السبت، 05 سبتمبر 2026 — 21 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

ميخائيل غورباتشوف.. الرّجل الذي أنهى قصة قُوّة عالمية عُظمى

Author
محمد ياسين رحمة 31 أغسطس 2022
X Facebook TikTok Instagram

حفر “الإنسان الأحمر” قبرا للاتحاد السوفياتي، ثمّ أطلق عليه “رصاصة” البيريسترويكا، فعجّل بموته. كان يطمح إلى تعديله وإصلاحه، وإخراجه من النّظام الشمولي، ولكنّ “رصاصته” أعادت تشكيل النظام السّياسي العالمي، وفق توازن جديد للقوى الدولية. أسهم في هدم جدار برلين، وإنهاء الحرب الباردة، ولكنه ترك حلفاءه في مهبّ الاستضعاف، يُواجهون هيمنة غربية لا رادع لها.

نهاية الإنسان الأحمر

بعد صراع طويل مع المرض، توفيّ الرئيس السابق لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية “ميخائيل غورباتشوف” في موسكو، عن عمر ناهز الثانية والتسعين عامًا. موت غورباتشوف هو آخر وداع يتجدّد لـ “الإنسان الأحمر” وللعصر السوفياتي. “نودّع الآن العصر السّوفياتي، نُودّع حياتنا السابقة، وأحاول الإصغاء بنزاهة إلى جميع الاشتراكيين عن المأساة الاشتراكية.. كان لدى الشيوعية خطة جهنمية بإعادة تصنيع الإنسان القديم، آدم العهد القديم، وهذا ما أمكنها تحقيقه.. وربما هو الشيء الوحيد الذي حقّقته. وخلال ما يزيد عن سبعين سنة، في مخابر الماركسية – اللينينية تم تصنيع نموذج إنساني فريد، إنه الإنسان السوفياتي”. هذا المقطع من رواية “نهاية الإنسان الأحمر”، للكاتبة والصحافية البيلاروسية “سفيتلانا اليكسيفيتش”، وهي تندرج في سلسلة رواية “متكاملة” حول الاتحاد السوفياتي، ومنها “أهوال” و”الحرب ليس لها وجه امرأة”. وقد واجهت “سفيتلانا” تهمة “معاداة الروح الوطنية”، غير أنها لقيت الحماية والدّعم من رئيس الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف الذي كان على رأس السلطة آنذاك.

زعيمُ انهيار قوة عالمية عظمى

أثار موت “غورباتشوف” ردود فعل عالمية، تميّزت بـ “الثّناء” الغربي على “جيمي كارتر الروسي”، كما وصفته مجلة نيوزويك الأمريكية، وقد جاء فيها “أيضا “يتذكّر زعماء العالم والمُعلّقون ميخائيل غورباتشوف على أنه رجل دولة شجاع أنهى الحرب الباردة بسلام وكذلك لأنه ترأس انهيار قوة عالمية عظمى”، وأضافت “تدفّقت ذكريات غورباتشوف، في أعقاب الأخبار التي تفيد بوفاة آخر زعيم للاتحاد السوفيتي، يوم الثلاثاء عن عمر يناهز 91 عامًا. سعى غورباتشوف إلى تحسين العلاقات مع الغرب والمزيد من الحرية الاقتصادية والسياسية في الاتحاد السوفيتي، حيث شهد في النهاية تفككه في عام 1991. إرثُ زعيم العالم نظرةٌ جديدةُ مع عودة التوترات بين روسيا والغرب”. وذكّرت المجلّة بالمفاوضات التي أجراها غورباتشوف مع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان من أجل معاهدة خفض مخزونات الأسلحة النووية في روسيا وأمريكا، وأيضا عن “الدور الرائد الذي لعبه في التغييرات الجذرية في العلاقات بين الشرق والغرب” الذي قاده إلى نيل جائزة نوبل للسلام عام 1990.

الغرب يُغرّد لموت الزّعيم

نشر المعلق والصحفي المخضرم “دان راثر” تغريدة تويتر: “عند نقاط الانعطاف في التاريخ، ينهض بعض القادة، والبعض الآخر يتعثر”. وأضاف: “ميخائيل غورباتشوف، الذي وافته المنية.. نهض ليجعل عالمنا أكثر أمانًا. لم يكن كاملاً، مثلنا جميعًا. لكن كانت لديه رؤية للاستقرار فوق الفوضى وفي النهاية الحرية ضد القمع. نحن بحاجة إلى المزيد من ذلك”.

