الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

من وجهة نظري قراءة ثورية

Author
حسن دنقس 08 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

حين اندلعت احتجاجات ديسمبر 2018 في السودان كانت لحظة تاريخية فارقة حملت في طياتها الكثير و المثير ما بين آمال كانت تعتري الشارع وقتها و آلام يتحمل الشعب وجعها الآن رفعت شعارات لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة قوامها الحرية والسلام والعدالة غير أن المسار الذي تلا سقوط النظام السابق كشف عن اختلالات عميقة في بنية القوى السياسية والمدنية كما عرى حدود أداء المؤسسة العسكرية في إدارة الانتقال ما بدا في أيامه الأولى انتصاراً لإرادة الشارع سرعان ما تحول إلى حالة سيولة سياسية معقدة تداخلت فيها الحسابات الضيقة مع غياب الرؤية الاستراتيجية الأمر الذي أفضى إلى تعثر التجربة وانحرافها عن أهدافها الأصلية.
توقيع الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019 بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير شكل نقطة مفصلية في هذا السياق هذا التوقيع منح تحالفاً سياسياً غير منتخب سلطة واسعة لإدارة الدولة في ظل غياب تفويض شعبي مباشر أو إطار دستوري مستقر نابع من عملية تأسيسية متكاملة هذا الترتيب خلق حالة من الاختلال في ميزان الشرعية حيث أضحت السلطة موزعة بين مكونات لا تستند إلى قاعدة مؤسسية راسخة مما فتح الباب أمام صراعات داخلية وتنافس على النفوذ بدلاً من التفرغ لإنجاز مهام الانتقال.
لدي رؤية نقدية للمؤسسة العسكرية في هذا السياق ترتكز على أنها لم تكتف بإدارة مرحلة انتقالية محددة بضوابط واضحة وإنما ذهبت إلى شراكة سياسية مع طرف مدني يفتقر إلى الإجماع الوطني هذا السلوك يمكن قراءته كتنازل غير محسوب عن دورها كضامن للاستقرار إلى فاعل سياسي مباشر وهو ما أضعفها من جهة وأضعف الشريك المدني من جهة أخرى حين منحت سلطة الحكم لقوى غير منتخبة دون تأسيس دستوري متين فإن ذلك أغراها بتوسيع صلاحياتها والتعامل مع الدولة باعتبارها مجالاً مفتوحاً لإعادة الهندسة السياسية وهو ما ظهر في محاولات تعديل القوانين وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة والتعاطي مع الملفات الخارجية بصورة تتجاوز حدود التفويض الواقعي لذا أجريت مقارنة مع تجربتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985 أبرزت اختلافاً جوهرياً في سلوك المؤسسة العسكرية في هاتين المحطتين انحازت القوات المسلحة إلى الحراك الشعبي ثم عادت إلى ثكناتها بعد تسليم السلطة لقوى مدنية عبر ترتيبات انتقالية أقصر زمناً وأكثر وضوحاً من حيث الغاية حيث كان الهدف محدداً في تهيئة البلاد لانتخابات عامة تعيد إنتاج الشرعية في المقابل جاء نموذج 2019 محملاً بفكرة الشراكة طويلة الأمد وهي فكرة لم تختبر بنجاح في السياق السوداني خاصة في ظل هشاشة البنية الحزبية وتعدد مراكز القوى داخل التحالف المدني نفسه.
كما أن البيئة الإقليمية والدولية لعبت دوراً مؤثراً في تعقيد المشهد حيث تداخلت أجندات متعددة سعت إلى توجيه مسار الانتقال بما يخدم مصالحها الأمر الذي زاد من الضغوط على الأطراف المحلية ودفع بعضها إلى اتخاذ قرارات متعجلة و غير محسوبة هذا العامل الخارجي من وجهة نظري وجد ضعف الخبرة السياسية لدى بعض مكونات الحراك المدنيو هذا طبيعي في ظل أحزاب سياسية لديها خلل بنيوي في تركيبتها فنتج عن ذلك أداء حكومي اتسم بالتردد في ملفات حيوية مقابل اندفاع في قضايا أخرى لم تكن ضمن أولويات المرحلة.
