الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

من غزة إلى سبتة.. ما الذي يقف وراء تشدد روما تجاه مدريد؟

Author
إيمان بن يمينة 01 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في وقتٍ تسجل فيه إسبانيا مواقف تاريخية ومبدئية حازمة بالانحياز للحق الإنساني – سواء بوقوفها الصريح مع القضية الفلسطينية وتجريم ممارسات الاحتلال الصهيوني، أو باتباعها نهجاً إنسانياً في إدارة أزماتها الحدودية المتلاحقة – جاء القرار المفاجئ الصادر عن العاصمة الإيطالية روما بتعليق العمل باتفاقية “شنغن” لحرية الحركة مع مدريد، ليثير جدلا سياسيا وأمنيا واسعا داخل التكتل الأوروبي.

وتتذرع إيطاليا، في ظاهر قرارها، بحماية الحدود القارية وكبح التدفقات الاستثنائية للمهاجرين عقب الأحداث الأخيرة في سبتة، غير أن توقيت وسياق هذا القرار يطرحان تساؤلات جوهرية عما إذا كان مجرد تدبير أمني لمواجهة موجات الهجرة، أم أنه ينطوي على أبعاد سياسية تهدف إلى التضييق على حكومة مدريد وإحراجها بسبب مواقفها السياسية والمبدئية الأخيرة.

ومن هذا المنطلق، يطرح هذا التقرير الإشكالية التالية: هل يُعتبر قرار إيطاليا المفاجئ بتعليق “شنغن” مع إسبانيا إجراءً أمنياً بحتاً مدفوعاً بأزمة سبتة، أم أنه غطاء سياسي لمعاقبة مدريد على مواقفها الداعمة لفلسطين ضد استعمار الكيان الصهيوني؟

خريطة سياسية منحازة للتشدد

لا يمكن فهم القرار الإيطالي بمعزل عن طبيعة المشهد السياسي الداخلي في البلاد، حيث تقود رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني ائتلافاً يمينياً يضم أحزاب “إخوة إيطاليا” (Fratelli d’Italia)، و”الرابطة” (Lega)، و”فورزا إيطاليا” (Forza Italia)، ويتمتع بأغلبية مريحة في مجلسي النواب والشيوخ، ما يمنحه استقراراً سياسياً وقدرة واسعة على المضي في سياساته، وفي مقدمتها التشدد في ملف الهجرة وأمن الحدود.

وفي المقابل، تتوزع المعارضة بين الحزب الديمقراطي، وحركة النجوم الخمسة، وعدد من أحزاب اليسار والوسط، لكنها تعاني انقساماً سياسياً يحد من قدرتها على تشكيل جبهة موحدة في مواجهة سياسات الحكومة.

موجة غضب عارمة

أثار قرار الحكومة الإيطالية بتعليق اتفاقية “شنغن” أحادياً وإعادة فرض القيود الحدودية موجة غضب عارمة في الأوساط الإعلامية والسياسية الإسبانية، حيث أجمعت الصحف الكبرى مثل “إل بايس” (El País) و”لافوز دي غاليسيا” على وصف الخطوة بـ”الشعبوية والدعاية الانتخابية” الموجهة للاستهلاك السياسي الداخلي في روما.

واعتبرت التحليلات الإسبانية أن المهاجرين الواصلين إلى ثغر سبتة ليس لديهم القدرة أو النية للانتقال إلى البر الإيطالي، ما يفرغ القرار من جدواه ويجعله مجرد مزايدة حزبية.

كما أدانت التقارير تصريحات وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاياني، التي ربطت الأزمة بسياسات مدريد السابقة لتسوية أوضاع المهاجرين، واصفة إياها بالديمواغوجية، بينما أشادت بالرد الدبلوماسي الحازم للحكومة الإسبانية التي سارعت لاستدعاء سفير روما للاحتجاج.

ومن جانب آخر، حرصت صحف مثل “لافانغوارديا” (La Vanguardia) على تهدئة المخاوف العامة وإبراز التوضيحات الإيطالية اللاحقة، مشيرة إلى أن الإجراءات لن تمس المواطنين الإسبان أو الأوروبيين، بل ستقتصر على عمليات تدقيق مؤقتة تستهدف رعايا الدول الإفريقية القادمين من إسبانيا.

وفي السياق ذاته، ركزت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية على الجانب القانوني للمسألة، موضحة أن روما لا تملك حق الإغلاق الكامل للحدود بل تفعيل تفتيش استثنائي بموجب المادة 25 من قانون “شنغن”.

ومع ذلك، حذرت التغطية الإعلامية بمجملها من خطورة الانقسام الأوروبي الحاد الذي كشفته الأزمة، والاصطفافات السياسية المقلقة التي بدأت تتبلور داخل الاتحاد الأوروبي.

ضغط سياسي داخلي

في حديثه إلى موقع “الأيام نيوز”، يرى المحلل السياسي، عمار سيغة، أن قرار روما المتعلق بتعليق العمل باتفاقية “شنغن” مع مدريد يأتي في أعقاب التطورات الأخيرة الناجمة عن تدفق أكثر من 50 ألف مهاجر غير شرعي نحو الأراضي الإسبانية؛ وهو التوقيت الذي كثفت فيه الدول الأوروبية من إجراءاتها الصارمة للتعامل مع هذا الملف، لاسيما عقب التوترات الشديدة التي شهدتها دول مثل ليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة التي تضرب المملكة المغربية والسياسات الداخلية للمخزن، والتي أسهمت بطريقة غير مباشرة في زيادة موجات الهروب والتدفق البشري نحو الخروج.

