الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
حديث الساعة

من “قليص” أبرهة إلى “بيت” ابن زايد.. إنهم يريدون تغيير بوصلة الحج

Author
الأيام نيوز 26 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

شيد “أبرهة الأشرم” بناية “القليص” ليحول إليها الحج من بيت الله الحرام في مكة. وقبل سنوات، شيد حكام الإمارات “بيت العائلة الإبراهيمية”، يضم مسجدا وكنيسا يهوديا ‏وكنيسة نصرانية، تتويجا لما يسمى “الديانة الإبراهيمية” أو “الدين ‏الإبراهيمي العالمي”، وتنفيذا لما جاء في وثيقة “الأخوة ‏الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش معا” الصادرة في “أبو ظبي” سنة ‏‏2019، لتحويل حج المسلمين إلى ذلك “البيت”، وفك عزلة الكيان الصهيوني في “الشرق الأوسط” عبر التطبيع العربي معه، وأهداف متعددة لم تعد خفية.

زعم أصحاب “بيت العائلة الإبراهيمية” أنهم يهدفون إلى إقامة مؤسسات دينية ودور ‏عبادة موحدة مشتركة لأتباع الديانات الثلاث، وإطلاق حوار بناء بين الحضارات والأديان. وجندوا لتحقيق أهدافهم دعاة ومشايخ ومروجين من مختلف المستويات العلمية والثقافية، للتبشير بهذا “الدين الجديد” في الأوساط الدينية والثقافية العربية والإسلامية، ولم يفعلوا ذلك في الأوساط اليهودية والنصرانية الأوروبية والأمريكية، وهذا الأمر يعريهم ويفضحهم ويكشف بأنهم يستهدفون ركنا من الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام، وهم بذلك يجددون أوهام “أبرهة الأشرم”، بتحويل الحج من مكة المكرمة إلى بيتهم!

ولن نذهب في التعليق على هذه النقطة، ونكتفي بعبارة لـ”محمد بن زايد”، أوردتها وثيقة من وثائق “ويكيليكس” تعود إلى أواخر شهر جانفي 2007، قال فيها: “لو علِم الإماراتيون ما أفعل، ولو أعلنت دعمي علنا لبعض الأمور، لرجموني بالحجارة”، فالرجل يعلم بأن ما قام به يستوجب الرجم مثلما يرجم إبليس، وتشهد على ذلك أياديه الملوثة بدم الأبرياء في غزة والسودان وليبيا وأقطار عربية وإسلامية عديدة.

يزعم دعاة ومنظرو “الديانة الإبراهيمية”، أو “الدين ‏الإبراهيمي العالمي”، نسبة إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، على لسان أحد دعاتها:‏‎ ‎‏”على أننا نحن جميعا؛ المسلمون واليهود والنصارى أبناء العائلة الإبراهيمية، وأن ‏الديانة الإبراهيمية هي التي نتشارك فيها”.‏‎ ‎ولسنا نعلم كيف سيوحد هذا الداعية بين الفِرق التي يتشكل منها أتباع كل دين من تلك الأديان الثلاثة، لا سيما أتباع الدين الإسلامي؟ وأقرب جواب أن الدين الجديد سيصوغ مزيجا من الأديان الثلاثة يكون مشتركا بين مختلف الفرق، ثم يصير هو المرجعية الدينية لأتباع الدين الجديد!

المشترك الملغوم.. تشتيت الأمة باسم الوحدة حتى مع الأعداء

يرى العميد السابق في الجيش اللبناني منير شحادة – في تصريحات خص بها “الأيام نيوز” – أن مصطلح (الإبراهيمية) لم يظهر فجأة مع اتفاقيات التطبيع الأخيرة، بل تعود جذوره الفكرية إلى عقود من محاولات غربية ودينية هدفت إلى صناعة مساحة مشتركة – لكنها ملغومة – بين الإسلام والمسيحية واليهودية تحت عنوان (الإرث الإبراهيمي المشترك).

منير شحادة، عميد متقاعد في “الجيش” اللبناني

ويشير إلى أن مراكز أبحاث ومؤسسات دينية غربية بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي طرح فكرة (الديانات الإبراهيمية) بوصفها إطارا حضاريا جامعا لأبناء النبي إبراهيم، يقوم على فرضية انتماء الأديان الثلاثة إلى أصل روحي واحد، مع تقديم هذا التقاطع بوصفه مدخلا لإعادة تشكيل العلاقات السياسية بين الشعوب، بدل أن يبقى مجرد تقارب ديني نظري.

