الجمعة، 15 مايو 2026 — 27 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

مواقع التواصل الاجتماعي.. هل تحولت إلى فاعل جديد في المشهد الانتخابي بالجزائر؟  


مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المُقبلة في الجزائر، يبرز النقاش حول الدور الذي يُمكن أن تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام والتأثير في توجهات الناخبين، خاصة في ظل التحول المتسارع الذي يشهده الفضاء السياسي والإعلامي. 

وفي هذا السياق، أكد المحلّل السياسي، العيد زغلامي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن مواقع التواصل أصبحت جزءا أساسيا من منظومة “الاتصال السياسي” الحديثة، بالنظر إلى اتساع استعمالها داخل المجتمع الجزائري وتأثيرها المتزايد في النقاشات الانتخابية، خاصة لدى فئة الشباب.

من جهته، يرى الباحث في الشؤون الوطنية والدولية، عبد الرحمان بوثلجة، أن هذه المنصات تحولت إلى ما يشبه “سلطة موازية” تعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والسياسة، بعدما أصبحت فضاءات مفتوحة للتأثير والتعبئة وصناعة الصورة السياسية للمرشحين

وفي هذا الصدد، أفاد الأستاذ زغلامي، أن الأرقام والإحصائيات الرسمية المتداولة بشأن استعمال مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر تكشف بوضوح حجم الحضور الذي باتت تحتله هذه المنصات داخل المجتمع.

جزء أساسي من منظومة “الاتصال السياسي” الحديثة

وأشار المتحدث إلى أن نحو 25 مليون جزائري ينشطون عبر مختلف الشبكات الاجتماعية ويستعملونها لأغراض متعددة ومتباينة، سواء في مجال التواصل أو متابعة الأخبار أو النقاشات العامة أو حتى التفاعل مع القضايا السياسية والاجتماعية.

وأوضح أن “الفضاء الأزرق” يظل الأكثر شعبية واستعمالا وانتشارا بين الجزائريين مقارنة بباقي المنصات الرقمية، الأمر الذي جعله يتحول تدريجيا إلى فضاء واسع لتبادل الآراء والمواقف والتعبير عن الانشغالات اليومية.

وأضاف أن هذا التوسع الكبير في استعمال مواقع التواصل يفرض اليوم إعادة طرح التساؤلات حول طبيعة الدور الذي باتت تؤديه هذه الوسائط داخل المجتمع الجزائري، وما إذا كانت قد تجاوزت وظيفتها التقليدية كأداة للتواصل لتتحول إلى سلطة قادرة على التأثير في الرأي العام وصناعة التوجهات السياسية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، ذكر الخبير أن الدراسات والأبحاث التي تتناول طبيعة المضامين التي يستهلكها أو ينتجها الجزائريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا تزال محدودة إلى حد بعيد، وهو ما يجعل من الصعب الوصول إلى نتائج دقيقة بشأن طبيعة التأثير الحقيقي لهذه المنصات على السلوك السياسي والاجتماعي للمواطنين.

غير أنه أكد في المقابل وجود علاقة ارتباطية واضحة بين ما يحدث في الساحة السياسية والاجتماعية وبين المضامين المتداولة عبر الشبكات الاجتماعية.

وأضاف محدثنا، أن جزءا كبيرا من النقاشات والقضايا التي قد لا تجد مساحة كافية داخل وسائل الإعلام التقليدية، سواء الإذاعة أو التلفزيون أو الصحافة المكتوبة والإلكترونية، أصبحت تجد حضورا واسعا داخل الفضاء الرقمي، الذي تحول إلى “شبكة الشبكات” بالنظر إلى الكم الهائل من المعلومات والمعطيات والآراء التي يتم تداولها يوميا بين ملايين المستخدمين.

وفي حديثه عن تأثير هذه المنصات على العملية الانتخابية، أوضح المحلّل السياسي أن موضوع التأثير في توجهات الناخب الجزائري يظل من بين القضايا التي يحيط بها الكثير من الغموض، باعتبار أن السلوك الانتخابي لا تحدده عوامل رقمية فقط، بل تتداخل فيه اعتبارات متعددة، من بينها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية وحتى العشائرية والإقليمية.

وأكد زغلامي، أن العامل الجديد الذي فرض نفسه بقوة خلال السنوات الأخيرة يتمثل في الحضور المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعي داخل المشهد السياسي والانتخابي، متسائلا حول ما إذا كانت هذه الوسائط أصبحت تشكل عنصرا أساسيا في توجيه اختيارات الناخبين والتأثير في مسار العملية الانتخابية.

