الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

موسكو: الضغوط الغربية تقوض فرص التسوية السياسية في أوكرانيا

Author
ربيعة خطاب 11 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد الأزمة الأوكرانية تصعيدا جديدا في الخطاب السياسي بين موسكو والعواصم الغربية، في ظل استمرار الحرب وتعثر الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية. وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن روسيا فقدت الثقة في نوايا الغرب بشأن المفاوضات، معتبرا أن المواقف الغربية الأخيرة تعكس سياسة قائمة على الضغوط والإنذارات بدلا من الحوار.

وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي ومدير مركز الدراسات الأوراسية، ديمتري بريجع، أن تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، التي أكد فيها أن موسكو لم تعد تثق في نوايا الدول الغربية بشأن التوصل إلى تسوية تفاوضية للأزمة الأوكرانية، تعكس تطورا مهما في الموقف الروسي، إذ تشير إلى انتقال القيادة الروسية من مرحلة التشكيك في المواقف الغربية إلى قناعة راسخة بأن الغرب لا يسعى، في الظروف الحالية، إلى إنهاء النزاع عبر الوسائل الدبلوماسية، وإنما يفضل الاستمرار في إدارة الصراع بما يخدم أهدافه الاستراتيجية.

وأوضح ديمتري بريجع أن موسكو تنظر إلى الخطاب الغربي بوصفه متناقضا، إذ تعلن العواصم الغربية دعمها للمفاوضات في الوقت الذي تواصل فيه زيادة المساعدات العسكرية لأوكرانيا، إلى جانب توسيع العقوبات الاقتصادية على روسيا. ووفقا لتقديراته، فإن هذا التناقض يفسر فقدان القيادة الروسية الثقة في الدعوات الغربية للحوار، لأن أي مفاوضات، من وجهة النظر الروسية، ينبغي أن تقترن بخطوات عملية تعكس وجود إرادة سياسية حقيقية لإنهاء الحرب، وليس الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية.

وأشار ديمتري بريجع إلى أن تصريحات لافروف تحمل أيضا رسالة واضحة مفادها أن روسيا لن تعود إلى طاولة المفاوضات بالشروط التي كانت مطروحة خلال المراحل الأولى من الأزمة. ويرى أن موسكو تعتبر أن السنوات الماضية أظهرت أن الاتفاقات السابقة لم توفر الضمانات الكافية، ولذلك أصبحت القيادة الروسية تشدد على ضرورة وجود التزامات واضحة وملزمة تأخذ بعين الاعتبار المصالح الأمنية الروسية قبل الدخول في أي مسار تفاوضي جديد.

وأضاف ديمتري بريجع أن السياسة الغربية القائمة على توجيه الإنذارات والضغوط السياسية والاقتصادية لا تساعد، بحسب الرؤية الروسية، على خلق مناخ يسمح باستئناف الحوار. ويرى أن لغة التهديد والعقوبات تؤدي إلى تعميق حالة انعدام الثقة بين الطرفين، وتدفع موسكو إلى الاعتقاد بأن الهدف الحقيقي ليس الوصول إلى تسوية، وإنما إرغام روسيا على تقديم تنازلات استراتيجية لا تتوافق مع تصورها لأمنها القومي.

وأكد ديمتري بريجع أن القيادة الروسية تنطلق من مبدأ مفاده أن أي عملية تفاوضية ناجحة يجب أن تقوم على الندية والاحترام المتبادل، وليس على فرض الإملاءات من طرف واحد. ومن هذا المنطلق، فإن موسكو ترى أن الضغوط الغربية المتواصلة تقلل من فرص التوصل إلى حلول سياسية، لأنها تجعل أي تنازل روسي يبدو وكأنه استجابة للإكراه وليس نتيجة تفاوض متوازن يحقق مصالح جميع الأطراف.

ويرى ديمتري بريجع أن استمرار هذا النهج سيدفع روسيا إلى تعزيز خياراتها العسكرية والسياسية بالتوازي مع تحركاتها الدبلوماسية، انطلاقا من قناعة مفادها أن امتلاك أوراق قوة على الأرض يظل عاملا أساسيا في أي مفاوضات مستقبلية. ويعتقد أن موسكو تعتبر التطورات الميدانية جزءا من عملية رسم موازين القوى التي ستحدد شكل أي تسوية محتملة في المستقبل.

وفي تقييمه لمستقبل الأزمة، أوضح ديمتري بريجع أن روسيا لا تغلق الباب أمام الحلول السياسية، لكنها تشترط تغيرا ملموسا في المقاربة الغربية. ووفقا لرؤيته، فإن موسكو ما زالت تؤكد استعدادها للحوار، إلا أن هذا الحوار يجب أن ينطلق من الاعتراف بالوقائع الجديدة التي أفرزها الصراع، وأن يبتعد عن محاولات العودة إلى صيغ تفاوضية لم تعد، من وجهة النظر الروسية، قابلة للتطبيق.

وأشار ديمتري بريجع إلى أن أحد أبرز الشروط التي تتمسك بها موسكو يتمثل في معالجة ما تصفه بالأسباب الجذرية للأزمة، وعلى رأسها قضية توسع حلف شمال الأطلسي نحو الحدود الروسية، إضافة إلى توفير ضمانات أمنية تمنع استخدام الأراضي الأوكرانية في أي ترتيبات تعتبرها موسكو تهديدا مباشرا لأمنها القومي. ويرى أن تجاهل هذه الملفات سيؤدي، بحسب القراءة الروسية، إلى بقاء أسباب الصراع قائمة حتى لو تم التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار.

واعتبر ديمتري بريجع أن المرحلة المقبلة ستتحدد وفقا لمسار المواقف الغربية، فإذا استمرت سياسة العقوبات والضغوط والدعم العسكري لكييف، فمن المرجح، وفقا لتقديره، أن يستمر النزاع لفترة أطول مع استمرار الرهان على التطورات الميدانية. أما إذا ظهرت مؤشرات على استعداد غربي للتعامل مع المطالب الروسية باعتبارها جزءا من أي تسوية مستقبلية، فقد تتهيأ الظروف لإطلاق مسار تفاوضي جديد أكثر واقعية.

وشدد ديمتري بريجع على أن الأزمة الأوكرانية دخلت مرحلة مختلفة سياسيا واستراتيجيا، وأن تصريحات سيرغي لافروف تعكس، في نظره، هذا التحول في التفكير الروسي. ويرى أن موسكو باتت أكثر تمسكا بضرورة توفير ضمانات أمنية وسياسية واضحة قبل الانخراط في أي مفاوضات، وأن مستقبل الأزمة سيظل مرتبطا بمدى استعداد جميع الأطراف للانتقال من سياسة الضغوط المتبادلة إلى حوار يقوم على مراعاة المصالح الأمنية والاستراتيجية لكل طرف.