الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

من مجازر 8 ماي إلى معركة الاعتراف.. الجزائر تُحصّن الذاكرة وتفرض الحقيقة

Author
صبرينة عيلان 09 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

جدد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في رسالته بمناسبة الذكرى الـ81 لمجازر 8 ماي، التأكيد على أن جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر “لا تسقط بالتقادم”، واصفا إياها بشكل صريح بأنها “جرائم ضد الإنسانية”، وذلك بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لمجازر 8 ماي 1945، التي تبقى واحدة من أكثر المحطات مأساوية ودموية في تاريخ الشعب الجزائري الحديث.

ولم يكتف الرئيس تبون باستحضار البعد الرمزي للذكرى، بل قدّم مقاربة شاملة تجعل من الذاكرة الوطنية محورا استراتيجيا في بناء “الجزائر الجديدة”، من خلال الانتقال من مجرد إحياء المناسبات التاريخية إلى تكريسها ضمن مشروع وطني متكامل لحماية التاريخ وصون الهوية الجماعية للأمة. ففي رسالة قوية إلى الداخل والخارج، شدّد رئيس الجمهورية على أن الجزائر لن تفرّط في تاريخها ضمن علاقاتها الخارجية، في إشارة واضحة إلى أن ملف الذاكرة أصبح جزءا ثابتا من العقيدة السياسية والدبلوماسية للدولة الجزائرية.

وجاءت قرارات رئيس الجمهورية لتعكس هذا التوجه بشكل عملي وملموس، بعدما أعلن رسميا اعتماد الثامن ماي من كل سنة “يوما وطنيا للذاكرة”، إلى جانب إعطاء تعليمات بإطلاق قناة تلفزيونية وطنية متخصصة في التاريخ، تكون سندا للمنظومة التربوية وتساهم في نقل الذاكرة الوطنية إلى الأجيال الصاعدة، فضلا عن توجيهاته المتعلقة بإطلاق أسماء الشهداء والمجاهدين على الأحياء السكنية والمرافق العمومية، والتوسع في ترميم المعالم التاريخية التي توثق لمسار المقاومة الشعبية والثورة التحريرية.

كما حمل خطاب الرئيس تبون رسائل واضحة بشأن طبيعة الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي، فقد وصفها بأنها جرائم قامت على “التطهير العرقي” ومحاولة اقتلاع الإنسان الجزائري من جذوره الحضارية والثقافية، مؤكدا أن ما تعرّض له الشعب الجزائري طيلة 132 سنة من الاحتلال يمثل وصمة عار في تاريخ الاستعمار الحديث.

ولم يغفل رئيس الجمهورية البعد الفكري والثقافي لمعركة الذاكرة، حين دعا المؤرخين والباحثين إلى استجلاء مختلف محطات التاريخ الوطني “بأعلى درجات الصدق في النقل”، معتبرا أن الأمة التي تحفظ تاريخها تحفظ ذاتها، وتحصّن وعيها الجماعي ضد محاولات التشويه والإنكار التي تقودها بعض التيارات واللوبيات المرتبطة بالماضي الاستعماري الفرنسي.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور إسماعيل خلف الله، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن خطاب الرئيس تبون يعكس تحوّلا عميقا في طريقة تعاطي الدولة الجزائرية مع ملف الذاكرة، من خلال ربطه بالسيادة الوطنية وبناء المستقبل، وليس فقط باعتباره ملفا تاريخيا مرتبطا بالماضي.

وأكد المتحدث أن مجازر 8 ماي 1945 شكلت “المنعرج التاريخي” الذي كشف حقيقة المشروع الاستعماري الفرنسي وأسقط أوهام الوعود التي قدمت للجزائريين عقب مشاركتهم إلى جانب فرنسا في الحرب العالمية الثانية، معتبرا أن تلك المجازر كانت الشرارة التي مهّدت لاندلاع ثورة التحرير، كما تحوّلت اليوم إلى محور أساسي في إعادة تشكيل العلاقات الجزائرية الفرنسية على أساس الاعتراف والذاكرة والحق التاريخي.

