الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

مهرجان سعيدة لأدب وسينما المرأة.. حوارية الكلمة والصورة في رحاب “ما لا يُرى”

Author
هارون عمري 05 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

 تستعد مدينة سعيدة، تلك الحاضنة الثقافية العريقة، لإسدال الستار غدا ، على فعاليات المهرجان الثقافي الوطني لأدب وسينما المرأة، بعد أيام حافلة بالنقاشات الفكرية والعروض الجمالية التي انطلقت في 2  ماي الجاري، المهرجان الذي اتخذ من شعار “ما لا يُرى يصنع الصورة” عنواناً لطبعته الحالية، تحوّل إلى مختبر حقيقي لفحص العلاقة الجدلية بين النص الأدبي المتخيّل والمنجز السينمائي المرئي، لقد استطاعت هذه التظاهرة أن تجمع شتات الفنون في بوتقة واحدة، مُفسحة المجال للمرأة المبدعة لتقول كلمتها وتعرض رؤيتها للعالم عبر لغة تتجاوز المألوف، وتغوص في أعماق الهوية والذاكرة الوطنية والإنسانية.

يشارك في إثراء نقاشات هذه الدورة كوكبة من المبدعين، من بينهم الكاتب والروائي محمد كمون، والشاعرة والدكتورة والمترجمة وسيلة بوسيس لـ”الأيام نيوز”، اللذين قدّما قراءات تحليلية حول دور المهرجان في استثمار رأس المال الإنساني وتعزيز الحوار الثقافي، حيث أكدوا أن التجربة تكرس “ديناميكية ثقافية تفتح المجال أمام الذوق والتأمل” وتصنع “جمهوراً استثنائيا وواعيا بالسينما”.

تجليات الشعار “ما لا يُرى يصنع الصورة”: فلسفة المهرجان

​شكّل شعار هذه الدورة “ما لا يُرى يصنع الصورة” منطلقا للعديد من المقاربات السيميائية والفلسفية التي تخللت الندوات الصباحية. الفكرة الجوهرية تكمن في أن المنجز البصري الذي نشاهده على الشاشة هو مجرد قمة جبل الجليد، بينما يكمن الثقل الحقيقي في المسكوت عنه، وفي المشاعر الدفينة، وفي السياقات الاجتماعية والتاريخية التي سبقت ولادة الصورة.

هذا الطرح منح المبدعات فرصة ذهبية لمساءلة الذات والواقع بصيغة المؤنث، مع التركيز على أن الكتابة بالصورة لا تنفصل عن الكتابة بالكلمة، بل هما وجهان لعملة إبداعية واحدة تسعى لاستعادة مجد المقاومة وتوثيق الذاكرة الوطنية بأسلوب فني رفيع. المهرجان بهذا المعنى يتحوّل إلى فضاء لتفكيك تلك الظلال التي تصنع الضوء، ما جعل النقاشات تتسم بالعمق والجرأة في طرح المواضيع الحساسة التي تتعلق بكيان المرأة ودورها في تجديد الرؤية الحضارية.

في هذا السياق، تؤكد الروائية والأكاديمية والفنانة التونسية، وفاء غربال، في تصريح خصّت به «الأيام نيوز» على هامش مهرجان أدب وسينما المرأة بسعيدة، أن من أبرز ما يميز هذه التظاهرة هو فكرة إشراك الأديبات والكاتبات ضمن فعالياتها، لما تتيحه من تقاطع فعلي بين الأدب والسينما، حيث يمكن للنصوص الأدبية أن تتحول إلى سيناريوهات لأفلام، ما يمنح الكتاب امتدادًا بصريًا ويقرّبها من الجمهور.


وأضافت أن أفضل ما يمكن تحقيقه في هذا الإطار هو تقريب الكُتّاب من السينمائيين، بما يسمح بخلق ديناميكية إبداعية مشتركة تعزز حضور الأدب في الصناعة السينمائية، وتفتح المجال أمام إنتاج أعمال تنبع من عمق الكتابة.
وختمت بالتأكيد على تطلعها إلى هذا اللقاء الثقافي، الذي يشكل فرصة للتعارف وتبادل التجارب، مشيدة في الوقت ذاته بجهود القائمين على المهرجان في خلق فضاء يجمع بين الفنون ويمنحها بعدًا إنسانيًا مشتركًا.

​كما أن المقاربات النقدية التي قدمت خلال الجلسات الأدبية شددت على ضرورة فهم النص الأدبي ليس بوصفه مادة خام للسينما، وإنما ككيان مستقل يتقاطع مع الصورة في مساحات الجمال والتأمل.

هذا التقاطع هو ما يخلق تلك الديناميكية الثقافية التي تفتح المجال أمام المتعة والذوق، وتجعل من الفضاء الثقافي منصة للإصغاء إلى التجارب التي ترصد التوتر الإنساني في أبهى تجلياته.