وأوضح سيغة أنه رغماً عن كونه تعليقاً مؤقتاً – وفق تصريحات أولية لمسؤولين إيطاليين – يهدف إلى تعديل بعض الإجراءات المؤقتة الخاصة بحركة عبور الأشخاص، وأنه لا وجود لحدود برية مباشرة بين إسبانيا وإيطاليا، إلا أن الأحداث كشفت عن اتصالات وتنسيق سابق بين روما وباريس لتشديد الرقابة على وثائق السفر والأوراق الثبوتية للمهاجرين القادمين من شمال إفريقيا، ومن المملكة المغربية على وجه الخصوص. ويربط المحلل هذا التحرك بالضغوط الهائلة التي يعيشها الاتحاد الأوروبي جراء تصاعد سطوة اليمين المتطرف، والخشية من توظيف أوراق الهجرة كأداة ضغط وتأثير إقليمي.

وفي تحليله للدوافع السياسية، يؤكد المحلل السياسي أن قرار روما يمثل أداة لضغط سياسي داخلي؛ إذ يقود الحديث عن ملف الهجرة مباشرة إلى الخطاب العنصري الذي يغذيه اليمين المتطرف المتصاعد في السنوات الأخيرة بالمشهد السياسي الأوروبي، لاسيما في إيطاليا وفرنسا، إضافة إلى صعوده الحاد داخل البرلمانات الأوروبية.

ويعتبر أن هذا القرار يمثل “تحصيلاً للحاصل”، كونه يمس ملفاً ذا أهمية كبرى كإحدى أوراق الضغط الداخلي التي تُستغل تارة كأوراق انتخابية، وتارة أخرى كأدوات ضاغطة بيد المعارضة.

تدفقات بشرية هائلة

حول مدى ارتباط هذا القرار بمواقف مدريد الداعمة للقضية الفلسطينية وتجريمها لممارسات الكيان الصهيوني داخل الأراضي المحتلة، يرى عمار سيغة أن هذا البُعد قد يمثل جانباً تراكمياً وليس سبباً مباشراً، مشيراً إلى أن القطرة التي أفاضت الكأس تمثلت في التدفق الكثيف لآلاف المهاجرين المغاربة نحو مدينة سبتة ومنها إلى الأراضي الإسبانية – وهي التدفقات التي تعكس في عمقها تعاطي المخزن مع أزماته الحدودية وتصديرها للجيران – تمهيداً للتوغل نحو العمق الأوروبي؛ وهو ما دفع روما لاتخاذ إجراءات استباقية حازمة لحماية أمنها الداخلي وضبط الهجرة غير النظامية.

واختتم سيغة تصريحه بالتأكيد على أن ربط قرار روما بمواقف إسبانيا المتعاطفة مع فلسطين والمناهضة للاحتلال هو احتمال “بعيد عن الواقع”؛ لأن جوهر الإجراء يتعلق بصرامة اليمين المتطرف في التعامل مع الهجرة، وفي ظل ضغوط داخلية متزايدة تقع على عاتق رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، داخل ائتلافها الحكومي ذي الأغلبية اليمينية المتطرفة. ويتلخص سياق القرار الإيطالي – حسب رأيه – في الرغبة باستباق أي خطوة قد تتخذها السلطات الإسبانية لتسوية وثائق المهاجرين المتدفقين عبر سبتة للحد من التبعات الناجمة عن خيارات المخزن، وذلك لكبح جماح أي محاولات للتوغل نحو العمق الأوروبي وإيطاليا، التي تُعد بدورها وجهة مفضلة للمهاجرين غير الشرعيين عبر قوارب الموت.

شنغن في اختبار السياسة

خلاصة القول، تكشف قراءة مجمل المعطيات أن القرار الإيطالي لا يمكن عزله عن التحولات السياسية التي تشهدها البلاد، حيث فرض صعود اليمين المتشدد وأولوياته المرتبطة بملف الهجرة نفسه على طبيعة السياسات الحكومية، لتغدو إجراءات تشديد الرقابة على الحدود امتداداً لخطاب سياسي داخلي أكثر من كونها استجابة تقنية معزولة لظرف أمني طارئ.

وفي المقابل، وجدت إسبانيا نفسها في مواجهة تداعيات قرار ألقى بظلاله على تماسك فضاء شنغن، وأعاد إلى الواجهة التباين المتزايد بين مقاربات الدول الأوروبية في إدارة ملفات الهجرة والحدود، في وقت تتعاظم فيه الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية الموازنة بين الاعتبارات الأمنية والالتزامات السياسية والإنسانية.

 

Author إيمان بن يمينة
إيمان بن يمينة، صحفية، خريجة المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، تخصص جيوسياسة وسائل الإعلام. بدأت مساري المهني بتربص في مجلس الأمة ضمن خلية الإعلام والاتصال، ثم في إذاعة الجزائر الدولية، وأعمل حاليًا صحفية في الأيام نيوز، حيث أكتب في القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.