مجازر 8 ماي أسقطت أوهام الوعود الفرنسية

وأكد الدكتور إسماعيل خلف الله أن مظاهرات الثامن ماي 1945 شكّلت لحظة تاريخية فارقة في مسار القضية الوطنية الجزائرية، باعتبارها الحدث الذي كشف بشكل نهائي حقيقة النوايا الاستعمارية الفرنسية، وأسقط كل الوعود التي قدمتها فرنسا للجزائريين خلال الحرب العالمية الثانية.
وأوضح المتحدث أن الجزائريين شاركوا إلى جانب الجيش الفرنسي في الحرب ضد القوات الألمانية، وقدموا تضحيات جسيمة في سبيل ما كانت فرنسا تسوّق له باعتباره دفاعا عن الحرية والانتصار لقيم الإنسانية، غير أن السلطات الاستعمارية تنكرت مباشرة بعد نهاية الحرب لكل التزاماتها السياسية والأخلاقية تجاه الشعب الجزائري.
وأضاف الدكتور خلف الله أن مظاهرات 8 ماي 1945 خرجت في الأصل احتفالا بانتصار قوات الحلفاء على النازية، لكنها تحولت في الوقت ذاته إلى مناسبة عبّر فيها الجزائريون عن تطلعهم المشروع إلى الحرية والاستقلال، خاصة بعد الوعود الفرنسية التي تحدثت عن منح الشعوب المشاركة في الحرب حق تقرير مصيرها.
وأشار الخبير في الشؤون الدولية إلى أن الرد الفرنسي على تلك المسيرات السلمية كان “وحشيا ودمويا”، حيث واجهت الإدارة الاستعمارية المتظاهرين بالقمع والإعدامات الميدانية والاعتقالات الجماعية، ما أدى إلى سقوط أكثر من 45 ألف شهيد، فضلا عن آلاف المعتقلين والمفقودين والمعذبين.

“جريمة دولة” غيّرت مسار الحركة الوطنية

واعتبر الدكتور خلف الله أن مجازر سطيف وخراطة وڤالمة لم تكن مجرد تجاوزات أمنية أو أحداث معزولة، بل جريمة دولة مكتملة الأركان، ارتُكبت بقرار سياسي وعسكري مباشر من سلطات الاستعمار الفرنسي بهدف كسر إرادة الجزائريين وإخماد مطالبهم التحررية بالقوة.

وأكد المتحدث أن تلك المجازر شكّلت نقطة تحول كبرى في وعي الجزائريين، لأنها أثبتت أن فرنسا الاستعمارية لم تكن مستعدة لمنح الحرية أو الاستقلال عبر الحوار أو الإصلاحات السياسية، وهو ما دفع الحركة الوطنية إلى الاقتناع بأن الكفاح المسلح أصبح الخيار الوحيد الممكن لانتزاع السيادة الوطنية.

وأضاف أن مجازر 8 ماي 1945 كانت الشرارة الحقيقية التي مهدت لاندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، إذ تشكلت بعدها قناعة راسخة لدى الوطنيين الجزائريين بأن الاستقلال لا يمكن تحقيقه إلا عبر التضحية والجهاد والكفاح المنظم.
وقال الدكتور خلف الله إن الشعب الجزائري دفع خلال تلك الأحداث فاتورة ثقيلة وغرامة باهظة، لكنها في المقابل صنعت التحوّل التاريخي الذي نقل النضال الوطني من المطالب السياسية إلى الثورة التحريرية الشاملة.

مشاركة فرنسية غير مسبوقة في إحياء الذكرى

وفي قراءته للتطورات السياسية المرتبطة بملف الذاكرة، وصف الدكتور خلف الله مشاركة وزيرة الجيوش الفرنسية، في إحياء ذكرى مجازر 8 ماي 1945 بسطيف وخراطة وڤالمة، بأنها خطوة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الجزائرية الفرنسية.