إن التركيز على “ما لا يُرى” هو في الحقيقة دعوة للجمهور والناقد على حد سواء للبحث عن الجوهر الكامن وراء المشاهد المرئية، وهو ما يفسر ثراء البرنامج وتنوع المحاور التي شملت حضور الوطن، واستعادة الذاكرة، وقضايا الالتزام الفني في مواجهة تحديات العولمة الثقافية التي تسعى لتنميط الإبداع الإنساني.

حيوية التفاعل الجماهيري

​لا يمكن الحديث عن مهرجان سعيدة دون التوقف مطولاً عند الحيوية الاستثنائية التي ميزت تفاعل الجمهور مع مختلف الأنشطة المبرمجة. فرغم التحديات الزمنية التي واكبت الدورة، إلا أن الشارع السعيدي أثبت مرة أخرى أنه جمهور شغوف ومثقف، يمتلك الأدوات اللازمة لمناقشة السينما والأدب بوعي لافت.

هذه العلاقة التي بُنيت عبر دورات متراكمة، أثمرت اليوم حالة من التلاحم بين المبدع والمتلقي، حيث لم تعد القاعات مجرد أماكن للمشاهدة، بل تحوّلت إلى ساحات للحوار المثمر الذي يساهم في تطوير التجربة الإبداعية ذاتها.

​في هذا السياق، يؤكد الكاتب والروائي محمد كمون، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، على هامش مهرجان سعيدة لأدب وسينما المرأة، أن ما يميز هذه التظاهرة هو حيويتها واستمرارية التواصل بين مختلف أنشطتها، من ورشات أدبية وعروض سينمائية ونقاشات مرافقة، ضمن برنامج منظم يخصص الفترة الصباحية للأدب والمسائية للسينما.

وأوضح أن الحضور الجماهيري كان لافتًا، رغم تزامن المهرجان مع فترة امتحانات البكالوريا والتعليم المتوسط، وهي فترة تنشغل فيها العائلات عادة، غير أن الإقبال بقي قويًا، خاصة على العروض السينمائية المسائية. وأضاف أن المهرجان لا يقوم على الاستعراض الإعلامي، بل على العمل الجاد، وهو ما انعكس في ثراء النقاشات التي شارك فيها نقاد من داخل وخارج سعيدة، إلى جانب حضور إعلامي وازن وضيوف من تونس وفلسطين وإسبانيا، ما أضفى بعدا دوليا وأسهم في تعميق الحوار الثقافي.

وأشار إلى أن جمهور سعيدة يمثل عنصرا مميزا في نجاح التظاهرة، واصفا إياه بـ”الاستثنائي”، لما يمتلكه من وعي وقدرة على النقاش ومعرفة بالسينما، وهو ما يعكس تراكما إيجابيا للدورات السابقة التي أسهمت في بناء علاقة مباشرة بين الجمهور وصنّاع الفن والأدب. وختم بالتأكيد على أن هذه التجربة مرشحة للتطور نحو طابع دولي أوسع، بما يخدم السينما الجزائرية ويعزز حضورها في المشهد الثقافي.

الأدب والسينما كفضاء للمقاومة والجمال

​يأتي تقاطع الأدب والسينما في هذا المهرجان ليعزز فكرة الفن كفعل مقاومة حضارية، قادرة على إنتاج القيم الجمالية في مواجهة محاولات طمس الهوية أو تهميش الدور الإنساني للمبدع.

إن اختيار موضوعات الذاكرة والوطن لم يكن من قبيل الصدفة، بل هو استجابة واعية لضرورة استرداد المبادرة الإبداعية في توثيق المسارات النضالية للمرأة والوطن على حد سواء. المهرجان يفتح آفاقا جديدة للقول والتعبير، حيث تصبح اللغة والصورة وسيلتين متكاملتين لبناء أفق إنساني قائم على الحوار وتعزيز العلاقات الفنية التي تتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة لتصل إلى رحاب المشترك الإنساني العام.

​في هذا السياق، تؤكد الشاعرة والدكتورة والمترجمة، وسيلة بوسيس، في تصريح خصّت به “الأيام نيوز” على هامش مهرجان أدب وسينما المرأة بسعيدة، أن مشاركتها تندرج ضمن الاستجابة لدعوة الحوار والتلاقي التي يتيحها تقاطع الأدب والسينما، باعتباره رهانا ثقافيا يقوم على الاستثمار في رأس المال الإنساني وتعزيز المشترك الجمالي بين الفنون.

