السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اختيارات المحرر

من ليبيا إلى إيران.. العِبرة النووية الضائعة

Author
صبرينة عيلان 03 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ديسمبر 2003، أعلن الزعيم الليبي الراحل، معمر القذافي، تخلّي بلاده عن برنامجها النووي، وسط اعتقاد واسع بأن هذه الخطوة ستفتح له أبواب القبول الغربي وتضمن استقرار نظامه، غير أن الأحداث سارت في اتجاه معاكس، إذ قاد التدخل العسكري الغربي سنة 2011، إلى سقوط النظام وانتهى الأمر بمقتله في أكتوبر من العام نفسه. في المقابل، كانت إيران قد طوّرت قدرات تكنولوجية متقدمة في المجال النووي، ويرى خبراء أنه لو واصلت مسارها دون الدخول في مفاوضات مع الغرب وتمكنت من امتلاك رأس نووي واحد على الأقل، لشكّل ذلك عامل ردع حقيقيا كان من شأنه تغيير حسابات الولايات المتحدة و”إسرائيل” ودفعهما إلى التراجع عن الخيار العسكري. وفي أعقاب تصفية المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، فرض المشهد سؤالا اختصرته “الأيام نيوز” ووجهته لمحللين، كالآتي: هل كرّر الراحل خامنئي الخطأ ذاته الذي ارتكبه القذافي حين قبل بالتفاوض بدل التعجيل باستكمال معادلة الردع؟

الدكتور محمود مختار إسماعيل الرملي

الدكتور محمود مختار إسماعيل الرملي، باحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية، يرى – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن العالم يشهد “تحولات عميقة توحي بأن منطق القوة بات يتقدم على منطق القانون، وأن ما يُفترض أنه نظام دولي قائم على القواعد أصبح محل تساؤل جدي”. ويشير الرملي إلى أن هذا التآكل في القانون الدولي ظهر جليا من خلال أزمات سابقة مثل العراق، حيث أفضت اتهامات بامتلاك أسلحة نووية إلى غزو أدى لتفكيك الدولة وإدخال المنطقة في دوامة من الاضطرابات، وانتهى بإعدام الرئيس صدام حسين. ويضيف أن هذه التجارب تبرز مدى هشاشة أنظمة الردع غير المكتملة في مواجهة الضغوط الاستراتيجية، وتعكس أهمية امتلاك قوة ردع حقيقية لتجنب استهداف الدولة أو تقييد قدرتها على حماية مصالحها.

ويتابع الرملي أن الأزمة الإيرانية تمثل نموذجا معاصرا للتحدي نفسه، مشيرا إلى أن طهران تؤكد حقها في تطوير قدراتها الدفاعية والنووية، بينما يتركز النقاش على مدى فاعلية الردع النووي لمنع الاستهداف العسكري. ويقول: “فلو تمكنت دول مثل إيران من بلوغ عتبة إنتاج سلاح نووي، هل كان ذلك سيحول دون استهدافها؟ امتلاك قدرة ردع قد يحد من احتمالات الهجوم، في حين أن سباق التسلح قد يفتح الباب أمام مخاطر أشد تعقيدا”.

صهيب المرزيقي

استراتيجية الردع الإيراني.. محصلة الخيارات

من زاوية التحليل الاستراتيجي، صهيب المرزيقي يؤكد – لـ”الأيام نيوز” – أن “التطورات الأخيرة في المواجهة بين (إسرائيل) وإيران لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل جاءت في سياق تخطيط استراتيجي مرتبط بعقائد صهيونية للتوسع وضمان أمن الكيان في المنطقة”. ويرى أن (إسرائيل) تتصرف وفق مبدأ الضربة الاستباقية لمنع تعاظم قدرات خصومها، بينما ترى إيران نفسها في موقع دفاعي يسعى لتعزيز نفوذها الإقليمي وأوراقها التفاوضية. ويشير إلى أن الهدف من هذا التصعيد لا يقتصر على أهداف جغرافية، بل على تحجيم القدرات الاستراتيجية لإيران، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي، وأن استمرار خيار التفاوض مع جهة عقائدية يمتلك مشروعا إقليميا استراتيجيا هو خطأ استراتيجي.

يدعم هذا الرأي الخبير غيفورغ ميرزايان، الذي يرى أن إيران كررت خطأ القذافي، إذ كانت قد طورت قدرات نووية متقدمة، ولو أنها أتمت مسيرتها وحصلت على رأس حربي نووي واحد على الأقل، لكان ذلك قد شكّل رادعا فعالا غيّر حسابات خصومها وأجبرهم على التراجع عن الخيار العسكري. ويضيف أن امتلاك القدرة على الرد النووي الكامل يوفر ضمانة حقيقية لحماية الدولة ومصالحها، ويحول دون التدخلات التي قد تعصف باستقرارها.

كما يشير فيودور لوكيانوف إلى أن إيران تواجه تحديا وجوديا، واصفا الوضع بأنه “حرب بقاء حقيقية” للثورة والنظام القائم منذ 47 عاما. ويركز على مرونة المنظومة السياسية الإيرانية، مؤكدا أن اغتيال المرشد الأعلى لا يعني انهيار النظام، بل أن البنية المؤسسية قادرة على الاستمرار، وأن أي صراع طويل الأمد سيعتمد على قدرة إيران على الصمود واستخدام أوراقها الاستراتيجية، مثل إغلاق مضيق هرمز، ما يعقد مسار المواجهة ويجعله طويل الأمد.

