من “مكّة الثوّار” إلى “حصن الأحرار”.. الدبلوماسية الجزائرية تُجدّدُ الأملَ الإفريقي

“المسلمون يحُجُّون إلى مكة، والمسيحيون إلى الفاتيكان، والحركات التحرُّرية إلى الجزائر”، هكذا أجاب، ذات زمن بعيد، “أملكار كابرال”، زعيم الحزب الإفريقي لتحرير غينيا وجزر الرأس الأخضر، عندما سُئل عن معنى عبارته “الجزائرُ مكةُ الثوار”. وفي ظل الظروف الدولية الراهنة، التي تريد لإفريقيا أن تبقى تحت رحى التخلّف والتبعية، فإنه يُمكن تعديل تلك العبارة، لتصير “الجزائر حصنُ الأحرار”.

إيذاءُ فرنسا من تراب إفريقيا!

على هامش القمة الفرنكوفونية، يوم الأحد الماضي، قال الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، ردا على المنتقدين الذين يقولون إن فرنسا تستغل العلاقات الاقتصادية والسياسية التاريخية في مستعمراتها السابقة لخدمة مصالحها، إن “عددًا من القوى التي تريد نشر نفوذها في إفريقيا، تفعل ذلك لإيذاء فرنسا، والإضرار بلغتها وزرع الشكوك، ولكن قبل كل شيء تسعى وراء مصالح معينة”.

طموحاتٌ تفترسُ الفرنسي

ذهب “ماكرون” في تصريحاته إلى اتهام “روسيا” بالترويج للدعاية المناهضة لفرنسا في إفريقيا، وذلك خدمةً للطموحات “المفترسة” في الدول الأفريقية المُضطربة. وأضاف، إلى إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية، “يُغذّي الآخرون هذا التصوُّرَ، إنه مشروع سياسي”. ثم تابع بلغة فيها الكثير من الغضب والامتعاض: “أنا لست أحمقا. العديد من المُؤثّرين، الذين يتحدثون في بعض الأحيان في برامجك (يقصد القناة التلفزيونية)، يدفع لهم الروس. نحن نعرفهم”.

ماذا خلفَ اتهام ماكرون لروسيا؟

تُرى ما الذي يشعر به أيّ إنسان إفريقي يقرأ أو يسمع تصريحات “إيمانويل ماكرون”؟ بالتأكيد سيشعر بأن فرنسا لم تتخلّص من نزعاتها الاستعمارية، وإفريقيا هي قارةُ مفتوحة أمام الأطماع الدولية، وليس فيها “زعامات” حقيقية تستطيع الدفاع عن مصالحها، وعن حق الإنسان الإفريقي في حياة كريمة تُوفّرها له خيرات وثروات القارة السمراء. وأيضا، سيشعرُ بأن اتهام “ماكرون” لروسيا، هو اتّهامٌ ضمنيٌّ لأطراف أخرى تناهض الوجود الفرنسي في إفريقيا، بالطريقة الاستغلالية التي لا تُعير أدنى اهتمام لحقوق الإنسان الإفريقي.

شرعية تاريخية للجزائر في إفريقيا

فرنسا ليست الدولة الوحيدة في الاتجاه، فهناك دول كثيرةٌ تعمل على تكريس “الهيمنة الغربية”، وتحديث آلياتها ووسائلها، لاستنزاف خيرات إفريقيا وإبقائها على هامش “الحضارة الإنسانية”. غير أن الأمل الإفريقي يتجدّد مع توجّه الجزائر إلى استرداد مكانتها الدولية، بكل يقين وقوة وحكمة.

ومن الطبيعي أن تكون إفريقيا من بين أهمّ المحاور الأساسية للدبلوماسية الجزائرية، وقد كانت كذلك منذ أن كانت “مكة الثوّار”. وما تمتلكه الجزائر لتعيد الأمل الإفريقي، لا تمتلكه دولة إفريقية أخرى، فهي صاحبة الشرعية التاريخية المُكتسبة من مسيرة نضالاتها في تحرّرها وتحرير الشعوب. وأيضا لأن الجزائر هي صاحبة الزعامة فيما تُسميه “الهيمنة الغربية” بـ “العالم الثالث”.

الجزائر تعلبُ دورها كاملا في العالم

حدّدت الجزائر الجديدة توجّهاتها الخارجية في إطار “ديبلوماسية المبادئ” التي تعتمدها، منذ تصريح الرئيس “عبد المجيد تبون”، خلال خطابه بمناسبة الدورة العادية الـ 33 لجمعية رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي في فبراير 2020 في “أديس أبابا”، حينما قال: “الجزائر الجديدة ستبقى متمسكة بمبادئها والتزاماتها، وستلعب من الآن فصاعدا دورها كاملا في إفريقيا وفي العالم”.

في مناسبة أخرى، أكّد هذا التوجّه، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج “رمطان لعمامرة”، قائلا: “ستكون الجزائر البلد المحوري الذي سيتحرك كما فعل في السابق، فيما يتعلق بتصدير السلام والاستقرار والأمن عبر القارة الإفريقية، بدءًا بمنطقة الساحل الصحراوي، ووصولا إلى بؤر التوتر في جميع أرجاء القارة”.

