الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

من يساعد من؟ قراءة جزائرية خارج منطق “ردّ الجميل”


في زمنٍ تتكاثر فيه الاتكالات، وتُقاس فيه الدول بمدى قدرتها على استدعاء العون الخارجي عند كل أزمة، تبدو الجزائر حالةً مختلفة، تكاد تكون استثناءً في معادلة عالمٍ تعوّد أن يمدّ يده قبل أن يشدّ ساعده. ليست المسألة هنا خطابًا سياديًا مكررًا، ولا مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، بل هي سلوك تاريخي متجذّر، تشكّل تحت ضغط المحن، حتى أصبح جزءًا من الهوية الجماعية للجزائريين.
لقد تعلّم الجزائري، ربما أكثر من غيره، أن الأوطان التي تُبنى بالاستدانة تُهدّد في سيادتها، وأن الكرامة الوطنية لا تُجزّأ بين زمن الرخاء وزمن الشدّة. لذلك، لم يكن غريبًا أن تُواجه الجزائر أصعب محطاتها الحديثة بمنطق “نحن لها”، لا “من لنا”.
في العشرية السوداء، حين انهارت منظومات الأمن في محيط إقليمي واسع، وتحوّلت بعض الدول إلى ساحات نزوح جماعي، اختار الجزائري خيارًا مغايرًا تمامًا. لم تتحوّل الحدود إلى منافذ للهروب، ولم تُرفع أعلام اللجوء في سفارات العالم. بقي الجزائري في أرضه، رغم الرعب، رغم الدم، رغم الاختناق الاقتصادي. كان بإمكانه أن يغادر، كما فعل غيره في أزمات أقل وطأة، لكنه أدرك – بحدس وطني عميق – أن مغادرة الوطن في لحظة سقوطه تعني المشاركة، ولو بصمت، في انهياره.
ثم جاءت الكوارث الطبيعية، لتختبر هذا المنطق مرة أخرى. في فيضانات باب الوادي، لم يكن هناك وقت لانتظار فرق إنقاذ دولية، بل نزل الناس إلى الشوارع قبل المؤسسات، وانتشلت الأيادي الشعبية ما عجزت عنه الإمكانيات المحدودة. وفي زلزال بومرداس، لم تكن المأساة أقل قسوة، لكن الردّ كان جزائريًا خالصًا: تضامن داخلي، تعبئة وطنية، وإعادة بناء بدأت من الصفر دون ارتهان كامل للخارج.
أما حرائق الغابات، التي التهمت مساحات واسعة وأثارت حزنًا وطنيًا عميقًا، فقد كشفت مرة أخرى عن تلك الروح التي لا تُقهر. لم يكن المشهد مجرد كارثة بيئية، بل امتحانًا لوحدة شعب. شباب، متطوعون، وحدات الجيش والحماية المدنية، كلهم انخرطوا في معركة واحدة: إنقاذ الأرض، لا انتظار النجدة.
وجاءت جائحة كورونا، لتضع العالم كله أمام مرآة حقيقية. دول عظمى ارتبكت، ومنظومات صحية انهارت، وتحولت المساعدات إلى أوراق ضغط سياسي. أما الجزائر، فرغم محدودية الإمكانيات، اختارت أن تُدير أزمتها بإمكاناتها، أن تُرمّم نقصها بالاجتهاد، وأن تعتمد على كوادرها الطبية وشبكات تضامنها الداخلي. لم يكن الأداء مثاليًا، لكنه كان سياديًا، وهذه نقطة مفصلية في فهم الفارق.
في هذا السياق، يبدو لافتًا ما يُثار اليوم من نقاشات في بعض الأوساط العربية، خاصة في خضم الأزمات والحروب، حيث يُطرح منطق “المقايضة”: من يساعد من؟ ومن يردّ الجميل؟ بل إن بعض الأصوات ذهبت إلى لوم دول كبرى، مثل مصر، لأنها تتلقى الدعم في أزماتها دون أن “تُكافئ” من قدّمه. هذا الطرح، في جوهره، يعكس فهمًا هشًا للعلاقات بين الدول، ويُحوّل التضامن إلى صفقة، والسيادة إلى بند قابل للتفاوض.
الجزائر، بحكم تجربتها، تقف على الضفة الأخرى من هذا التفكير. فهي لم تبنِ سياستها على انتظار الدعم، ولا على مقايضة الأزمات، بل على تقليص الحاجة إلى الآخرين قدر الإمكان. ليس ذلك انغلاقًا، بل إدراكًا عميقًا أن من يعتاد على العكاز، ينسى كيف يمشي.
إن الاعتماد على الذات في الحالة الجزائرية ليس ادعاءً بالكمال، ولا إنكارًا للحاجة إلى التعاون الدولي، بل هو ترتيب للأولويات: الداخل أولًا، السيادة قبل كل شيء، والكرامة الوطنية خط أحمر. هي فلسفة ترى أن المساعدة، إن جاءت، مرحّب بها، لكن غيابها لا يعني الشلل.
وهنا تكمن فرادة التجربة الجزائرية: شعبٌ لم يُدرّب نفسه على طلب النجدة، بل على صناعة الحلول، ولو بأدوات بسيطة. دولةٌ لم تنتظر دائمًا من يحمل عنها العبء، بل حاولت، في كل مرة، أن تحمله بنفسها، حتى وإن تعثّرت.
في عالمٍ يُعاد تشكيله على وقع الأزمات، قد تبدو هذه المقاربة صعبة، بل مكلفة أحيانًا، لكنها على المدى البعيد، تصنع شيئًا أثمن من المساعدات: تصنع استقلال القرار، وتُرسّخ مناعة وطنية لا تُشترى.
الجزائر، باختصار، ليست دولةً لم تُصب بالأزمات، بل دولةٌ قررت أن تمرّ منها واقفة.

رابط دائم
https://elayem.news/dtbyp