الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

مولود فرعون.. أديب المقاومة وشهيد الكلمة عشية الاستقلال

Author
هارون عمري 15 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تبرز شخصية الكاتب والمفكر مولود فرعون في تاريخ الأدب الجزائري الحديث، كواحدة من أبرز الشخصيات التي جسدت تعقيدات المرحلة الاستعمارية، وعكست التحول العضوي العميق للمثقف نحو الانخراط الفعلي في قضايا أمته المصيرية. سقط فرعون شهيدًا برصاص الغدر قبل أربعة أيام فقط من الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار، الممهد لاستقلال الجزائر، مختتمًا بذلك سيرة حياة حافلة كُرست لتفكيك المنظومة الاستعمارية وبناء هوية وطنية جزائرية أصيلة.

يستعرض هذا المسار الطويل إرثًا أدبيًا غزيرًا وتطورًا سياسيًا عميقًا، حول فرعون إلى رمز خالد من رموز التضحية في سبيل الكلمة الحرة والالتزام الصادق بقضايا الشعوب المقهورة، مؤكّدًا دور الكاتب في توثيق معاناة شعبه وتنوير الأجيال القادمة بحقائق التاريخ المخفية وراء الدعاية الكولونيالية.

مولود فرعون وعائلته

الجذور والنشأة في ظل التهميش الاستعماري

ولد مولود فرعون، واسمه الحقيقي مولود آيت شعبان، في الثامن من مارس عام 1913 في قرية تيزي هيبل الجبلية، التابعة لبلدية آيت محمود بولاية تيزي وزو. نشأ في بيئة ريفية اتسمت بصعوبة العيش والفقر المدقع، وسط ظروف مجتمعية واقتصادية قاهرة سادت بشكل ممنهج في ظل السياسات الاستعمارية الجائرة الممارسة ضد السكان الأصليين بهدف إخضاعهم وتهميشهم.

اقتصرت الخيارات المتاحة أمام الشبان الجزائريين آنذاك على العمل الزراعي والرعوي الشاق في الجبال الوعرة، أو اختيار طريق الهجرة القسرية نحو فرنسا للعمل كعمالة رخيصة في المصانع، تحت ظروف قاسية مجرّدة من أدنى مقوّمات الكرامة والعدالة، جاعلة طفولته المبكرة محطة فاصلة لتشكيل وعي مبكر بحجم المعاناة التي يكابدها بنو جلدته.

التعليم كسلاح لتفكيك الهيمنة وبناء الوعي

أدرك والدا فرعون مبكرًا أهمية التعليم كطوق نجاة وحيد لتجاوز الظروف القاسية المفروضة عليهم. بدأت مسيرته التعليمية في سن السابعة، عندما التحق بمدرسة قرية تاوريرت موسى، كاسرًا بذلك الحواجز البنيوية القوية للحرمان من التعليم المفروضة من المستعمر، ومتميزًا بذكاء حاد وانضباط صارم مكّنه من التفوق الاستثنائي في مساره الدراسي.

انتقل فرعون لاحقًا إلى دار المعلمين العريقة بحي بوزريعة بالعاصمة، متخرجًا بتفوق ليعمل كمعلم مخلص، ثم مدرّسًا، ومديرًا لمدرسة نادور بكلو سلامبييه (المدنية حاليًا)، ثم مفتشًا بارزًا في مراكز التعليم الاجتماعي. استخدم موقعه الوظيفي وتأثيره المهني لنشر الوعي الثقافي وتنوير العقول، وتشجيع العائلات الجزائرية على تدريس أبنائها كفعل مقاوم صامد في وجه الجهل والتخلف المفروض من الإدارة الكولونيالية.

مولود فرعون

التوثيق الأدبي للروح الجزائرية ومقاومة الطمس الثقافي

شكلت أعمال مولود فرعون الأدبية التزامًا وجوديًا وأخلاقيًا واجتماعيًا عميقًا لتوثيق معاناة شعبه المستضعف وحفظ ذاكرته الجماعية الحية من التلاشي في خضم الأحداث السياسية المتسارعة. عكست رواياته المجتمع الأصلي الذي ينتمي إليه بكل جوارحه، مصورة ببراعة لغوية استثنائية وتفاصيل إثنوغرافية دقيقة الحياة اليومية للفلاحين وارتباطهم الروحي والمادي بأرضهم وجبالهم الشامخة.

استخدم فرعون لغة المستعمر الفرنسي ذاتها كأداة استراتيجية وسلاح فكري لإيصال صوت معاناة شعبه المقهور إلى الرأي العام العالمي، وتصحيح المفاهيم المغلوطة المروجة عبر الآلة الدعائية الفرنسية، قاصدًا تعرية العواقب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية الوخيمة للاستعمار وتأثيراته المدمرة على البنية التقليدية للمجتمع الجزائري المتمسك بهويته الأصيلة والمقاوم لمشروع الطمس الثقافي الممنهج.

تُعد رواية ابن الفقير، المنشورة طبعتها الأولى عام 1950، العمل الأيقوني البارز والمنعطف الحاسم لمسيرة فرعون الأدبية، المليئة بالنجاحات والإبداعات المتتالية في عالم الكتابة الفرانكفونية. تعتبر هذه الرواية شبه سيرة ذاتية، تروي بصدق جارح وعاطفة جياشة، من خلال شخصية البطل فورولو منراد، تفاصيل الحياة اليومية الشاقة لعائلة أمازيغية فقيرة، موثقة بدقة التقاليد العريقة والروح المحلية الأصيلة في مواجهة طاحونة التحديث الكولونيالي.

العلاقات الفكرية والالتزام بمسار الثورة

توطدت علاقات فكرية وصداقات عميقة بين فرعون وعدد من كبار الكتاب والمفكرين، أمثال إيمانويل روبليس والفيلسوف ألبير كامو، بدءًا من مراسلاتهم في عام 1951، لتصطدم لاحقًا بصخرة الواقع الاستعماري الدموي والمواقف السياسية المتباينة جذريًا حول الأزمة الجزائرية وطرق معالجتها.

مولود فرعون وألبير كامو

أدرك فرعون من خلال معايشته اليومية للظلم استحالة تحقيق أي إصلاحات هيكلية في ظل النظام الاستعماري، معتبراً إياه نظامًا إقصائيًا بطبيعته، لينخرط بوعي تام في توثيق الحقيقة المرة، منحازًا كليًا لقضية شعبه العادلة وثورته التحريرية، متجاوزًا مرحلة الأمل الخادع في الحوار، وصولًا إلى مرحلة الإدانة الصريحة لوجود الاحتلال على أرضه الطاهرة.

تجلى هذا الموقف في رفضه القاطع لسياسة “سلم الشجعان” المضللة التي طرحها الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول عام 1958، معتبرًا إياها مناورة سياسية وخدعة لتجاوز المطالب الحقيقية للجزائريين في الاستقلال التام، معلقًا بمرارة ووضوح بأن كل شيء قد انتهى وتحطم، مبددًا أي مجال لإصلاح ما أفسدته عقود طويلة من الاستعباد والنهب الاستعماري المستمر.

يوميات الدم والنار ومراكز التعليم الاجتماعي

يمثل كتاب اليوميات الفريد، الذي دون فيه فرعون أفكاره ومشاهداته بين 1 نوفمبر 1955 و14 مارس 1962، وثيقة تاريخية وأدبية بالغة الأهمية، ترصد تفاصيل حرب التحرير الجزائرية من وجهة نظر مدنية مثقفة، موثقًا الممارسات القاسية وحملات التمشيط العنيفة واعتقال الأبرياء، ومسجلًا بشجاعة شهادته الحية على المعاناة اليومية للسكان تحت وطأة الحرب المستعرة.

واصل فرعون دوره كمفتش إقليمي نشط في مراكز التعليم الاجتماعي، المؤسسة عام 1955 لتحسين معدلات القراءة وتوفير الخدمات للسكان الأصليين، محولًا هذه المراكز إلى حاضنات تنويرية حقيقية تمكن الجزائريين من استعادة ثقتهم بأنفسهم، والمساهمة في تكوين النخب الوطنية الشابة القادرة على القيادة ونشر الوعي المدني والسياسي ومحاربة الجهل والفقر والتهميش.

“مجزرة شاتو رويال” وارتقاء شهيد الكلمة

مع اقتراب نهاية الحرب وحلم الاستقلال، برزت منظمة الجيش السري الإرهابية، ضامة ضباطًا متمردين ومستعمرين متعصبين، مستهدفةً منع الاستقلال وإجهاض مسيرة التحرر. صنفت هذه المنظمة مراكز التعليم كحواضن داعمة للوعي الوطني، وأدرجت مفتشيها وكوادرها التربوية، وعلى رأسهم مولود فرعون، ضمن قوائم الاستهداف المباشر.

في صبيحة 15 مارس 1962، اقتحمت مجموعة مسلحة مقر مركز التدريس والتوثيق بمنطقة شاتو رويال في مرتفعات الأبيار بالعاصمة، ونفذت واحدة من أبشع الجرائم السياسية. اختطفت العصابة فرعون وخمسة من زملائه، وأوقفتهم في صف واحد، وأطلقت عليهم زخات كثيفة من الرصاص، ليفارقوا الحياة على الفور، قبل أربعة أيام فقط من توقيع اتفاقيات إيفيان المعلنة لاستقلال الجزائر.

إرث خالد ينتصر على النسيان

رحل الأديب والشهيد مولود فرعون بدمائه الطاهرة، قبل أن يشهد استقلال بلاده، تاركًا للأجيال القادمة خريطة دقيقة للروح الجزائرية والأمازيغية، مؤكّدًا فشل المساعي الاستعمارية الإجرامية. أعماله ويومياته لا تزال حية، شاهدة على جرائم المستعمر وموثقة لمرحلة مفصلية في تاريخ البلاد، محققة الانتصار الأخلاقي للكلمة الحرة على رصاص الغدر.

بقي اسمه عبر الأجيال خالداً، رمزًا للمثقف العضوي الملتزم، المواجه لقسوة الجلاد وغطرسة القوة، صادقًا في كلمته، مخلصًا لوطنه، مقدمًا روحه فداءً لكرامة أمته، ومثبتًا للتاريخ الإنساني كتابة ملاحم الخلود وبناء الأوطان الشامخة، بفضل دماء الشهداء الأبرار، الحبر السري الأبدي الذي يكسر جميع القيود ويرفض الخضوع لغير إرادة أبنائه المخلصين.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"