وأوضح أن المشاركات الفرنسية السابقة كانت غالبًا تقتصر على تمثيل دبلوماسي محدود عبر السفير الفرنسي أو بعض المسؤولين المحليين، بينما يعكس حضور مسؤولة فرنسية بهذا المستوى الرسمي تحوّلًا داخل دوائر القرار في باريس تجاه ملف الذاكرة.

وأضاف المتحدث أن هذه المشاركة تحمل دلالات سياسية واضحة، وتؤشر إلى وجود رغبة لدى قصر الإليزيه في تصحيح العلاقات مع الجزائر، خاصة بعدما أصبح ملف الذاكرة عنصرًا محوريًا لا يمكن تجاوزه في أي مسار لإعادة بناء العلاقات الثنائية.

الجزائر فرضت ملف الذاكرة على طاولة باريس

وأكد الدكتور خلف الله أن السلطات الجزائرية ظلت متمسكة بضرورة معالجة ملف الذاكرة بجدية وصدق، معتبرة أن العلاقات الجزائرية الفرنسية لا يمكن أن تعود إلى طبيعتها الكاملة دون الاعتراف الصريح بالجرائم الاستعمارية باعتبارها جرائم دولة.

وأشار إلى أن تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وعدد من المسؤولين الفرنسيين خلال السنوات الأخيرة تعكس تطورا تدريجيا في المقاربة الفرنسية تجاه الذاكرة الاستعمارية، خصوصا فيما يتعلق بمجازر 8 ماي 1945.

كما اعتبر أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة مباشرة للضغط السياسي والدبلوماسي الجزائري، إلى جانب الإصرار الرسمي المتواصل على عدم الفصل بين تطبيع العلاقات الثنائية وتسوية ملف الذاكرة بشكل عادل وصريح.

وأضاف المتحدث أن الجزائر نجحت، خلال السنوات الأخيرة، في فرض هذا الملف ضمن أولويات الحوار السياسي مع فرنسا، رافضة أي محاولة لاختزال الجرائم الاستعمارية في مبادرات رمزية محدودة.

وفي السياق ذاته، أشار الدكتور خلف الله إلى أهمية عمل المؤرخ بنجامين ستورا، الذي قدم مجموعة من التوصيات المتعلقة بملف الذاكرة، معتبرا أنها ساهمت في فتح نقاش رسمي داخل فرنسا حول الجرائم الاستعمارية وسبل معالجتها سياسيا وتاريخيا.

كما ثمّن دور اللجنة المشتركة للمؤرخين الجزائريين والفرنسيين، التي ساهمت – بحسبه – في إعادة طرح الملفات التاريخية الحساسة للنقاش، وفتحت الباب أمام مقاربة أكثر واقعية وشفافية تجاه الماضي الاستعماري الفرنسي في الجزائر.

غير أن الدكتور خلف الله شدد على أن العامل الحاسم في كل هذه التحولات يبقى الإلحاح الجزائري المستمر، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، مؤكدا أن الجزائر ظلت ثابتة على موقفها الرافض لأي تطبيع كامل للعلاقات دون تسوية عادلة وصريحة لملف الذاكرة.

وفي تقييمه للرسائل السياسية الأخيرة بين البلدين، اعتبر الدكتور خلف الله أن مشاركة الوزيرة الفرنسية في إحياء ذكرى المجازر، إلى جانب عودة السفير الفرنسي إلى الجزائر، تمثل مؤشرات واضحة على وجود إرادة سياسية مشتركة لتهيئة الظروف المناسبة لإعادة بعث العلاقات الثنائية.

وأوضح أن هذه الخطوات تعكس مسار تهدئة سياسية ودبلوماسية بين الجزائر وباريس، ومحاولة لفتح صفحة جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والاعتراف بالحقائق التاريخية، بعيدا عن منطق الإنكار والتجاهل الذي طبع العلاقات بين البلدين لسنوات طويلة.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية