السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

مهرجان إيمدغاسن السينمائي الدولي بباتنة.. السينما بين الأفلام والتكوين والذاكرة

Author
هارون عمري 12 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

اختتم، أمس، مهرجان إيمدغاسن السينمائي الدولي بباتنة دورته السادسة، بعد أسبوع من العروض المتواصلة واللقاءات المهنية، وقدّم نموذجا لمهرجان يضع الفيلم القصير في الواجهة، ويقارب الصناعة من زاوية التدريب والتنظيم وتهيئة فضاءات النقاش داخل المدينة. 

في أجواء الختام، عاد كثيرون للحديث عن قيمة التجربة أكثر من صخب الجوائز، وبينهم بلقاسم شرف (جورجيو) الذي قال، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، إن مشاركته “تجاوزت مجرد الحضور أو عرض عمل فني”، بينما شدد المرشد السياحي، عبد القوي توفيق، على أن الربط بين الآثار والسياحة والسينما “علاقة قوية جدا”، في دلالة على أن المهرجان حاول أن يصنع جسرا بين الشاشة وذاكرة الأوراس.  كما أكد الممثل محمد طاهر زاوي في تصريح خصّ به «الأيام نيوز» أن أيام المهرجان شكلت “جرعة سينمائية مكثفة” أتاحت للجمهور فرصة اكتشاف أفلام أجنبية وتجارب مختلفة. 

خريطة الدورة السادسة بالأرقام وبالرهان الدولي 

دخلت الدورة السادسة ببرنامج امتد من 5 إلى 11 ماي، وبمشاركة خمسين عملا في المسابقات الرسمية، وفق ما أعلنته محافظة المهرجان، مع توزيع واضح بين الفيلم الروائي القصير والفيلم الوثائقي القصير وأفلام التحريك، إلى جانب حضور ستة أفلام روائية طويلة ضمن العروض الموازية. هذا التوزيع يمنح صورة عن أولويات البرمجة، لأنه يضع الفيلم القصير كأداة اختبار للكتابة والإخراج والاقتصاد السردي، وفي الوقت نفسه يفتح نافذة على الفيلم الطويل حتى يظل الجمهور على تماس مع أشكال سردية مختلفة، واختيار إيطاليا ضيفة شرف أضاف بعدا دبلوماسيا ثقافيا للطبعة، وسمح بإبراز معنى الانفتاح في مدينة تراهن على استعادة علاقتها بالقاعة وبالجمهور. 

أفلام في المنافسة وأخرى خارجها.. كيف يشتغل الاختيار؟ 

تقوم البرمجة هنا على فكرة تعدد الجغرافيات وتعدد الموضوعات، وقد برز حضور عدة أعمال تعالج قضايا إنسانية واجتماعية مع تمثيل لبلدان مثل فلسطين وتونس وتركيا والبرازيل وألمانيا وجنوب إفريقيا إلى جانب الجزائر. 

في مثل هذا السياق، تتحوّل العروض إلى مختبر مشاهدة، لأن الفيلم القصير يضغط الزمن ويجبر صانعه على تحويل فكرة إلى بنية دقيقة، كما يتيح للجمهور أن يلتقط اختلاف الإيقاع بين وثائقي يلاحق الواقع، وبين روائي يختار زاوية نظر، وبين تحريك يبني معنى عبر الرسم والحركة. 

وفي قاعة سينما الأوراس، عُرض فيلم “أحمد باي” ضمن سلسلة عروض طويلة، وهو اختيار يسمح بإدراج ذاكرة تاريخية في برنامج يركز على الأشكال القصيرة، ويمنح الجمهور نقطة مقارنة بين سرد مكثف وسرد ممتد. 

ورشات التكوين.. من التقنيات إلى الحس المهني 

في موازاة العروض، اشتغل المهرجان على برنامج تكويني استفاد منه نحو ستين متربصا من ولايات مختلفة، وتوزع على مجالات التمثيل والإخراج والفيلم الوثائقي وصناعة الفيلم بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى مخبر لتطوير سيناريوهات الأفلام القصيرة. 

التكوين هنا يشتغل على مفاصل عملية، قراءة النص وتحويله إلى مشاهد، إدارة الممثل وضبط الإيقاع، فهم الكادر والإنارة، ثم بناء خط مونتاج يضمن تماسك الحكاية. أهمية هذا المسار أنه يضع الشباب أمام فكرة مفادها أن الفيلم ليس قرارا فرديا، بل سلسلة قرارات متتابعة تتقاطع فيها الكتابة والصوت والصورة والأداء. 

 الدعم الذي يصنع الفارق 

إحدى النقاط التي راهنت عليها المحافظة كانت مرافقة مشاريع جديدة عبر برنامج سكريبت دكتور، مع الإعلان عن دور إسماعيل سوفيط في هذا المسار، واستهداف مخرجين يملكون تجربة قصيرة واحدة أو أكثر بهدف تطوير خمسة سيناريوهات ومرافقة أحدها نحو الإنتاج. 

هذا المسار يضع الكتابة في مركز الاهتمام، لأن أي مشروع قصير يحتاج إلى وضوح في الشخصية وفي الحدث وفي نقطة التحول، كما يحتاج إلى اقتصاد في الحوار وإلى بناء مشاهد تتكئ على الصورة أكثر مما تتكئ على الشرح. 

عندما يترافق المختبر مع ورشة الإخراج، التي أشير إلى إشراف يحيى مزاحم عليها، يصبح التكوين متصلا مباشرة بمنطق الإنتاج، وهو ما يرفع من قيمة المهرجان لدى المشاركين. 

ندوات فكرية وزيارات ميدانية.. باتنة كفضاء سردي 

من عناصر البرنامج أيضا ندوات حول السينما والرواية وملتقى حول إيمدغاسن والتاريخ، وهي محطات تمنح الفيلم بعدا معرفيا وتوسّع أسئلة التلقي خارج القاعة. وفي الاتجاه نفسه، بُرمجت رحلات استكشافية نحو المدينة الأثرية تيمڤاد ومعالم أخرى، ما يمنح الضيوف فرصة لقراءة المكان بوصفه مادة بصرية قابلة للتصوير، ويمنح المدينة فرصة لتقديم نفسها عبر أعين المخرجين والنقاد، هذا الحضور للمكان داخل البرنامج يعزز فكرة أن السينما تعمل كذاكرة مرئية، وأن التراث حين يدخل في السياق الثقافي يتحوّل إلى مورد للحكاية وللصورة. 

أرشيف المهرجان الرقمي.. أمثلة على تنوّع الأفلام 

على مستوى التوثيق، يتيح الموقع الرسمي للمهرجان قاعدة بيانات للأفلام تتضمن عناوين متعددة من دورات سابقة، من بينها Palestine 87 وMicrobus وTsutsuɛ وDream Fridge، وهو ما يعكس اتجاها نحو حفظ ذاكرة العروض وتسهيل وصول الباحثين إلى معلومات العمل ومُلخّصاته. وجود أرشيف بهذا الشكل يساعد على قراءة تطور البرمجة، ويمنح صورة عن اهتمام المهرجان بالأفلام القادمة من بيئات مختلفة وبالرهان على أعمال قصيرة تحمل قضايا الهوية والهجرة والحياة اليومية. كما يسمح الأرشيف بتكوين ذائقة متابعة لدى الجمهور المحلي حين تتحول الأسماء والعناوين إلى مرجع يمكن العودة إليه بعد نهاية التظاهرة. 

السينما كخبرة شخصية عند المشاركين 

في هذا السياق، يؤكد بلقاسم شرف (جورجيو)، خريج المعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري تخصص ماستر إخراج مسرحي، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز” على هامش مهرجان إيمدغاسن السينمائي الدولي، أن مشاركته في هذه التظاهرة تجاوزت مجرد الحضور أو عرض عمل فني، لتتحول إلى تجربة معرفية وإنسانية عميقة داخل عالم السينما. 

وأوضح أن متابعته للأفلام، وحضوره للنقاشات والماستر كلاس، جعلاه يقترب أكثر من فهم الإخراج السينمائي، معتبرا أن كل فيلم وكل حوار مع صناع السينما كان يفتح أمامه زاوية جديدة لفهم الصورة والإيقاع والمعنى. 

وأضاف أن مشاركته في ورشة صناعة الفيلم بالذكاء الاصطناعي كانت من أكثر التجارب إثارة بالنسبة له، إذ اكتشف كيف يمكن لفكرة بسيطة أن تتحوّل إلى مشاهد بصرية نابضة بالحياة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، ما يعكس التحولات الجديدة التي تعيشها السينما المعاصرة. 

وأشار إلى أن هذه التجربة رسخت لديه قناعة بأن الخيال والإبداع أصبحا اليوم أكثر أهمية من الإمكانات المادية وحدها، في ظل ما تتيحه التكنولوجيا الحديثة من آفاق جديدة لصناعة الصورة. 

كما ثمّن الطابع الدولي للمهرجان، الذي أتاح له فرصة بناء شبكة علاقات مع فنانين ومبدعين من دول مختلفة، والاستفادة من تجاربهم وأفكارهم، بما يضيف إلى رصيده الفني والإنساني. 

وختم بالتأكيد على أن مشاركته في المهرجان لم تكن مجرد حضور عابر، بل “خطوة حقيقية” في مساره داخل عالم السينما، وتجربة سيحمل أثرها معه طويلا. 

السينما والسياحة والتراث كمسار واحد 

في هذا السياق، يؤكد المرشد السياحي، عبد القوي توفيق، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، على هامش مهرجان إيمدغاسن السينمائي الدولي، أن تنظيم الرحلات الاستكشافية، لفائدة الوفود السينمائية المشاركة، إلى المعالم الأثرية، وفي مقدمتها تيمڤاد، يعكس الوعي المتزايد بأهمية الربط بين السينما والسياحة والتراث ضمن رؤية ثقافية متكاملة. 

وأوضح أنه حظي بشرف مرافقة الفنانين والممثلين والمخرجين المشاركين في المهرجان، خلال زيارة علمية واستكشافية للموقع الأثري، معتبرا أن مثل هذه المبادرات تمنح الضيوف فرصة لاكتشاف العمق الحضاري لولاية باتنة، وتحوّل التجربة السينمائية إلى مساحة للتفاعل مع التاريخ والهوية. 

وأشار إلى أن العلاقة بين الآثار والسياحة والسينما “علاقة قوية جدا”، بالنظر إلى الدور الذي تؤديه الصورة السينمائية في التعريف بالمواقع التاريخية والترويج لها عالميا، خاصة مع ما تمتلكه الجزائر من رصيد أثري وإنساني قادر على استقطاب الإنتاجات الفنية والسياحية في آن واحد. 

وأضاف أن مدينة تيمڤاد، المصنفة ضمن التراث العالمي، تمثل نموذجا حيا لهذا التداخل بين الثقافة والسياحة، حيث يمكن للسينما أن تتحوّل إلى أداة تسويق حضاري تعزز جاذبية الوجهة الجزائرية، وتعيد تقديم المواقع الأثرية بلغة بصرية معاصرة تصل إلى جمهور دولي واسع. 

كما شدد على أن المهرجانات السينمائية الحديثة لم تعد تقتصر على العروض والمسابقات فقط، بل باتت مطالبة بخلق ديناميكية موازية تجمع بين التاريخ والسياحة والفنون، من خلال إدماج المسارات الثقافية والزيارات الميدانية ضمن برامجها الرسمية. 

وختم بالتأكيد على أهمية بناء “تزاوج” حقيقي بين القطاعين السياحي والثقافي، بما يسمح بتحويل التظاهرات السينمائية إلى رافعة للتنمية المحلية والترويج للتراث الوطني، خاصة في المناطق التي تمتلك رصيدا أثريا وحضاريا بحجم ما تزخر به باتنة وإيمدغاسن وتيمڤاد. 

السينما بين الجمهور والفيلم التاريخي 

في هذا السياق، يؤكد الممثل محمد طاهر زاوي، في تصريح خصّ به «الأيام نيوز» على هامش مهرجان إيمدغاسن السينمائي الدولي، أن المهرجان بات يخطو خطوات ثابتة نحو ترسيخ مكانته ضمن خارطة المهرجانات الجزائرية والعربية والدولية، خاصة بعد اكتسابه صفة المهرجان الدولي واستقطابه لضيوف ومشاركات من عدة دول عربية وأجنبية.

وأوضح، بصفته من المتابعين لبدايات المهرجان، أن الطبعتين الأخيرتين عرفتا تطورًا لافتًا مقارنة بالدورات السابقة، سواء من حيث التنظيم أو نوعية الضيوف والأفلام المنتقاة، مشيرًا إلى أن السينما أصبحت محور التظاهرة الحقيقي، وهو ما انعكس على الإقبال الجماهيري بمدينة باتنة. 

وأضاف أن أيام المهرجان شكلت “جرعة سينمائية مكثفة”، أتاحت للجمهور، صغيرًا وكبيرًا، فرصة اكتشاف أفلام أجنبية وتجارب مختلفة، معتبرًا أن هذا الدور الثقافي يمثل أحد أهم أهداف أي مهرجان سينمائي، من خلال خلق فضاء للتلاقي بين الفاعلين في المجال، والتعريف بسينما المؤلف، وفتح آفاق لمشاريع مشتركة. 

وأشار إلى أن المهرجان يسمح أيضًا للضيوف الأجانب بالتعرف على ما ينجزه الشباب والمخرجون الجزائريون في مجال السينما، مثمنًا جهود القائمين عليه في حسن التنظيم والضيافة واختيار الأعمال الفنية والضيوف. 

كما عبّر عن فخره بعرض فيلم أحمد باي، الذي أدى فيه الدور البطولي، ضمن فعاليات المهرجان بمدينة باتنة، معتبرًا أن عرض الفيلم وسط أهله وجمهور مدينته شكّل لحظة خاصة بالنسبة له. 

وأكد أن ردود فعل الجمهور كانت إيجابية جدًا، وهو ما أسعد فريق العمل بأكمله، موضحًا أن الفيلم هو ثمرة جهد جماعي شارك فيه المنتجون والمخرج والفريق التقني والفني والممثلون. 

وفي سياق حديثه عن واقع السينما الجزائرية، شدد محمد طاهر زاوي على ضرورة التوجه نحو صناعة أفلام تخاطب الجمهور العالمي، لا الاكتفاء بإنتاج أعمال موجهة للاستهلاك المحلي فقط. 

وأوضح أن قوة الفيلم تكمن أولًا في إتقانه الفني والتقني، سواء على مستوى السيناريو أو التمثيل أو الإخراج، لأن المتلقي الأجنبي سيُعجب أولًا بجودة العمل قبل اهتمامه بالقصة التي يحملها. 

وأضاف أن نجاح الفيلم فنيًا يفتح الباب أمام الجمهور العالمي لاكتشاف التاريخ الجزائري والمجتمع الجزائري والقصص المحلية، وهو ما يجعل السينما أداة للتعريف بالهوية والثقافة والإنجازات الوطنية بطريقة أكثر تأثيرًا. 

كما اعتبر أن الاكتفاء بالنظر إلى الأفلام بعين العاطفة والانتماء لا يكفي لبناء صناعة سينمائية قوية، مؤكدًا أن الأفلام التي تُنجز وفق المعايير العالمية وحدها القادرة على تحقيق الاعتراف الخارجي، ومن ثم خلق شعور بالفخر لدى الجمهور الجزائري نفسه. 

وختم بالتأكيد على أن مهرجان إيمدغاسن السينمائي الدولي أصبح فضاءً حقيقيًا لاكتشاف السينما والتلاقي بين صناعها، متمنيًا له مزيدًا من النجاح والتطور من دورة إلى أخرى، كما تمنى لفيلم “أحمد باي” مسيرة فنية مميزة داخل الجزائر وخارجها. 

ما الذي يبقى بعد انطفاء الشاشة؟ 

بعد ختام أمس، يظهر أثر المهرجان فيما تراكم من معرفة وعلاقات، وفيما اكتسبه المتربصون من أدوات، وفيما سجله الجمهور من مقارنات بين أساليب الفيلم القصير. 

إن الاختبار الحقيقي يبدأ حين تتحول هذه الديناميكية إلى مشاريع جديدة، وحين يجد الشباب مسارا مستمرا للعرض والتكوين، وحين تتحول باتنة إلى موعد ثابت للسينما خارج الموسمية. 

ويبقى رهان الذاكرة حاضرا، لأن إدماج تيمڤاد وإيمدغاسن في المخيال الثقافي يمنح الصورة مادة محلية قابلة للكتابة بعيون معاصرة. وتبقى التجربة مرهونة باستمرار التمويل وبانفتاح القاعات على عروض منتظمة طوال العام محليا. 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"