الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
أخبار

موسكو على خط التفاوض.. هل تملك روسيا مفتاح إنهاء الحرب بين واشنطن وطهران؟

Author
ربيعة خطاب 28 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظل التعقيد المتزايد لأجل التوصل لإنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة، لم تعد المفاوضات الثنائية شأنا يقتصر على الطرفين فقط، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى دولية فاعلة. وفي مقدمة هذه القوى تبرز روسيا، التي تسعى إلى تثبيت حضورها كوسيط مؤثر في القضايا الاستراتيجية الكبرى، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع طهران، إذ صرح، سابقا، الرئيس الروسي، فلادمير بوتين، قائلا: “سنظل أوفياء لإيران”.

وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل جوهري حول مدى قدرة موسكو على أداء دور فعال في إنجاح المفاوضات، خاصة في ظل نظام دولي يتجه نحو تعددية الأقطاب وتراجع الهيمنة الأحادية.

وفي هذا السياق، تصرح الباحثة في العلاقات الدولية، لانا بدفان، من جامعة مدرسة الاقتصاد العليا في موسكو، لـ”الأيام نيوز”، بأن زيارة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى موسكو تتجاوز الأطر التقليدية المعتادة للتنسيق السياسي، لتندرج ضمن ما تصفه بـ”المعايرة الهيكلية” للعلاقات والتحولات الجارية. وتوضح لانا بدفان أن هذه الزيارة لا تقتصر على تبادل وجهات النظر أو نقل الخطوط الحمراء عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل تمثل غطاء سياسيا لرسالة رئاسية يحملها عراقجي من الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، بما يعكس مستوى أعلى من التشاور الاستراتيجي بين البلدين.

وتشير بدفان إلى أن توقيت هذه الرسالة يكشف رغبة إيران في إنهاء الحرب، إذ تتقاطع رؤيتان داخل بنية صنع القرار الإيراني. الأولى تميل إلى ما تصفه بـ”الواقعية الترامبية”، وتسعى إلى إبرام اتفاق مباشر مع واشنطن يضع حدا لحالة الاستنزاف المرتبطة بالملف النووي، خاصة فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم والعقوبات الاقتصادية. أما الثانية، فتتمثل في تيار أكثر صلابة داخل المؤسسة العسكرية، يصر على التمسك بعقيدة المواجهة ورفض تقديم تنازلات قد تفسر على أنها تراجع استراتيجي. وفي هذا الإطار، تبدو زيارة موسكو محاولة لإعادة ضبط التوازن بين هذين المسارين، عبر الاستناد إلى دعم روسي قادر على تعزيز موقع طهران التفاوضي دون التفريط في ثوابتها.

وتؤكد بدفان أن موسكو تتحرك ببراغماتية عالية لإعادة تموضعها في قلب التفاعلات الدولية المرتبطة بالملف الإيراني، مستفيدة من حالة الفراغ النسبي في المبادرة الغربية. وتسعى روسيا، وفق هذا المنظور، إلى أداء دور الوسيط المؤثر في المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، في محاولة لانتزاع زمام المبادرة الدبلوماسية من حلف شمال الأطلسي، الذي لم يتمكن، بحسب تقييمها، من تحقيق اختراقات ملموسة في هذا الملف.

وترى لانا بدفان أن الكرملين يهدف، من خلال هذا الدور، إلى تحقيق مكاسب استراتيجية متعددة، من بينها تعزيز رصيده لدى الإدارة الأمريكية، وفتح قنوات تفاوض غير مباشرة قد تسهم في معالجة ملفات أخرى أكثر تعقيداً، وعلى رأسها الأزمة الأوكرانية. فروسيا، بحسب بدفان، تدرك أن الانخراط الفعّال في هندسة تقارب إيراني-أمريكي قد يمهد الطريق أمام “صفقة كبرى” تشمل تخفيف العقوبات المفروضة عليها، وإعادة ترتيب أولويات الصراع الدولي بما يخدم مصالحها.