من جهته غرّد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون: “لطالما أعجبت بالشجاعة والنزاهة التي أظهرها في وصول الحرب الباردة إلى نهاية سلمية”، وأضاف، مشيرًا إلى روسيا “بوتين” في حربها ضد أوكرانيا، إن “التزام غورباتشوف الدؤوب بانفتاح المجتمع السوفيتي يظل مثالًا لنا جميعًا”.

أمّا رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين”، فغرّدت قائلة: “ميخائيل غورباتشوف كان زعيما موثوقا ومحترما”، وأضافت: “لقد لعب دورًا حاسمًا في إنهاء الحرب الباردة وإسقاط الستار الحديدي. لقد فتح الطريق لأوروبا حرة. هذا الإرث لن ننساه”. من جانبه، غرّد المُمثّل وحاكم كاليفورنيا السابق أرنولد شوارزنيغر: “يمكننا جميعًا التعلم من حياته الرائعة”.

“بيتزا غورباتشوف” في موسكو

من طريف ما كتبته مجلة نيوزويك أن نبأ وفاة “ميخائيل غورباتشوف” دفعت بمُغرّدين في تويتر إلى إعادة نشر الإعلان التّجاري، الذي صوّره عن “بيتزا هت” بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بست سنوات. كتبت المجلة: “بعد ست سنوات في عام 1997، صوَّر غورباتشوف إعلانًا تجاريًا لبيتزا هت تم بثه دوليًا، ولكن ليس في روسيا، حيث ظل غير محبوب لسنوات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي”.

تقول المجلة: “في الإعلان التجاري، الذي يقام في الميدان الأحمر في موسكو، شُوهد غورباتشوف وهو يدخل مطعم بيتزا هت، وسرعان ما لاحظ رُوّاد المطعم وصول الزعيم السابق. يتجادل اثنان من رُوّاد المطعم، حول ما إذا كانت فترة ولايته قد جعلت الاتحاد السوفياتي في وضع أفضل أم لا؟ يقول أحدهما إنه منحهم الفرصة والحرية، بينما يقول الآخر بأنه أعطاهم الارتباك الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي. ومع ذلك، يُقاطع ثالثٌ قائلاً: بسببه، لدينا أشياء كثيرة، مثل بيتزا هت. سمح الإعلان لرواد المطعم بإيجاد مدح مشترك لغورباتشوف، حيث يتفقون جميعًا من خلال التصريح: السلام على غورباتشوف”.

تضيف نيوزويك: “ساعدت سياسات غورباتشوف بشكل أساسي على فتح الباب أمام المطاعم الغربية، مثل بيتزا هت، لفتحها في روسيا. تم افتتاح أول بيتزا هت في موسكو عام 1990. ووسط (الغزو) الروسي لأوكرانيا، انضمت بيتزا هت إلى العديد من الشركات الغربية الأخرى في تعليق عملياتها في البلاد. قال صديق مقرب له في جويلية / يوليو الماضي، إن غورباتشوف شعر في السّر بأن الحرب أفسدت حياته”.

غورباتشوف.. من الميلاد إلى انهيار الاتحاد

وُلد ميخائيل غورباتشوف سيرجيفيش في 02 مارس 1931 في القرية الريفية برايفولنواي التي تبعد عن مركز مدينة ستافروبول بحوالي 175 كلم، وتقع بإقليم القوقاز. وهو ينتمي إلى عائلة فلاحية متوسّطة، كانت تعيش في مزل صغير من ثلاث غرف ومطبخ صغير.

التحق بجامعة موسكو في عام 1950، وبعد تخرّجه من كلية الحقوق، عمل لفترة قصيرة في مكتب المدعي العام لإقليم ستافروبول، ثم انتقل إلى منظمات كومسومول المحلية، حيث بدأ في بناء حياته المهنية. بحلول عام 1962 ترأس كومسومول الإقليمية. في العام نفسه، عُرض عليه الذهاب إلى العمل الحزبي “بعد انتخابي سكرتيرًا أول للجنة الإقليمية لكومسومول وعضوًا مرشحًا لمكتب اللجنة الإقليمية للحزب، بدأتُ الآن في القيام بالمزيد والمزيد من العمل الحزبي: رحلات إلى المناطق، والمشاركة في إعداد القرارات، والمناقشات في الجلسات العامة والأصول المختلفة “، كما كتب عن نفسه. وبحلول عام 1970 التقى يوري أندروبوف، رئيس الكي جي بي، آنذاك، ومن هنا بدأ مجرى الحياة السياسية لغورباتشوف يتغيّر، فقد “شعر بثقة ودعم القائد”.