وأوضحت أن احتضان مدينة سعيدة لهذا الحدث يعكس ديناميكية ثقافية تفتح المجال أمام الذوق والتأمل والمتعة، وتجعل من الفضاء الثقافي منصة للإصغاء إلى التجارب الإبداعية، بما يسهم في بناء أفق إنساني قائم على الحوار وتعزيز العلاقات الفنية.

وأضافت أن المهرجان يطرح محاور عميقة، من بينها حضور الذاكرة والوطن، واستعادة مجد المقاومة، وكتابة الذات بصيغة المؤنث، إلى جانب مساءلة “المسكوت عنه”، وهي قضايا تجسدت في الندوات الأدبية والعروض السينمائية التي رصدت التوتر الإنساني وعبّرت عن وعي جزائري وعربي متجدد.

وأشارت إلى أن هذه التظاهرة تؤكد استمرار روح المقاومة في السياق الثقافي الجزائري، لكن بصيغة إبداعية تقوم على إنتاج القيمة الجمالية وفتح فضاءات للقول والتعبير عبر اللغة والصورة. وختمت بالتأكيد على أن المرأة في هذا الإطار تمثل فاعلا أساسيا في هذا المسار، من خلال إسهامها في تجديد الرؤية الإبداعية وتعزيز البعد الإنساني والحضاري للفعل الثقافي.

الورشات التكوينية: بناء الجسور بين الهواية والاحتراف

​لم يكتفِ مهرجان سعيدة بتقديم المنتجات الفنية الجاهزة، بل ركز بشكل أساسي على الجانب التكويني عبر سلسلة من الورشات التي استهدفت الشباب والمهتمين بصناعة السينما والكتابة الأدبية. هذه الورشات شكلت فضاء حيويا لنقل الخبرات من المبدعين المحترفين إلى الهواة، حيث تم التركيز على تقنيات كتابة السيناريو المستوحى من النصوص الروائية، وكيفية تحويل الرمز الأدبي إلى دلالة بصرية مؤثرة.

إن هذا التوجه نحو التكوين يعكس رغبة صادقة في بناء قاعدة سينمائية وأدبية متينة في ولاية سعيدة وفي الجزائر عموما، تضمن استمرار تدفق الدماء الجديدة في عروق المشهد الثقافي الوطني.

​النقاشات التي دارت داخل هذه الورشات كشفت عن مواهب واعدة تمتلك الرؤية والأدوات، وتحتاج فقط إلى مثل هذه المنصات للبروز والتألق. الأساتذة والمؤطرون ركزوا على أهمية الصدق في التعبير والارتباط بالواقع المحلي مع الانفتاح على التقنيات العالمية الحديثة.

هذا المزيج بين النظرية والتطبيق جعل من المهرجان جامعة مصغرة للفنون، حيث يتعلم المشارك كيف يقرأ النص بعين المخرج، وكيف يشاهد الفيلم بحس الروائي، ما يساهم في خلق جيل جديد من المبدعين القادرين على إنتاج أعمال فنية تتسم بالعمق والأصالة، وتستطيع المنافسة في المحافل الدولية الكبرى بكل جدارة واقتدار.

مستقبل السينما والأدب النسوي

​مع وصول المهرجان إلى محطته الأخيرة وتوزيع الجوائز، تبرز الحاجة الملحة للحفاظ على هذا المكسب الثقافي وتطويره بما يتماشى مع الطموحات الكبيرة للمشاركين والجمهور. إن النجاح الذي تحقق في هذه الدورة يضع القائمين على التظاهرة أمام مسؤولية مضاعفة لتعزيز البعد الدولي وجذب المزيد من التجارب العالمية الرائدة.

استمرار المهرجان في تبني القضايا الجوهرية والتركيز على النوعية لا الكمية هو الضمان الوحيد لاستمرارية إشعاعه الفكري والجمالي، وجعله رقما صعبا في معادلة الفعل الثقافي الجزائري المعاصر.

​إن التوصيات التي ستخرج بها هذه الدورة ستشكل بلا شك خارطة طريق للمستقبل، حيث يتطلع الجميع إلى رؤية أعمال سينمائية وأدبية جديدة ولدت من رحم الحوارات والنقاشات التي شهدتها أروقة سعيدة.

السينما الجزائرية، وبفضل مثل هذه المبادرات الجادة، تسير بخطى ثابتة نحو استعادة بريقها، مستفيدة من التمازج الخلاق بين الأدب والصورة، ومن الدور الريادي للمرأة كصانعة للمعنى ومجددة للرؤى الإبداعية.

ستبقى مدينة سعيدة، بجمهورها الاستثنائي ومبدعيها، منارة تضيء دروب الفن الرفيع، وتؤكد في كل مرة أن الثقافة هي الرهان الأقوى لبناء الإنسان والرقي بالمجتمعات نحو آفاق السلام والجمال والحرية.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"