وأبرز المتحدث، أن ما جرى مؤخرا من بعض الحوادث المرتبطة بالحملات الانتخابية عبر مواقع التواصل يعكس بوضوح حجم التأثير الذي باتت تمارسه هذه المنصات، مستشهدا بحادثة تورط أحد الناخبين في ولاية قسنطينة في تصريحات تضمنت السب والشتم والخروج عن أخلاقيات النقاش السياسي، وهو ما اعتبره مؤشرا على أن جزءا من العملية الانتخابية أصبح يُدار داخل الفضاء الرقمي خارج الأطر التقليدية والكلاسيكية المعروفة.

وأشار المحلل السياسي، إلى أن هذا الانتقال نحو الفضاء الأزرق جعل النقاشات السياسية والانتخابية تتم أحيانا بعيدا عن الرقابة القانونية والتنظيمية، الأمر الذي قد يثير نوعا من القلق والانزعاج لدى صناع القرار والجهات الرسمية، خاصة في ظل إمكانية استغلال هذه المنصات لنشر الإشاعات أو خطابات الكراهية أو التأثير غير المشروع على الناخبين.

ضرورة متابعة ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي

وشدد زغلامي، على أن السلطات العمومية مطالبة بمتابعة ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من أجل تفادي الانزلاقات والتجاوزات التي قد تمس بنزاهة العملية الانتخابية، على غرار السب والشتم واستعمال الأساليب غير الأخلاقية وغير القانونية، إضافة إلى توظيف المال الفاسد أو التضليل والتلاعب بالرأي العام، وهي ممارسات سبق وأن ظهرت في بعض المحطات الانتخابية السابقة.

وأكد المتحدث، أن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات مطالبة أيضا بأخذ ما يتم نشره عبر الشبكات الاجتماعية بعين الاعتبار، خاصة فيما يتعلق بمدى احترام القواعد المنظمة للحملات الانتخابية، مشيرا إلى أن أي تجاوز أو اختراق للقوانين قد يقود إلى اتخاذ إجراءات سياسية وقانونية لضمان نزاهة المسار الانتخابي وحماية قواعد المنافسة الديمقراطية.

كما أوضح زغلامي، أن مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسيلة ثانوية أو مكملة لوسائل الإعلام الأخرى، بل أصبحت جزءا أساسيا من منظومة “الاتصال السياسي” الحديثة، بالنظر إلى اعتماد الأحزاب السياسية والفاعلين السياسيين عليها في الترويج لبرامجهم وخطاباتهم واستقطاب الناخبين والتأثير في الرأي العام.

أهمية الحفاظ على أخلاقيات النقاش السياسي

وأضاف المتحدث، أن مختلف القوى السياسية باتت توظف هذه المنصات إلى جانب وسائل الإعلام التقليدية في إدارة حملاتها الانتخابية، الأمر الذي يعكس التحول الذي طرأ على أدوات العمل السياسي وأساليب الدعاية والتواصل مع المواطنين، خاصة مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية وسهولة الوصول إلى المنصات الرقمية.

ونوّه المحلّل السياسي، إلى أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط بوجود مواقع التواصل الاجتماعي في حد ذاتها، وإنما بطبيعة المضامين والممارسات التي قد تُستغل عبرها، موضحا أن الخطورة تكمن في المحتويات التي قد تسيء إلى العمل الانتخابي أو تُستعمل للتضليل أو التلاعب بالرأي العام، بغض النظر عن الوسيلة المستخدمة.

وشدد زغلامي، على أن الهدف الأساسي يجب أن يظل ضمان تنظيم حملة انتخابية نزيهة قائمة على احترام مبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية وحرية الاختيار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أخلاقيات النقاش السياسي واحترام القوانين المنظمة للعملية الانتخابية.

وأضاف المتحدث، أن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي يبدو أكثر وضوحا لدى فئة الشباب، باعتبارهم الفئة الأكثر حضورا واستعمالا لهذه الوسائط الرقمية، وهو ما يجعلها عاملا مؤثرا في تشكيل توجهاتهم السياسية ومواقفهم الانتخابية،

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد الأستاذ العيد زغلامي، أن توظيف هذه المنصات بشكل إيجابي يمكن أن يساهم في تعزيز المشاركة السياسية وترسيخ قيم حرية التعبير والديمقراطية، شرط الالتزام بالقواعد الأخلاقية والقانونية التي تضمن نزاهة العملية الانتخابية وتحافظ على سلامة النقاش العام.

