الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

من “صوت صفير البلبل” إلى تتبع “آخر ظهور”.. هكذا اقتحم الآباء العالم الرقمي لأبنائهم

Author
إيمان بن يمينة 16 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

حتى وقت قريب، كانت الهواتف الذكية وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي تمثل مساحة خاصة للأبناء، يصعب على كثير من الآباء والأمهات اختراقها أو حتى فهم طبيعتها. فقد بدا “فيسبوك” و”إنستغرام” و”تيك توك” عوالم رقمية يعيش فيها الشباب بعيدًا عن رقابة الأسرة، بما تحمله من لغات ورموز وثقافة مختلفة عن الأجيال السابقة.

في ذلك الوقت، كان حضور كثير من الأولياء في العالم الرقمي يقتصر على إرسال رسائل “جمعة مباركة” عبر “واتساب” أو إعادة نشر وإرسال مقاطع “صوت صفير البلبل”، دون اهتمام يُذكر ببقية المنصات أو بما يدور داخلها. غير أن هذا الواقع لم يدم طويلًا؛ فخلال السنوات الأخيرة، انتقل الآباء والأمهات من موقع المتفرج إلى المستخدم الفعلي، وأصبحوا حاضرين على المنصات نفسها، يتابعون المحتوى ذاته، ويشاركون في الفضاء الرقمي الذي كان يُنظر إليه يومًا باعتباره عالمًا خاصًا بالأبناء.

وهذا الاقتحام نقل ميكانيزمات الرقابة العائلية من الصالون والشارع إلى الفضاء الأزرق، ما خلق معركة بين جيلين؛ جيل يرى في التكنولوجيا حقاً مطلقاً في الخصوصية، وجيل يراها مساحة جديدة لفرض السلطة الأبوية وتتبع العثرات.

وأمام هذا التحول داخل الأسرة الجزائرية، يطرح التقرير الإشكالية التالية: كيف تحوّل اقتحام الأولياء لمنصات التواصل الاجتماعي من محاولة لتقليص الفجوة الرقمية مع أبنائهم إلى أداة للمطاردة والرقابة المستمرة؟

ارتفاع في نسب الاستخدام

يكشف تقرير Digital 2026: Algeria الصادر عن DataReportal  أن نسبة انتشار الإنترنت في الجزائر بلغت  %79,5 من إجمالي السكان، بما يزيد عن 37,8 مليون مستخدم.

كما تُظهر البيانات أن منصة فيسبوك لا تزال تضم نحو 22 مليون مستخدم في الجزائر، فيما يقترب عدد مستخدمي إنستغرام من18  مليوناً، وهو ما يعكس اتساع حضور مختلف الفئات العمرية على المنصات نفسها، بعد أن كانت لفترة طويلة فضاءً يغلب عليه حضور الشباب.

وتكشف بيانات التقرير أيضاً أن %96,4 من حركة الإنترنت في الجزائر تتم عبر الهواتف الذكية، وهو ما جعل الوصول إلى شبكات التواصل متاحاً في كل الأوقات تقريباً.

ومع قضاء المستخدم الجزائري في المتوسط نحو3 ساعات و40 دقيقة يومياً على منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت متابعة نشاط الأبناء الرقمي أكثر سهولة بالنسبة للأولياء، في مقابل سعي كثير من الشباب إلى ابتكار وسائل للحفاظ على مساحة من الخصوصية داخل هذا الفضاء المشترك.

انتقال كافة العائلة

في الواقع، لم تعد البيوت الجزائرية تنغلق على أسرارها خلف الأبواب والجدران؛ فالشاشات الصغيرة ألغت خصوصية الغرف المغلقة ونقلت الحياة العائلية بكل تفاصيلها إلى العلن الافتراضي. وفي هذا السياق، تقول الباحثة في علم الاجتماع، الدكتورة جميلة لعرابي، في حديثها لموقع “الأيام نيوز”، إن ما يحدث اليوم يتجاوز استخدام الأولياء للإنترنت، إنما هو انتقال للعائلة بكامل ثقلها إلى هذه المنصات.