الأمين العام للحزب الشيوعي

في عام 1978، عُرض على غورباتشوف أن يصبح سكرتيرًا للجنة المركزية للحزب الشيوعي، أعلى هيئة حزبية. بعد ذلك بعامين انضم إلى المكتب السياسي للجنة المركزية. تولى غورباتشوف مهّام الأمين العام للحزب في عام 1985 بعد وفاة سلفه قسطنطين تشيرنينكو. يقول غورباتشوف: “بدأت الجلسة الكاملة في الساعة الخامسة صباحًا، وشعرت على الفور بجو من الدعم الكامل، والذي أصبح أكثر رسوخًا تحت تأثير خطاب أندري جروميكو، رئيس وزارة خارجية الاتحاد السوفيتي، الذي، نيابة عن المكتب السياسي، اقترح ترشيحي لمنصب السكرتير العام للجنة المركزية.. بالإضافة إلى ذلك، أعجب المواطنون بطريقتي في التحدث بدون نص مُعد مسبقًا، بدون قطعة من الورق”.

بداية البيريسترويكا

أعلن غورباتشوف، بعد أن تولى منصب الأمين العام، عن بداية البيريسترويكا، وهي مسار سياسي واقتصادي جديد، مما يعني الخروج من النظام الشمولي. يروي غورباتشوف : “كانت الغلاسنوست أحد رموز تلك السنوات، وكانت تهدف إلى زيادة انفتاح الدولة والمجتمع. وحتى قبل التوقيع على القرار، تم إيقاف محطات الإذاعة الأجنبية “أون غلاسنوست” في البلاد. في عام 1986، تمت إعادة الأكاديمي أندريه ساخاروف من المنفى، تم إرسال هذا العالم والمنشق دون محاكمة إلى مدينة غوركي (نيجني نوفغورود حاليًا) في عام 1980″. وفي عام 1990، ألغى غورباتشوف قانون الصحافة رقابة الدولة.

سقوط جدار برلين

عقد غورباتشوف اجتماعات نشطة مع القادة الغربيين. ونتيجة للمفاوضات مع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في عام 1989، انتهت الحرب الباردة فعليًا. أعلن غورباتشوف أن الاتحاد السوفيتي مُستعد لعدم اعتبار الولايات المتحدة الأمريكية خصمًا عسكريًا، وتبع ذلك بيان مماثل من البيت الأبيض. قبل وقت قصير من الاجتماع بين زعماء الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، سقط جدار برلين، الذي كان يفصل الحدود المادية بين جمهورية ألمانيا الاتحادية وألمانيا الشرقية بين برلين الغربية والشرقية منذ عام 1961، وتم هدم الجدار أخيرًا في عام 1990.

يُوضّح غورباتشوف: “بعد أن التقينا بالرئيس بوش في مالطا، بعد شهر من سقوط الجدار، اتفقنا أيضًا على السلوك المشترك بشأن القضية الألمانية. وبسقوط جدار برلين، تم الإعلان رسميا عن انتهاء الحرب الباردة”. ويقول عن الجدار: “لقد كان تشكيلًا مصطنعًا، من بنات أفكار الحرب الباردة، الخطأ الأكثر مأساوية الذي سمحت به الدول التي هزمت الفاشية بعد هذه الحرب”.

أزمة خمور.. وعنب

تم انتقاد غورباتشوف للتدابير المتخذة في الاقتصاد. كما أن استياء المواطنين كان سببه السياسة الغامضة لمكافحة شرب الخمر. قال غورباتشوف: “الشرب في تلك السنوات جلب الكثير من الأخطار. شربوا في كل مكان.. الرسائل الغاضبة (افعل شيئًا على الأقل)، حتى ليونيد إيليتش، الذي كان هو نفسه يحب الشرب، أعطى تعليمات لإيجاد مخرج، وكيفية إنقاذ المجتمع من تعاطي الخمور بشكل مُبالغ فيه”. وأضاف: “كنا بصدد اتخاذ تدابير: تنظيم الأسعار، والتشكيلة الحكومية.. الجميع شربوا الفودكا فقط، ولم يكن هناك نبيذ تقريبًا، حتى البيرة.. كان إيجور كوزميتش مسؤولاً عن تنفيذ الخطة، وهو سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. لقد أخفقوا! كان الأمر يتعلق باستبدال أصناف النبيذ (من العنب الخمر) بأصناف من عنب المائدة. وقلبوا كل شيء رأساً على عقب، يا للغباء. لم أعط الضوء الأخضر لقطع الكروم”.