فضاءات مفتوحة للنقاش والتأثير والتعبئة

من جانبه، يرى الباحث في الشؤون الوطنية والدولية، عبد الرحمان بوثلجة، أن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت اليوم إلى ما يشبه “سلطة موازية” تؤثر بشكل مباشر في توجهات الناخب الجزائري، على غرار ما يحدث في العديد من دول العالم.

وأوضح بوثلجة في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذه المنصات الرقمية غيرت طبيعة العلاقة بين المواطن والسياسة، بعدما كانت وسائل الإعلام التقليدية والأحزاب السياسية تتحكم إلى حد كبير في صناعة الرأي العام وتوجيه النقاش السياسي.

وأشار المتحدث إلى أن الهاتف الذكي والألواح الرقمية والحواسيب أصبحت فضاءات مفتوحة للنقاش والتأثير والتعبئة، بل وحتى لصناعة الصورة السياسية للمرشحين.

مبرزا أن جزءا معتبرا من الحملات الانتخابية انتقل خلال السنوات الأخيرة من القاعات والتجمعات الشعبية إلى المنصات الرقمية، حيث أضحت صفحات “فيسبوك” و”تيك توك” و”إنستغرام” والبث المباشر أدوات أكثر قدرة على الوصول إلى الناخب والتأثير فيه بسرعة كبيرة.

وأكد بوثلجة أن هذا التحول أفرز ما يمكن تسميته بـ”المؤثر السياسي”، وهو شخص قد يمتلك أحيانا تأثيرا يفوق السياسي التقليدي أو حتى الصحفي، رغم أنه لا ينتمي بالضرورة إلى حزب سياسي أو مؤسسة إعلامية.

ولفت إلى أن الساحة الرقمية شهدت في الأشهر الأخيرة تداولا واسعا لتصريحات عدد من قادة الأحزاب، على غرار تصريحات بعض قيادات الأحزاب السياسية الجزائرية، والتي أحدثت تفاعلات متفاوتة بين مؤيد ومعارض بحسب الميولات السياسية للناخبين.

صناعة اتجاهات جديدة داخل الرأي العام

وأوضح الباحث أن الناخب الجزائري بات يتلقى المعلومات السياسية بطريقة مختلفة، فلم يعد ينتظر تحليلات الصحف أو خطابات الأحزاب، بل أصبح يتفاعل مباشرة مع محتوى رقمي يعتمد على الصورة والاختصار والإثارة وسرعة الانتشار، وهو ما منح مواقع التواصل الاجتماعي قدرة كبيرة على إعادة تشكيل المزاج الشعبي وصناعة اتجاهات جديدة داخل الرأي العام، خاصة لدى فئة الشباب.

وفي هذا السياق، أشار المتحدث إلى التجربة الأمريكية، مبرزا أن عددا من التقارير الإعلامية ربطت نجاح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي جاء عكس توقعات استطلاعات الرأي آنذاك، بالاعتماد المكثف على مواقع التواصل الاجتماعي لاستقطاب الشباب وتحفيزهم على التصويت.

ورغم هذا التأثير المتزايد، شدد بوثلجة على أنه لا يمكن اعتبار مواقع التواصل الاجتماعي بديلا كاملا عن السياسة التقليدية، بالنظر إلى ما تحمله من مخاطر، أبرزها انتشار الإشاعات والتضليل والتأثير العاطفي السريع، مُبرزا أن عددا من الأحزاب اضطرت في الآونة الأخيرة إلى إصدار بيانات توضيحية أو تكذيب تصريحات نُسبت إليها عبر الفضاء الرقمي.

كما نوه محدثنا، إلى أن التفاعلات الكبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي لا تعني بالضرورة وجود أصوات انتخابية حقيقية، مؤكدا أن المجتمع الجزائري ما يزال يتأثر بالعوامل الاجتماعية والمحلية والعائلية، خاصة خلال المواعيد الانتخابية.

خِتاماً، أبرز عبد الرحمان بوثلجة، أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت بالفعل فاعلا سياسيا جديدا داخل المشهد الانتخابي الجزائري، يشارك في صناعة النقاش العام وإعادة توزيع النفوذ الرمزي داخل المجتمع، غير أنها لم تُلغِ بشكل نهائي دور الأحزاب السياسية والإعلام التقليدي، بل فرضت عليهما إعادة التكيف مع طبيعة الفضاء الرقمي الجديد وآليات التأثير التي يفرضها.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية مهتمة بالشأن السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والدولي