا إلى أن موقع الجزائر بين الفضاء العربي والإفريقي والمتوسطي يمنحها إمكانية الاستفادة من أي تقدم في هذا المسار.

وشدد على أن ربط الأنظمة التجارية والمالية الجزائرية بصورة أكبر بالمحيط العربي، مع الحفاظ على قابلية التشغيل مع الأنظمة الأوروبية والإفريقية، يمكن أن يجعل الرقمنة أداة لتوسيع صادرات الخدمات والمؤسسات الصغيرة والمنتجات الوطنية، وليس فقط وسيلة لتحسين الخدمات الإدارية داخل البلاد.

كما أكد الخبير في الاقتصاد الدولي أن نجاح التحول الرقمي العربي لا ينبغي أن يقاس بعدد المنصات والتطبيقات التي يتم إطلاقها، وإنما بقدرتها على إزالة الحواجز الاقتصادية وتسهيل حركة التجارة والاستثمار.

وفي ختام حديثه إلى “الأيام نيوز”، أبرز هباش أن الأولوية تكمن في الانتقال من “رقمنة الاقتصادات العربية” إلى “ربط الاقتصادات العربية رقميا”، عبر توحيد أو تقريب المعايير، وربط الأنظمة الجمركية والمالية، وتعزيز الاعتراف المتبادل بالوثائق والتوقيعات الإلكترونية، ووضع قواعد مشتركة لتبادل البيانات والأمن السيبراني، بما يسمح بتحويل الرقمنة إلى بنية أساسية للتكامل الاقتصادي والانفتاح على الأسواق العالمية.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.
↑