الأحد، 14 يونيو 2026 — 27 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

موريتانيا وتجربة التهدئة السياسية.. الحوار الوطني في مواجهة تحديات المرحلة

Author
ربيعة خطاب 03 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد الساحة السياسية في موريتانيا حراكا جديدا لإحياء مسار الحوار الوطني بعد أشهر من التعثر والخلافات بين الأغلبية والمعارضة، خاصة حول ملف المأموريات الرئاسية الذي تحوّل إلى أبرز نقاط الخلاف بين الأطراف السياسية.

ويأتي استئناف المشاورات في ظل رهانات كبيرة على الحوار باعتباره آلية لمعالجة القضايا السياسية والدستورية وتعزيز الاستقرار الداخلي، وسط تساؤلات حول قدرة الفرقاء على تجاوز حساباتهم الضيقة والوصول إلى توافقات تضمن نجاح هذا المسار الحساس.

في هذا السياق، أكد الباحث في الشؤون السياسية والعسكرية د. بون ولد باهي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن التطورات السياسية التي عرفتها البلاد منذ عام 2019 تعكس مسارا خاصا اتسم بالتهدئة والانفتاح والحوار، بعيدا عن موجات الاضطراب التي شهدتها عدد من دول المنطقة خلال ما سمي بالربيع العربي.

وأوضح د. بون ولد باهي أن موريتانيا مثلت، إلى حد كبير، استثناء عربيا في تلك المرحلة، حيث لم تنخرط في موجة التحولات العنيفة، بل اختارت مسارا تدريجيا قائمًا على الإصلاح السياسي والتغيير السلمي. وأضاف أن هذا المسار توج لأول مرة في تاريخ البلاد بعملية تناوب سلمي على السلطة عقب الانتخابات الرئاسية لسنة 2019، وهو ما اعتبره مؤشرًا مهمًا على بداية ترسيخ الممارسة الديمقراطية في البلاد.

وأشار بون ولد باهي إلى أن وصول السلطة الجديدة آنذاك حمل خطابًا سياسيًا موجهًا إلى جميع الموريتانيين دون استثناء، حيث تم التأكيد على أن الدولة ستكون جامعة لكل مكونات المجتمع، وهو ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانفتاح السياسي والحوار مع مختلف الفاعلين والأطراف السياسية، من موالاة ومعارضة على حد سواء.

وأضاف بون ولد باهي أن هذه المرحلة شهدت إطلاق ما وصفه بـ”معجزة الإجماع الوطني”، في إشارة إلى حالة التقارب النسبي بين الفرقاء السياسيين، وما رافقها من تعهدات رسمية بتنظيم حوار وطني شامل يهدف إلى معالجة القضايا العالقة التي ظلت تؤثر على الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد منذ سنوات.

غير أن بون ولد باهي أوضح أن هذا المسار الحواري لم يكتمل بالشكل المأمول، حيث تم الإعلان عن انطلاقه في بداية المأمورية الأولى، قبل أن يتوقف لاحقًا دون استئنافه حتى نهاية تلك الفترة الرئاسية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول أسباب تعثر هذا المسار وتأثيره على مناخ الثقة السياسية.

وأشار بون ولد باهي إلى أن إعادة انتخاب الرئيس الموريتاني لمأمورية ثانية، وفق ما يسمح به الدستور، أعادت طرح ملف الحوار الوطني من جديد، حيث جدد الرئيس دعوته إلى استئناف حوار شامل لا يستثني أي موضوع ولا يستبعد أي طرف سياسي، في محاولة لإعادة إحياء المسار التوافقي داخل المشهد السياسي الموريتاني.

وأوضح بون ولد باهي أن هذا التوجه يكتسب أهمية خاصة في ظل النقاشات التي أثيرت حول القضايا الدستورية المرتبطة بالمأموريات الرئاسية، حيث تم التأكيد على أن الدستور الموريتاني يحصّن المواد المتعلقة بمدة الرئاسة ولا يسمح بتعديلها، وهو ما اعتبره جزءًا من الضمانات الدستورية التي تهدف إلى تعزيز الاستقرار السياسي ومنع العودة إلى التجارب السابقة التي اتسمت بعدم الاستقرار وتكرار الانقلابات.

كما شدد بون ولد باهي على أن هذا الإطار الدستوري يعد مكسبا ديمقراطيا مهمًا للمجتمع الموريتاني، الذي عانى خلال عقود من اضطرابات سياسية متكررة أثرت بشكل مباشر على مسار التنمية وأضعفت فرص تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وأكد بون ولد باهي على أن نجاح الحوار السياسي في موريتانيا يظل مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف السياسية على تجاوز الخلافات الظرفية، وتغليب منطق التوافق الوطني، بما يسمح بترسيخ تجربة سياسية أكثر استقرارًا واستمرارية، ويعزز مسار التحول الديمقراطي الذي بدأ يتشكل منذ عام 2019.