مجتمع لم يتعرّف على نفسه في “مرآة” الإصلاحات

في عام 1990، حصل ميخائيل غورباتشوف على جائزة نوبل للسلام لدوره في عملية السلام على الساحة الدولية. وقال غورباتشوف بهذا الخصوص “إنني أرى قرار لجنتكم بمثابة اعتراف بالأهمية الدولية الهائلة للتغييرات التي تحدث في الاتحاد السوفيتي. كثقة في سياستنا الخاصة بالتفكير الجديد، والتي تقوم على الاقتناع بأنه في نهاية القرن العشرين، سيتعيّن على القوة والأسلحة إفساح المجال بجدية إلى الحكمة السياسية باعتبارها الرافعة الرئيسية للسياسة العالمية”.

أشار غورباتشوف، في محاضرة نوبل في أوسلو عام 1991، إلى المشاكل الداخلية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية: “خلال ست سنوات، نبذنا أو دمرنا الكثير مما يقف في طريق تجديد المجتمع وتغييره. لكن عندما نال المجتمع الحرية، فقد عاش لفترة طويلة كما لو كان في “مرآة”، لم يتعرف على نفسه. واندلعت التناقضات والرذائل، حتى سفك الدماء. على الرغم من أن البلاد تمكنت من الابتعاد عن الدماء الكبيرة. منطق الاصلاحات اصطدم بمنطق الرفض ومع منطق نفاد الصبر الذي يتحول الى تعصب”.

نهاية بداية مشروع الإصلاح

غادر غورباتشوف رئاسة الاتحاد السوفياتي في ديسمبر 1991 بعد تشكيل رابطة الدول المستقلة والأحداث التي أدت إلى ذلك. في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، تصاعد الوضع في جمهوريات الاتحاد، وحدثت مظاهرات حاشدة، واستخدمت السلطات القوة العسكرية في أبريل 1991. وافق غورباتشوف وقادة عشر جمهوريات على تطوير معاهدة اتحاد جديدة. وفي أوت /أغسطس، عشية التوقيع على الوثيقة، أعلن العديد من كبار المسؤولين من الدائرة الداخلية للرئيس، عن إنشاء لجنة الدولة لحالة الطوارئ، التي طالبت بحالة الطوارئ في البلاد، أو النقل المؤقت للسلطة إلى نائب الرئيس جينادي يانايف، ورفض غورباتشوف، الذي كان قد بدأ في إعداد مشروع إصلاح لنظام الدولة.

لا اتّحاد بعد غورباتشوف

في 25 ديسمبر 1991، أعلن ميخائيل غورباتشوف استقالته من الرئاسة في خطاب موجه إلى المواطنين: “بسبب الوضع الحالي مع تشكيل كومنولث الدول المستقلة، أوقف أنشطتي كرئيس لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. أنا أتّخذُ هذا القرار على أسس مبدئية. لقد دافعت بحزم عن استقلال الشعوب وسيادة الجمهوريات، لكن في الوقت نفسه، من أجل الحفاظ على سلامة البلاد. اتخذت الأحداث مسارًا مختلفًا. لقد ساد الخط الخاص بتقطيع أوصال البلاد وفصل الدولة، والذي لا يمكنني الموافقة عليه”.

مائة قومية في اتحاد

يُذكر بأن الاتحاد السوفياتي هو الاسم المُختصر لـ “اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية”، نشأ بين مجموعة من القوميات التي تنتمي إلى الرقعة الجغرافية نفسها، وذلك بعد الثورة البلشفية، وقد ضمّ خمسة عشر جمهورية سوفياتية اشتراكية، يقوم اتحادها على النظام الاقتصادي الاشتراكي، ونظامها السياسي شيوعيٌّ يقوم على الأحادية الحزبية.

انعقد المؤتمر الأول للعموم السوفياتي في الثلاثين ديسمبر 1922 حيث درس تكوين الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية، وقد ضمّ أكثر من مائة قومية، و85 لغة رسمية.