ويذهب شحادة إلى أن هذا التصور ظل لسنوات محصورا داخل النقاشات الأكاديمية والحوارات الدينية، قبل أن تدفع التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، ولا سيما بعد أحداث ما سمي بـ(الربيع العربي)، ثم تصاعد الحضور الإيراني، إلى جانب تحركات قوى المقاومة في المنطقة في مواجهة المشروع الصهيوني، نحو نقل مفهوم (الإبراهيمية) من إطار ثقافي وديني إلى أداة سياسية وجيوسياسية ذات توظيف إيديولوجي مكثف، يعاد عبرها ترتيب خرائط النفوذ الإقليمي وإعادة توجيه الاصطفافات بما يخدم توازنات جديدة تقصي مركزية الصراع العربي–الإسرائيلي التقليدي، بما يفضي، وفق هذا التصور، إلى تحويل عدو الأمة إلى حليف ضد الأمة نفسها.

في هذا السياق، يبرز الدور الإماراتي بوصفه مركزا أساسيا في الدفع بهذا المسار، حيث وقع أحمد الطيب والبابا فرنسيس في أبوظبي وثيقة الأخوة الإنسانية عام 2019، وأطلقت الإمارات لاحقا مشروع مجمع بيت العائلة الإبراهيمية الذي افتتح عام 2023.

كما استضافت أبوظبي مؤتمرات دينية عابرة للطوائف، وروجت لمفاهيم (الأخوة الإنسانية) و(التسامح بين الأديان). غير أن شحادة يرى أن الخطاب الرسمي الذي يقدم بوصفه مشروعا للتعايش والسلام يوظف، في عمقه، لإعادة صياغة الوعي العربي وتليين الموقف الشعبي من مسار التطبيع مع العدو الصهيوني، بما يفضي إلى إضعاف مركزية القضية الفلسطينية وإخراجها تدريجيا من موقعها التاريخي.

ويشير شحادة إلى أن الوعي السياسي العربي تشكل لعقود على أساس اعتبار “إسرائيل” العدو المركزي للأمة العربية، باعتبارها قوة احتلال ارتبطت بتهجير الفلسطينيين واحتلال الأرض وخوض الحروب مع الدول العربية. لكنه يلاحظ أن السنوات الأخيرة شهدت انزياحا تدريجيا وخطيرا في هذا الخطاب، إذ بدأت منصات سياسية وإعلامية عربية بإعادة تقديم “إسرائيل” كطرف “طبيعي” أو شريك محتمل في معادلات إقليمية جديدة، في مقابل تضخيم فكرة وهمية تتعلق بما يسميه معسكر التطبيع: (الخطر الأكبر) المتمثل في إيران. ويترافق هذا التحول، بحسب قراءته، مع إدخال متصاعد للبعد الطائفي والمذهبي إلى الخطاب العام، عبر استبدال التحليل السياسي للصراع بتوصيفات عرقية ومذهبية، بما يعيد تشكيل الوعي الجمعي ويوجه بوصلته بعيدا عن جوهر الصراع التاريخي.

ويخلص شحادة إلى أن خطورة هذا المسار لا تكمن في شعارات التعايش المعلنة، بل في نتائجه التراكمية على الوعي السياسي والثقافي، حيث يعاد إنتاج صورة جديدة للمنطقة تمحى فيها تدريجيا الحدود الفاصلة بين العدو والحليف، وتعاد فيها صياغة أولويات الصراع بما يضعف مركزية القضية الفلسطينية ويدخل المنطقة في اصطفافات بديلة ذات طابع وظيفي.

وبما أن واقع الحال أن المسلمين يؤمنون بأن الأديان السماوية الأخرى محرفة، واليهود لا يعترفون بالإسلام ولا بالنصرانية، والنصرانيون لا يعترفون بالإسلام، فلا بد أن طرفا ضعيفا هو المستهدف لإخراجه من دينه، وهم المسلمون بكل تأكيد!

يستأنس في هذا الإطار بما ورد في ورقة بحثية للشيخ الدكتور حسام الدين موسى عفانة، الفقيه والكاتب الفلسطيني وأستاذ الفقه والأصول في جامعة القدس، بعنوان: “الديانة الإبراهيمية.. الأبعاد العقدية والسياسية وصلتها بالمشروع التطبيعي والصهيوني”.