وفي سياق متصل، تسلط بدفان الضوء على أهمية الجغرافيا السياسية الخليجية في هذا المشهد، معتبرة أنها تمثل ركيزة أساسية لأي مسار تفاوضي ناجح. وتشير إلى أن روسيا تعي جيدا ثقل هذه المنطقة، سواء من حيث موقعها الاستراتيجي أو دورها في تسهيل قنوات الاتصال بين القوى الدولية. فالعاصمة السعودية الرياض، على سبيل المثال، احتضنت أول اللقاءات بين الوفدين الأمريكي والروسي.

وتضيف لانا بدفان أن توجه موسكو نحو رعاية مسار تفاوضي إيراني-أمريكي، في إطار بيئة إقليمية تتسم بالتهدئة والانفتاح، يهدف إلى خلق مجال حيوي جديد يعزز من حضورها كفاعل رئيسي في معادلات ما بعد التسويات. فروسيا لا تسعى فقط إلى لعب دور الوسيط، بل إلى تثبيت موقعها كضامن للتوازنات الإقليمية، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتشعبة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران ودول الخليج والولايات المتحدة.

وتؤكد بدفان أن هذا الحراك الدبلوماسي يعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي، حيث لم تعد مراكز التأثير محصورة في الغرب، بل باتت تتوزع على قوى متعددة تسعى لإعادة صياغة قواعد اللعبة. وفي هذا الإطار، تبدو موسكو عازمة على استثمار اللحظة الراهنة لإعادة تثبيت نفسها كلاعب محوري، ليس فقط في إدارة الأزمات، بل في صياغة ملامح النظام العالمي القادم.

وفي المقابل يصرّح الباحث السياسي، ديمتري بريجع، لـ”الأيام نيوز” بأن زيارة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى موسكو تعكس بوضوح أن روسيا تتحرك في هذا الملف بوصفها طرفا حليفا موثوقا دون أن تكون منخرطة بشكل كامل أو اندماجي مع الموقف الإيراني، وهو ما يمنحها قدرة على الحفاظ على توازن دقيق بين دعم طهران والاحتفاظ بقنوات مفتوحة مع واشنطن.

ويضيف بريجع أن هذا النمط من التعاطي الروسي يرتكز على معادلة مزدوجة، تقوم من جهة على توفير غطاء سياسي ودبلوماسي لإيران في مواجهة الضغوط الغربية المتصاعدة، ومن جهة أخرى على إبقاء هامش مناورة واسع يسمح لموسكو بالتحرك كوسيط محتمل أو قناة اتصال غير مباشرة مع الولايات المتحدة. وبهذا المعنى، لا تبدو روسيا طرفا منغلقا داخل محور واحد، بل فاعلا براغماتيا يوظف التوازنات الإقليمية والدولية لخدمة مصالحه الاستراتيجية.

ويشير ديمتري إلى أن هذا الدور يمنح موسكو قدرة متزايدة على تحويل التوترات الإيرانية-الغربية إلى أداة نفوذ داخل معادلة أوسع مع الغرب، حيث تصبح الملفات الإقليمية، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، جزءا من شبكة مساومات متعددة المستويات تشمل قضايا الأمن الأوروبي والعقوبات والعلاقات مع الناتو. ووفق هذا التصور، لا تتعامل روسيا مع الأزمة باعتبارها ملفا منفصلا، بل كحلقة ضمن صراع جيوسياسي أشمل.

كما يوضح بريجع أن هذا التموضع الروسي يعكس رغبة واضحة في ترسيخ دورها كقوة لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مستقبلية تخص الشرق الأوسط أو التوازنات الدولية. فموسكو، من خلال هذا النهج، لا تكتفي بدعم حليفها الإيراني، بل تستثمر في نفس الوقت في قدرتها على التأثير في مسار التفاوض بين طهران وواشنطن، بما يعزز من وزنها التفاوضي في ملفات أخرى أكثر حساسية بالنسبة لها.

ويؤكد ديمتري بريجع أن الزيارة، في جوهرها، تكشف عن استراتيجية روسية قائمة على إدارة التناقضات بدل حلها بشكل نهائي، حيث يتم إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، بما يسمح لموسكو بالتحرك كفاعل مرن قادر على تحويل الأزمات الدولية إلى أدوات لتعزيز النفوذ السياسي والدبلوماسي في النظام العالمي القائم.