 

“متى” وليس “هل”

في ظل التقدم الكبير في السن للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي بلغ الـ86، ومع تواتر التقارير منذ سنوات عن معاناته من مرض خطير، لم يعد غيابه المفاجئ – سواء بالوفاة الطبيعية أو الاغتيال – سيناريو مستبعدا داخل دوائر صنع القرار في طهران، بل أصبح ضمن حسابات النظام الاستراتيجية. في هذا الإطار، يرى الدكتور محمد اليمني، خبير العلاقات الدولية، أن النظام الإيراني تعامل منذ سنوات مع هذا الاحتمال باعتباره مسألة “متى” لا “هل”، ما يجعل التحضير لمرحلة ما بعد خامنئي جزءا من أولويات الأمن القومي، وليس مجرد نقاش نظري أو فقهي. ويشير اليمني إلى أن طهران عملت على تفكيك مركزية القرار الفردي وتحويل القيادة إلى منظومة مؤسساتية متماسكة، بحيث لا يؤدي غياب خامنئي إلى انهيار فوري لمركز القرار، مع تحصين مجلس خبراء القيادة وإعادة هيكلته لضمان ولاء أعضائه للمؤسسات الرئيسية، وعلى رأسها الحرس الثوري.

محمد اليمني

ويضيف اليمني – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن النظام لم يكتفِ بالتحصين المؤسسي فقط، بل عسكر ملف الخلافة، بحيث أصبح الحرس الثوري فاعلا مركزيا في صنع القرار، قادرا على فرض التوازنات الداخلية وحتى تعطيل أي خيار لا يتوافق مع مصالحه، ما يقلل احتمالات الفوضى لكنه يعمق الطابع العسكري للنظام. كذلك، فقد أعدت طهران سيناريو القيادة الجماعية كخيار احتياطي، يسمح بالانتقال المؤقت للسلطة في حال تعذّر التوافق السريع على شخصية واحدة، وهو صمام أمان مؤسسي يضمن استقرار رأس الهرم في اللحظات الحرجة بعد الغياب أو الاغتيال.

ويشير اليمني إلى أن الشارع الإيراني يظل الحلقة الأضعف، إذ قد تشكل وفاة أو اغتيال خامنئي صدمة نفسية وسياسية، خاصة في ظل تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن النظام راهن على عنصرين رئيسيين: السيطرة الأمنية المحكمة لمنع تحوّل الصدمة إلى احتجاجات واسعة، والقدرة على توظيف الحدث كأداة تعبئة قومية ودينية لتعزيز التماسك الداخلي مؤقتا ضد أي تهديد خارجي.

ويختتم اليمني تحليله بالإشارة إلى أن إيران أعدّت نفسها بدرجة عالية لمرحلة ما بعد خامنئي، سواء عبر تحصين مجلس الخبراء، أو عسكرة القرار، أو تفكيك مركزية الفرد، وهو ما يجعل اغتياله أو وفاته – مهما كان مدويا – لن يؤدي تلقائيا إلى انهيار النظام. لكنه يؤكد أن غياب خامنئي يفتح مرحلة جديدة أقل استقرارا على المدى المتوسط، حيث ستبرز صراعات نفوذ مكتومة بين مراكز القوة، وسيواجه المرشد الجديد تحديا جوهريا في اكتساب الشرعية داخليا وخارجيا، في ظل غياب الكاريزما التاريخية التي امتلكها سلفه، وهو ما يضع النظام أمام اختبار دقيق لقدرته على الصمود وإدارة المرحلة الانتقالية بنجاح.

 

من يخلف خامنئي؟

وفي سياق متصل، قالت مجلة نيوزويك الأمريكية إن استشهاد المرشد الإيراني علي خامنئي في الهجوم الأمريكي الإسرائيلي فتح نقاشا واسعا حول من سيخلفه، وهو الذي قاد النظام الإيراني منذ عام 1989، وقد أثار الحدث الكبير أسئلة عديدة حول مستقبل إيران والفراغ السياسي الذي قد ينشأ بعد مقتله، فيما تحدثت المجلة عن أسماء مرشحة لخلافته.

وذكرت المجلة في تقرير بقلم محررة شؤون الدفاع، إيلي كوك، أن علي لاريجاني يُعد من أبرز الشخصيات السياسية في إيران، وهو الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وتتابع أن لاريجاني يُوصف بالبراغماتية والوطنية، وملم بشكل جيد بإستراتيجية إيران الدبلوماسية. وقد فرضت الولايات المتحدة عليه عقوبات في الشهر الماضي بدعوى “دعمه لقمع المتظاهرين” في إيران، ويعتبر الكثيرون أنه مرشح قوي لشغل المنصب نظرا لتاريخه السياسي ودوره البارز في مفاوضات النووي.

وبحسب المجلة، تشير بعض التكهنات إلى مجتبى خامنئي – ابن المرشد الراحل – كمرشح محتمل، ورغم أنه رجل دين معروف، إلا أنه لم يشغل منصبا سياسيا كبيرا من قبل، وقد يثير انتقال السلطة من الأب إلى الابن معارضة من بعض الشخصيات المؤثرة داخل النظام، ما يفتح باب الصراعات الداخلية حول القيادة المقبلة.