العامل الاقتصادي كان حاضراً بقوة في تفسير الفشل حيث لم تتمكن الحكومة الانتقالية من تقديم معالجات ناجعة للأزمة المعيشية وهو ما أضعف الحاضنة الشعبية للثورة تدريجياً تراجع الثقة بين الشارع والقوى السياسية أفسح المجال لعودة الاستقطاب الحاد ومعه تصاعدت النزاعات بين المكونين العسكري والمدني إلى أن وصلت العلاقة إلى نقطة الانفجار.
في قراءة أعمق يمكن القول إن أزمة ثورة ديسمبر لم تكن في لحظة التغيير نفسها وإنما في غياب مشروع وطني جامع لإدارة ما بعد التغيير. القوى التي قادت الحراك لم تتحول إلى كتلة سياسية متماسكة قادرة على إدارة الدولة والمؤسسة العسكرية لم تحسم خيارها بين الانخراط الكامل في العمل السياسي أو الانسحاب المنظم منه فظل المشهد معلقاً بين نموذجين متناقضين إلا أنها فطنت و أدركت أن توقيعها لميثاق مع قوى الحرية و التغيير سيقود البلاد الفناء من خلال رصدها للممارسة السياسية لهذه القوى و هذا ما جعل المؤسسة العسكرية تتمسك بضرورة دمج قوات الدعم السريع آنذاك في الجيش في أقصر فترة زمنية و هو ما رفضته قوى الحرية التغيير و الدعم السريع لأن ذلك كانت ورقتهم الرابحة لإبتزاز المؤسسة العسكرية لذلك جاهروا بشعار إما الاتفاق الإطاري أو الحرب و الاتفاق الإطاري يعمل على جعل قوات الدعم السريع موازية للجيش غير خاضعة له بقيادة منفصلة مدتها عشر سنوات تنفذ من خلالها أجندة بعض القوى الغربية بإشراف و تنسيق من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة و هذا ما رفضه الجيش مما حدا بداعمي الاتفاق الإطاري بإعلان الحرب و التمرد ضد الدولة و هذا قاد البلاد إلى الحرب الدائرة الآن.
من خلال قراءتي للمشهد السياسي الراهن أجد أن هنالك ثلاثة سيناريوهات تتوزع في مسارات رئيسية المسار الأول يقوم على إعادة إنتاج الشراكة بين المدنيين والعسكريين بصيغة معدلة تأخذ في الاعتبار أخطاء المرحلة السابقة مع توسيع قاعدة المشاركة لتشمل قوى سياسية ومجتمعية أوسع غير أن نجاح هذا السيناريو مرهون بوجود ضمانات حقيقية لتنفيذ الاتفاقات وهو أمر ظل محل شك في التجربة السودانية.
المسار الثاني يتمثل في استمرار وجود المؤسسة العسكرية على السلطة مع بناء واجهة مدنية داعمة وهو سيناريو يوفر قدراً من الاستقرار الأمني تستكمل فيه الفترة الانتقالية مع إزالة كل المهددات الأمنية التي تحيط بالدولة السودانية و من ثم الشروع في تهيئة البلاد لممارسة ديمقراطية راشدة.
المسار الثالث يتجه نحو حالة من التفكك والتنازع بين مراكز القوى المختلفة وهو الأخطر حيث يقود إلى إطالة أمد الصراع وتآكل مؤسسات الدولة بصورة أكبر مع ما يترتب على ذلك من تداعيات إقليمية ودولية.
في ضوء هذه المعطيات أجد أن تجاوز إخفاقات الماضي يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المدنيين والعسكريين على أساس واضح يحدد الأدوار والمسؤوليات إلى جانب بناء كتلة سياسية مدنية قادرة على إدارة الدولة بكفاءة مدعومة بشرعية شعبية حقيقية تنبع من انتخابات حرة ونزيهة دون ذلك ستظل أي محاولة للانتقال عرضة للتعثر و ستبقى بلادي تدور في حلقة مفرغة من الأزمات المتلاحقة.

 

رابط دائم
https://elayem.news/puri7
Author حسن دنقس
باحث في العلاقات دولية