الاستسلام للعدو تحت شعار “التقارب الإبراهيمي”

ينطلق الدكتور عفانة من تفكيك مفهوم “الديانة الإبراهيمية” باعتباره، في أصله، مشروعا يقوم على جمع الإسلام واليهودية والنصرانية تحت مظلة دينية واحدة، عبر التركيز على المشترك الرمزي المنسوب إلى النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام. غير أن هذا الطرح، وفق قراءته، لا يتوقف عند حدود التقريب بين الأديان، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة المرجعية العقدية نفسها، بحيث يتم تحويل “المشترك” إلى معيار حاكم يعاد على أساسه ترتيب القيم والاعتقادات، بما يفضي إلى إضعاف الخصوصية العقدية للإسلام وإذابة حدوده الفاصلة مع غيره من الديانات.

ويورد عفانة تعريفا نقل عن أحد الداعين لهذا الطرح، جاء فيه: “على أننا نحن جميعا المسلمين واليهود والنصارى أبناء العائلة الإبراهيمية، وأنَ ‏الديانةَ الإبراهيميةَ هي التي نَتشارك فيها”، ثم يخلص إلى أن هذا التصور يؤدي عمليا إلى تقديم “المشترك” بوصفه مرجعية عليا، وهو مشترك، في بنيته، لا يساوي بين الأديان الثلاثة، بل ينتهي إلى تغليب العناصر المستمدة من اليهودية باعتبارها المرجع الأكثر قابلية للفرض داخل هذا البناء، نظرا لعدم اعترافها بالإسلام والنصرانية.

وفي هذا السياق، يذهب إلى أن المشروع، في جوهره، لا يقوم على التقارب العقدي بقدر ما يستهدف إعادة توجيه البنية الثقافية والدينية للمجتمعات المسلمة، عبر دمج الأديان في إطار واحد يفقد العقيدة الإسلامية تمايزها، ويعيد إنتاج مفاهيم دينية وفق مقاربات سياسية حديثة.

ويشدد عفانة على أن الخلط بين الإسلام، باعتباره دين التوحيد المحفوظ، وبين الديانات التي يعتبرها محرفة، يشكل أساسا فكريا لهذا الطرح. ويستند في رفضه إلى نصوص قرآنية تؤكد التمايز العقدي، من بينها قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا ‏مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة آل عمران: 67‏‎[.

كما يتوقف عند البعد السياسي للمشروع، معتبرا أنه لم ينشأ في فراغ فكري، بل ارتبط، بحسب قراءته، بمراكز بحثية ومؤسسات دولية تعمل ضمن ما يسميه “الدبلوماسية الروحية”، وهي فضاءات تستثمر فيها المفاهيم الدينية لإنتاج مقاربات سياسية جديدة، تعيد صياغة العلاقة بين الدين والسياسة وفق تصورات غربية وإسرائيلية.

ويذهب عفانة إلى أن خطورة المشروع لا تكمن في بعده الفكري فقط، بل في نتائجه السياسية المباشرة، إذ يرى أنه يتقاطع مع مسار التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، من خلال إعادة تعريف العلاقة بين الشعوب والأديان بما يخفف من مركزية الصراع التاريخي، ويعيد صياغة الوعي تجاه القضية الفلسطينية.

وفي هذا الإطار، يعتبر أن ما يعرف بـ”الديانة الإبراهيمية” لا ينفصل عن اتفاقيات التطبيع التي سميت بـ”الاتفاق الإبراهيمي”، حيث تم توظيف الرمزية الدينية لإضفاء بعد أخلاقي وروحي على مسار سياسي، بما يمنح هذا المسار غطاء رمزيا جديدا في الخطاب الدولي.

ويخلص عفانة إلى أن هذا الشروع، في مآلاته، لا يهدف إلى إنتاج تقارب ديني بل يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وإعادة ترتيب الأولويات العقدية والسياسية في المنطقة، بما ينعكس على موقع القضية الفلسطينية داخل الوعي العربي والإسلامي.

وفي سياق توصياته، يدعو إلى مواجهة هذا المشروع فكريا وعلميا، عبر تعزيز الخطاب العقدي الإسلامي، وتوضيح الفروق الجوهرية بين التوحيد الإسلامي وبقية التصورات الدينية، وتحذير الجمهور من التبعات الفكرية والسياسية لمثل هذه المشاريع، التي يعتبرها امتدادا لنقاشات أوسع حول الدين والسياسة في المنطقة.

↑