الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

موسم قياسي لإنتاج الحبوب بالمدية.. كيف تتحول الوفرة الموسمية إلى إنتاج مستدام؟


حققت ولاية المدية رقما قياسيا في إنتاج الحبوب بلغ مليون و300 ألف قنطار خلال موسم 2025-2026، بالتزامن مع تسجيل عدة ولايات، خاصة الهضابية منها، نتائج قياسية أو مرتفعة، في مؤشر يعكس الإمكانيات الإنتاجية التي تزخر بها الجزائر في هذا المجال الاستراتيجي.

ويأتي هذا الاداء ليدعم جهود تعزيز الأمن الغذائي الوطني، ويفتح آفاقا أوسع أمام تقليص الاعتماد على الواردات وترسيخ الاستقلالية الاقتصادية.

في هذا السياق، يؤكد مختصان في الشأن الفلاحي، حاورتهما “الأيام نيوز”، أن هذه النتائج استفادت من الظروف المناخية الملائمة وتوسع المساحات المزروعة وتحسن أداء الفلاحين، مبرزين أن الحفاظ على هذا الزخم وتعميمه وطنيا يرتبطان بتحسين المردودية، وتوفير المدخلات والعتاد في الوقت المناسب، وتوسيع السقي التكميلي، إلى جانب تطوير البذور وتقنيات الزراعة والتخزين والجمع وآليات التمويل والتسويق.

وهي عوامل من شأنها تحويل النتائج القياسية المسجلة هذا الموسم من أداء ظرفي إلى قاعدة إنتاجية أكثر استقرارا، تدعم الأمن الغذائي وتقلص الاعتماد على الواردات وتفتح المجال أمام مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي، يضيف الخبيران.

فمن جانبه، يرى عبد الغني بن علي، خبير في الزراعات الاستراتيجية، أن عدة ولايات تمكنت هذا الموسم من تجاوز أرقامها القياسية، خاصة الولايات الهضابية، مرجعا ذلك بدرجة كبيرة إلى الأمطار التي تميزت بتوزعها الجيد وتزامنها مع المراحل المناسبة لنمو المحاصيل، إلى جانب العمل المتواصل للفلاحين رغم الصعوبات التي واجهوها خلال السنوات الماضية.

نتائج هذا الموسم تفتح الطريق أمام قفزة جديدة في إنتاج الحبوب

وأوضح بن علي أن تدخل الديوان الوطني للحبوب، من خلال تمكين الفلاحين من اقتناء البذور وفق آلية قرض المورد وتأجيل تسديد تكاليفها إلى ما بعد الإنتاج، ساهم في توسيع المساحات المزروعة وتعزيز قدرة عدد من الفلاحين على استرجاع جزء من تكاليفهم، خاصة بعد الخسائر التي تكبدوها في المواسم السابقة.

وأبرز المتحدث أن ولاية المدية تتوفر على مساحات زراعية شاسعة تمتد إلى حدود ولايات الجلفة وتيارت وتيسمسيلت، مشيرا إلى أن استغلال هذه المساحات خلال الموسم الجاري، بالتزامن مع الظروف المناخية الملائمة، ساهم في تحقيق إنتاج وفير تجاوز مليون و300 ألف قنطار.

وأضاف أن النتائج الإيجابية لم تقتصر على المدية، حيث سجلت ولايات مجاورة، على غرار البويرة والجلفة والمسيلة وبرج بوعريريج وتيسمسيلت، مستويات جيدة في إنتاج وتحصيل الحبوب، مبرزا أن هذه النتائج تعكس أثر الدعم الموجه للفلاحين، إلى جانب تطور قدراتهم التقنية وتوسيع المساحات المستغلة.

وفي المقابل، أشار بن علي إلى أن النتائج المحققة كان يمكن أن تكون أفضل لو تم تفعيل آلية قرض المورد في بداية الموسم، موضحا أن التأخر في الاستفادة منها حد من إمكانية توسيع المساحات المزروعة بالشكل المطلوب، رغم توفر الظروف المناخية الملائمة.

وأكد أن تعزيز استدامة الإنتاج يقتضي التوجه بشكل أكبر نحو السقي التكميلي، باعتباره عاملا قادرا على ضمان مردودية أكثر استقرارا وتقليص ارتباط الإنتاج بالتقلبات المطرية، خاصة أن المنطقة المتوسطية أصبحت أكثر عرضة لفترات الجفاف.

وأفاد الخبير في الزراعات الاستراتيجية أن ارتفاع الإنتاج الوطني للحبوب خلال هذا الموسم من شأنه أن يساهم في تحقيق وفورات معتبرة في العملة الصعبة، داعيا في الوقت نفسه إلى مراجعة أنماط استهلاك الحبوب، خاصة ما يتعلق بالخبز الأبيض المصنوع من الفرينة، بما يسمح بالحد من مظاهر التبذير وتقليص فاتورة الاستهلاك.

وأشار بن علي إلى أن الجزائر قادرة على تعزيز إنتاج القمح الصلب، الذي يمتلك إمكانيات كبيرة للتوسع، إلى جانب الشعير الذي تتمتع المناطق الهضابية والسهبية بقدرة معتبرة على إنتاجه.

وفي هذا الإطار، دعا إلى مراجعة سعر اقتناء الشعير، منوّها بأن السعر الحالي المحدد بـ3400 دينار للقنطار لا يغطي بشكل كاف تكاليف الإنتاج، ومقترحا رفعه إلى أكثر من 4500 دينار بما يشجع الفلاحين على زيادة المساحات والإنتاج.

وأكد أن استغلال خصوصية كل منطقة زراعية، من خلال توجيه المناطق السهبية والهضابية أكثر نحو إنتاج الشعير، وتخصيص مناطق أخرى للقمح، يمكن أن يساهم في تحقيق توازن أكبر في الإنتاج الوطني، مشيرا إلى إمكانية تجاوز عتبة 6 ملايين طن من الحبوب خلال السنوات المقبلة، شريطة تضافر الجهود وتعزيز التشاور بين السلطات والمهنيين.

كما شدد محدثنا على ضرورة الاستفادة من نتائج الموسم الحالي والتحضير مبكرا للموسم المقبل، خاصة مع التوقعات بارتفاع أسعار الأسمدة وبعض مستلزمات الإنتاج في الأسواق العالمية، فضلا عن احتمال تسجيل اضطرابات في توزيع بعض المواد، وهو ما قد يؤثر على تكاليف الإنتاج والمردودية.

وفي هذا السياق، دعا المتحدث إلى تعزيز آليات التشاور داخل قطاع الفلاحة، والاستفادة من خبرة المجالس المهنية المنتشرة عبر مختلف ولايات الوطن، مؤكدا أن إشراك المهنيين في صناعة القرار يمكن أن يساهم في تقديم حلول عملية لرفع الإنتاج والمردودية وضمان استدامتهما.

وأضاف أن تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات، خاصة القمح الصلب والشعير، يظل مكسبا مهما يحتاج إلى آليات واضحة للحفاظ عليه وتطويره، محذرا من أن استمرار الاعتماد على الظروف المناخية وحدها قد يجعل الإنتاج عرضة للتذبذب من موسم إلى آخر.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد بن علي على أن الجزائر مطالبة بالانتقال من الاستفادة الظرفية من المواسم المطرية الجيدة إلى بناء منظومة إنتاج أكثر استقرارا، تقوم على السقي التكميلي، ودعم الفلاح، وتحسين آليات التمويل، وتعزيز التشاور مع المهنيين، بما يسمح بتحويل النتائج القياسية المسجلة هذا الموسم إلى قاعدة يمكن البناء عليها لتحقيق مستويات أعلى من الإنتاج وتقليص فاتورة الواردات.

