تحلّ اليوم 28 نوفمبر الذكرى الخامسة والستون لاستقلال موريتانيا، تلك الدولة التي خطّت لنفسها مسارًا متفرّدًا في الساحل والصحراء، وكرّست عبر مسيرتها الطويلة قيم التعايش السلمي والوحدة الاجتماعية، لتصبح نموذجًا في الحفاظ على الهوية الثقافية وصناعة الدولة الحديثة رغم التحديات الجغرافية والسياسية. وفي كل عام، يعود الموريتانيون إلى ذاكرة نوفمبر 1960، يوم خرجت البلاد من عباءة الاستعمار الفرنسي، لتؤسس جمهوريتها الفتية بقيادة الرئيس المختار ولد داداه، الذي حمل مشروع بناء دولة متعددة الأوجه، متجذرة في التاريخ، ومفتوحة على المستقبل.
يصرح الخبير الإستراتيجي الموريتاني عبد الله ولد بوناه للأيام نيوز أن هذه الذكرى “ليست مجرد تاريخ مُعلق في الأذهان، بل هي بوصلة روحية وثقافية تذكّر الموريتانيين بأنهم صاغوا استقلالهم عبر تراكم حضاري طويل، وليس فقط عبر قرار سياسي مفاجئ”. ويضيف في تصريح خصّ به التقرير: “لقد تأسست الدولة الموريتانية على رصيد هائل من الثقافة الشفوية، والأدب الحساني، ورصيد فقهي متعمّق جعل من البلاد مركز إشعاع علمي في الصحراء الإفريقية”.
منذ قرون، كانت موريتانيا — أو “بلاد شنقيط” كما سمّاها الرحّالة والمؤرخون — محطة علمية لطلاب العلوم الشرعية واللغوية. ومع الاستقلال، لم تتخلّ الدولة عن هذا الإرث؛ بل سعت إلى تحويل الزوايا التاريخية والمدارس التقليدية إلى رافعة للهوية الوطنية. ويشير ولد بوناه إلى أن “استمرار هذه المؤسسات في العصر الحديث هو أحد أسرار تماسك المجتمع الموريتاني، الذي يضم مكوّنات عربية وإفريقية استطاعت أن تنصهر في هوية جامعة”.
لم يكن طريق بناء الدولة سهلاً. فموريتانيا واجهت تحديات اقتصادية بسبب محدودية البنى التحتية، وتحديات أمنية نتيجة موقعها الجغرافي بين شمال إفريقيا وغربها، فضلاً عن تحولات عالمية متسارعة فرضت عليها إعادة صياغة أولوياتها. لكن ما ميّز التجربة الموريتانية — كما يشرح ولد بوناه — هو أن “روح المقاومة الثقافية لعبت دورًا أساسيًا في حماية الكيان الوطني”. ويضيف: “لقد أدرك الموريتانيون أن الثقافة ليست ترفًا، بل درعٌ يحمي من الذوبان والهشاشة. لذلك ظل الشعر الحساني، والتراث العربي الإسلامي، والذاكرة الشعبية، أدوات فعّالة لصون هوية البلد حتى في أصعب مراحل تاريخه”.
واحتفال موريتانيا اليوم بذكرى استقلالها ليس فقط احتفالًا سياسيًا، بل مناسبة يُعاد فيها استحضار رموز الفن، والشعر، والموسيقى التقليدية، إضافة إلى تكريم العلماء والشعراء الذين ساهموا في صناعة صورة البلاد. وفي هذا السياق، يؤكد ولد بوناه أن “الإبداع الموريتاني يعيش اليوم نهضة حقيقية، بفضل جيل جديد من الكتّاب والمسرحيين والموسيقيين الذين يجتهدون لربط الماضي بالحاضر دون اجترار أو قطيعة”.
كما يشير إلى أن التحولات الاجتماعية خلال العقدين الأخيرين سمحت ببروز خطاب ثقافي أكثر انفتاحًا، مستفيدًا من التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة. ويصف هذه المرحلة بقوله: “نحن نعيش لحظة إعادة اكتشاف الذات. فالشباب الموريتاني اليوم يعيد تعريف موريتانيا للعالم من خلال الفن الرقمي، وصناعة المحتوى، والعودة إلى التراث بشكل مبتكر”.

عبد الله ولد بوناه /موريتانيا_خبير استراتيجي امني
وفي الذكرى الخامسة والستين، يتفق المثقفون—ومنهم ولد بوناه—على أن التحدي الأكبر لموريتانيا اليوم هو الحفاظ على هذا الإرث في ظل تغيّرات متسارعة. لكنه يختتم برسالة أمل: “موريتانيا بلد استطاع أن يبقى واقفًا بفضل ثقافته وتنوعه. وإذا كان الاستقلال حدثًا سياسيًا قبل 65 عامًا، فإنه اليوم مشروع ثقافي مستمر، نعيد كتابته جيلًا بعد جيل”.
وبين ذاكرة الأمس وآفاق الغد، تواصل موريتانيا السير بخطى ثابتة، محتفظة بقيم التعايش التي صنعت منها وطنًا صلبًا، وممهّدة الطريق لمزيد من الرقي والازدهار لشعبها الأبي