الجزائر الجديدة عقدت العزمَ الديبلوماسي

هذا العزم الديبلوماسي في السياسة الخارجية للجزائر الجديدة، لا تستدعيه الظروف الدولية فحسب، بل تستدعيه عناصر القوة التي تمتلكها الجزائر في مختلف المجالات، إضافة إلى تاريخها الديبلوماسي، الذي يمتدُّ إلى ستين سنة في معالجة النزاعات والقضايا الإفريقية.

وفي هذا السياق، يُذكر أن الرئيس الراحل “أحمد بن بلّة”، كان رئيس لجنة “حكماء أفريقيا” وهي عبارة عن هيئة تضم خمس شخصيات مرموقة من المناطق الخمس في أفريقيا، يؤدّون دور الوسطاء في النزاعات، كما يقدّمون المشورة لرئيس الاتحاد الأفريقي.

أفرَقَةُ حلّ المشاكل

أسهمت الجزائر في تحقيق الهندسة الإفريقية للسلم والأمن، ولكن جهودها كانت تُقابل أحيانا بالجحود أو التشكيك في أهدافها النبيلة، رغم أنها الدول الوحيدة التي كانت سخيّة في تقديم المعونات المادية لإنقاذ اقتصادات بعض الدول الإفريقية. وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي “رشيد علوش” بأن الجزائر نجحت في كل مرة في الحفاظ على صورتها التاريخية المثالية على مستوى الاتحاد الأفريقي.

وكانت رؤيتها الاستراتيجية تهزم كل حملات التشكيك التي تستهدفها، فهي تدعو دوما إلى “أفرَقَة حل المشاكل”، ومواجهة الأزمات الإفريقية بحلول إفريقية، وكانت دوما متمسّكة بموقفها الرافض لتدخّل القوى الخارجية في الداخل الإفريقي.

ستة عقود من الوساطة وإنتاج الحلول

امتلكت الجزائر على مدى ستة عقود خبرةً كبيرة في مجال الوساطة ومعالجة وتسوية النزاعات في إفريقيا. وقد ارتكزت خلال هذه المسيرة على ثلاثة ثوابت في ديبلوماسية، وهي: حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتعزيز الحوار الشامل في النزاعات الدولية مهما كانت خطورتها.

وقد ظلت الجزائر وفيةً لثوابتها. وعزمُها الديبلوماسي الراهن، هو استمرارية لتأكيد قيَمها السياسية وأصالتها الثورية. ومن الطبيعي أن تواصل الجزائر أدوَارها في محيطها الإقليمي وتسعى إلى القضاء على بؤر التوتر في إفريقيا عموما، وفي بلدان الساحل التي تفصلها الصحراء الكبرى عنها، لا سيما في دولة مالي، حيث أنها هي قائدة الوساطة الدولية، ورئيسة لجنة متابعة اتفاق السلام والمصالحة في مالي المنبثق عن مسار الجزائر.

ليبيا.. الحل بأيدي أبناء الأرض

في ليبيا الشقيقة، تُشدّد الجزائر دائما على موقفها بعدم التدخل السياسي في شأنها الداخلي، ورفض كل تدخل أجنبي يزعمُ العملَ على إيجاد حلّ للنزاع الليبي، وهي تدعو إلى حوار ليبي شامل يُقصّر عمر النزاع ويعيد إلى الليبيين الاستقرارَ والطمأنينة والعيش في سلام. ويُذكر، في هذا السياق، سلسلة المحادثات التي احتضنتها الجزائر بين الليبيين، في إطار جهودها المستمرة من أجل حل الأزمة الليبية.

وفاءٌ دائمٌ للشعب الصحراوي

تواصل الجزائر جهودها التي لم تنقطع يوما لإنهاء آخر استعمار بإفريقيا، في الصحراء الغربية، وموقفها ثابتٌ بضرورة إيجاد حل سياسي عادل ومُستدام يضمن للشعب الصحراوي أن يُقرّر مصيره. ورغم الألاعيب التي يُحاول النظام المخزني تصنيعها مع أطراف خارجية تمتلك الروح الاستعمارية المتوحّشة، ولا تريد لإفريقيا أن تستقر وينهض إنسانها من أزماته، فإن الجزائر تبقى وفيّة لمبادئها في نصرة الحق، ومُتمسّكة بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، في إطار المواثيق الإنسانية التي يُراد تعطيلها أو إطالة عمر تجميدها في أدراج الهيئات الدولية.

ديبلوماسية من أجل الخير لكل الإنسانية

إن الانتماء الإقليمي إلى إفريقيا يفرض واجبات على كل الدول الإفريقية، وقد التزمت الجزائر بكل واجبتها في إطار ديبلوماسيتها القائمة على ثوابت أخلاقية قبل كل شيئ.

واليوم، وهي تُعزّز ديبلوماسيتها وتوظّف قوتها من أجل خير الإنسان العربي والإفريقي، والإنسان عموما، فهي تؤكّد مقولة “الجزائر كعبة الأحرار”.