وتضيف: “قبل سنوات، كان الابن يغلق باب غرفته فيشعر أنه يملك مساحته الخاصة، أما اليوم فالهاتف الذي يحمله في جيبه تحول إلى نافذة يدخل منها الأب والأم إلى أدق تفاصيل حياته اليومية، وهو ما غيّر كلياً شكل العلاقة بين جيلين”.

وهذا التواجد الأبوي، حسبها، لا ينطلق من رغبة في التجسس، بل يحركه قلق مشروع تغذيه الأخبار اليومية عن مخاطر الشبكة العنكبوتية. فالآباء يشاهدون يومياً قصصاً مرعبة عن الابتزاز الإلكتروني، والمخدرات، والعلاقات المشبوهة، ويشعرون أن ترك الابن وحده على الإنترنت يشبه تركه في شارع مزدحم بلا رقيب.

لكن المشكلة، حسب الدكتورة لعرابي، تبدأ عندما يتحول الخوف إلى هوس؛ حيث يندفع الأولياء لمراقبة كل صغيرة وكبيرة: من يضغط زر الإعجاب، ومن يعلّق، بل وتتبع توقيت آخر ظهور للابن على التطبيقات. هنا تحديداً، تتحول الحماية تدريجياً إلى حصار ورقابة خانقة.

وتضيف أنه عندما يتحول كل منشور أو صورة إلى مبرر لاستجواب حاد داخل المنزل في المساء، يبدأ الشاب في الشعور بأن حياته لم تعد تخصه، فيصبح حذراً في كل كلمة يكتبها، ليس خوفاً من الغرباء، بل من أقرب الناس إليه.

وتلفت لعرابي في معرض حديثها لـ”الأيام نيوز” إلى الانتشار الواسع للحسابات الثانية، وإخفاء الستوريات عن أفراد العائلة، أو الهجرة الجماعية نحو منصات لا يتواجد فيها الوالدان بكثرة.

هذه التصرفات، في نظر الباحثة، لا تعني دائماً أن الشاب يرتكب خطأً، بل تعني ببساطة أنه يبحث عن مساحة يتنفس فيها بحرية بعيداً عن مجهر الاختبار والتقييم المستمر.

وفي سياق متصل، تكشف الدكتورة جميلة لعرابي لـ”الأيام نيوز” عن ظاهرة سلوكية باتت شائعة عند إقبال الشباب على إنشاء حسابات جديدة، وهي حظر الأقارب المسبق، وتقول لعرابي: “لم يعد الشاب ينتظر وقوع الصدام أو حدوث سوء تفاهم ليقوم بحظر عمه أو خالته أو حتى والديه، بل أصبح يقوم بحظر قائمة العائلة بأكملها كخطوة احترازية أولى بمجرد تفعيل الحساب. وهذا الحظر يمنح الشاب شعوراً بالراحة النفسية والتحرر من رقابة البيئة القريبة، ويمكّنه من بناء شخصيته الرقمية بجرأة وعفوية أوسع، بعيداً عن مقصلة الأحكام العائلية الجاهزة وعقدة صورة العائلة المثالية التي يحاول الأولياء فرضها حتى في العالم الافتراضي”.

ميزة الـ”amis proches

الأمر لا يتوقف عند الحظر الكامل، فالشباب يستغلون اليوم ثغرات تقنية يجهلها الآباء تماماً. أكثر هذه الحيل شيوعاً هي ميزة “الأصدقاء المقربون”Amis proches  أو خاصية “تخصيص الستوري” من خلال هذه الخصائص، ينشر الشاب يومياته ومزحاته بحرية أمام أصدقائه فقط، بينما تظهر لوالديه صفحات رسمية ومحافظة جداً، لإيهامهم بأن الحساب راكد ولا ينشر شيئاً.

وفي هذا السياق، تحدث موقع “الأيام نيوز” مع مروة (23 سنة)، والتي أكدت أنها لا تستغني تماماً عن هذه الميزة في حسابها على إنستغرام؛ وتبرر مروة ذلك برغبتها في تفادي تعليقات الأقارب الذين يسارعون لإطلاق أحكام، اعتبرتها “جاهزة وقاسية” على أي تفصيل تنشره، سواء كان صورة، أو مكان زيارة، أو حتى نوع الموسيقى التي تسمعها.

وبفضل هذه الخصائص، بات بإمكان مروة وأبناء جيلها نشر يومياتهم ومزحاتهم بحرية أمام حلقة ضيقة من الأصدقاء يفهمون لغتهم، بينما تظهر للوالدين والأقارب صفحات رسمية.

هذه الحيلة تمنح الأبناء مساحة حرية بعيداً عن “الصداع العائلي” والقيل والقال، وفي نفس الوقت تعطي الأولياء سلاماً نفسياً وهمياً بأن أبناءهم ملتزمون تماماً بالمعايير التقليدية على الإنترنت.

تآكل الثقة

لكن الثمن الأكبر لهذه المعادلة يدفع من رصيد الحوار الأسري، إذ تحذر لعرابي من تراجع الثقة وتآكل التواصل داخل البيت الواحد، فخوف الابن من تفتيش حساباته يدفعه إلى التزام الصمت وتفضيل حل مشكلاته مع أصدقائه أو عبر الإنترنت بدلاً من اللجوء إلى والديه، لتقع الأسرة في معضلة حيث تصبح أقل معرفة بما يعيشه ابنها في الواقع، رغم أنها تراقبه في الافتراضي أكثر من أي وقت مضى.

وهذا الهاجس الأبوي، حسب المختصة، تحركه أيضاً ضغوط اجتماعية؛ فالآباء في المجتمع الجزائري يشعرون أنهم مسؤولون عن تصرفات أبنائهم أمام الأقارب والجيران، والذين قد يرون في منشور عفوٍ دليلاً على تقصير في التربية، لذا يتابع الأولياء حسابات أبنائهم خوفاً من كلام الناس، بينما يخشى الشباب أن يُساء فهم مزحاتهم وصورهم المتداولة بين أبناء جيلهم.

في نهاية المطاف، تؤكد الدكتورة جميلة لعرابي أن التكنولوجيا ليست هي المتهم الحقيقي، فالقضية ليست في نوع التطبيق، بل في كيفية بناء الثقة داخل الأسرة. فالابن الذي يشعر بأن والديه يستمعان إليه قبل إصدار الأحكام والمحاكمات لن يحتاج أبداً إلى إخفاء حياته، أما إذا شعر أن كل ما يفعله سيُستخدم ضده، فسيصبح أكثر مهارة واحترافية في التخفي.

وتختم الباحثة تحليلها بالقول إن نجاح الأسرة اليوم لا يُقاس بحجم الرقابة الرقمية المفروضة، إنما بقدرتها على جعل الأبناء يتحدثون ويخبرون أولياءهم بما يحدث لهم من تلقاء أنفسهم، لأن الابن الذي يثق في أسرته سيعود إليها عند أول مشكلة، أما الابن الذي يخاف من رد فعلها فسيحرص على ألا تعرف شيئاً، مهما كانت وسائل المراقبة مشددة.

وتكشف هذه التحولات أن انتقال الأولياء إلى منصات التواصل لم ينهِ الفجوة بينهم وبين أبنائهم، بل أعاد تشكيلها بصورة مختلفة. فبينما أصبح الآباء أكثر حضوراً في العالم الرقمي، أصبح الشباب أكثر حرصاً على اختيار ما يظهر وما يبقى مخفياً، لتستمر الخصوصية في إعادة رسم حدودها مع كل أداة جديدة توفرها المنصات.

Author إيمان بن يمينة
إيمان بن يمينة، صحفية، خريجة المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، تخصص جيوسياسة وسائل الإعلام. بدأت مساري المهني بتربص في مجلس الأمة ضمن خلية الإعلام والاتصال، ثم في إذاعة الجزائر الدولية، وأعمل حاليًا صحفية في الأيام نيوز، حيث أكتب في القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.