ما حققته ولاية المدية يمكن أن يكون لبنة لقفزة وطنية في إنتاج الحبوب

من جهته، أفاد كريم حسن، رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي، أن النتائج المحققة في ولاية المدية تؤكد وجود إمكانيات حقيقية لرفع الإنتاج الوطني من الحبوب، موضحا أن الوصول إلى مستويات أكبر من الإنتاج يتطلب تعميم العوامل التي ساهمت في تحقيق هذه النتائج، لاسيما تحسين المردودية، وتوفير المدخلات الفلاحية، وتعزيز المكننة، وتطوير وسائل التخزين والجمع.

وأوضح حسن في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الرقم المسجل في المدية لا ينبغي النظر إليه كحصيلة معزولة، وإنما كمؤشر يمكن البناء عليه لتطوير الإنتاج في ولايات أخرى، مشيرا إلى أن استدامة هذا الأداء تستدعي اعتماد رؤية تراعي خصوصية كل منطقة من حيث طبيعة التربة والظروف المناخية وتوفر الموارد المائية.

وأبرز أن تعزيز إنتاج الحبوب يتطلب أيضا مواصلة تطوير البذور المحلية ذات المردودية العالية والقدرة على مقاومة الجفاف، إلى جانب تحسين تقنيات الزراعة والري، وتوفير العتاد الفلاحي في الوقت المناسب، بما يسمح بتقليص خسائر ما بعد الحصاد ورفع إنتاج الهكتار.

وأشار كريم حسن إلى أن تحقيق قفزة وطنية في إنتاج الحبوب لا يرتبط بزيادة المساحات المزروعة فقط، وإنما بتحسين المردودية وتطوير سلسلة الإنتاج كاملة، من البذور والمدخلات إلى الحصاد والتخزين والتسويق، مبرزا أن الاستثمار في البحث العلمي والرقمنة يمكن أن يؤدي دورا مهما في متابعة المحاصيل والتنبؤ بالمردودية وتحسين استعمال الموارد.

وأضاف أن تطوير منظومة التخزين يمثل عاملا أساسيا للحفاظ على الإنتاج المحقق، خاصة مع ارتفاع الكميات المنتجة، مؤكدا ضرورة توسيع قدرات التجميع والتخزين وتحديثها بما يضمن حماية المحاصيل من التلف وتقليص الفاقد بعد الحصاد.

واعتبر أن دعم الفلاحين بآليات تمويل أكثر مرونة، وتطوير الفلاحة التعاقدية، وضمان تسويق الإنتاج، من شأنه أن يمنح المنتجين رؤية أوضح ويشجعهم على توسيع نشاطهم والاستثمار في تحسين المردودية.

وبخصوص إمكانية تحويل نمو إنتاج الحبوب إلى نشاط اقتصادي تنافسي، أكد رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي أن تطوير هذه الشعبة لا ينبغي أن يتوقف عند تلبية الطلب الداخلي، وإنما يتطلب بناء سلسلة قيمة متكاملة قادرة على خلق فائض قابل للتثمين والتصنيع والتصدير، من خلال تحسين الجودة، وتطوير الصناعات التحويلية، وتعزيز تنافسية المنتج الجزائري.

وأضاف أن بلوغ الأسواق الخارجية يمر عبر التحكم في تكاليف الإنتاج، وضمان استقرار الكميات والجودة، وتطوير عمليات التصنيع والتوضيب، إلى جانب دراسة احتياجات الأسواق المستهدفة وبناء شراكات تجارية تسمح للمنتوج الجزائري بالتموقع تدريجيا خارجيا.

خِتاماً، أبرز كريم حسن أن النتيجة المسجلة في المدية يمكن أن تشكل لبنة ضمن رؤية وطنية أوسع، شرط تحويل هذا النجاح من أداء موسمي إلى إنتاج مستدام، وربطه بسياسة متكاملة تشمل الفلاح، والمدخلات، والمكننة، والتخزين، والتصنيع والتسويق، بما يعزز الأمن الغذائي ويفتح المجال أمام بناء قدرة إنتاجية تنافسية.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.
↑