الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

نحو مؤسسة وطنية تحفظ ذاكرة الأرض الجزائرية.. المتحف الوطني الكبير للتاريخ الطبيعي على طاولة الحكومة

Author
ربيعة خطاب 02 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يتجه مشروع إنشاء المتحف الوطني الكبير للتاريخ الطبيعي في الجزائر، إلى احتلال موقع متقدم ضمن المشاريع الثقافية والعلمية التي تراهن عليها الدولة في المرحلة المقبلة، في ظل ما يحمله من أبعاد تتصل بحماية التراث الطبيعي، وتطوير البحث العلمي، وتعزيز الثقافة البيئية، وترقية جاذبية الجزائر بوصفها وجهة علمية وثقافية وسياحية.

وفي هذا الإطار، ترأس الوزير الأول، سيفي غريب، أمس الأربعاء، اجتماعا للحكومة خصص لدراسة مشروع إنشاء المتحف الوطني الكبير للتاريخ الطبيعي في الجزائر، إلى جانب الاستماع إلى عرض حول ترقية المقاولاتية في وسط التكوين المهني. وأوضح بيان لمصالح الوزير الأول أن الحكومة درست مشروع إنشاء هذا الصرح الوطني، الذي “يهدف إلى صون وتثمين التراث الطبيعي الوطني وحماية التنوع البيولوجي ودعم البحث العلمي، وتعزيز مكانة الجزائر كوجهة علمية وثقافية وسياحية”، في سياق التوجه نحو تعزيز المؤسسات العلمية والثقافية ذات البعد الاستراتيجي.

وأبرز البيان أن هذا المشروع يُنتظر منه أن يحدث “نقلة نوعية في تسيير الإرث الطبيعي الوطني، من خلال توفير بنية تحتية عصرية، تعنى بجمع المقتنيات الوطنية للتاريخ الطبيعي وحفظها وتوثيقها، وضمان نقل هذا التراث للأجيال القادمة، في إطار تجسيد التزامات بلادنا في مجال حماية البيئة والتنمية المستدامة”، إلى جانب توفير فضاء علمي قادر على احتضان الأنشطة البحثية والتثقيفية المتخصصة.

وتنسجم هذه الأهداف مع الرؤية التي طرحها الباحث في التاريخ والتراث عبد الباقي سيد عبد الهادي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إذ يعتبر أن المشروع يتجاوز فكرة إنشاء فضاء جديد للعرض، لأنه يؤسس لصرح وطني ذي وظائف علمية وثقافية وبحثية متكاملة، وقادرا على أداء دور محوري في صون الذاكرة الطبيعية للبلاد وتعزيز البحث العلمي وترسيخ الثقافة البيئية، والمساهمة في بناء وعي مجتمعي أكثر ارتباطا بقضايا البيئة والتراث الطبيعي.

مؤسسة وطنية لتوثيق الثروة الطبيعية وصونها للأجيال

ويربط الباحث أهمية المشروع بطبيعة الثروة الطبيعية التي تتمتع بها الجزائر، انطلاقا من احتضانها تنوعا بيولوجيا وجيولوجيا استثنائيا يمتد من السواحل المتوسطية إلى الصحراء الكبرى، ويشمل آلاف الأنواع النباتية والحيوانية، إلى جانب مواقع أحفورية وجيولوجية ذات قيمة علمية عالمية. ويعتبر أن هذا الثراء الطبيعي يفرض وجود مؤسسة وطنية متخصصة تتولى توثيق هذا الإرث وصيانته وفق المعايير الدولية، بما يضمن حمايته وتثمينه وإدماجه في المسارات العلمية والثقافية والتنموية، وتحويله إلى رصيد معرفي قابل للاستثمار في مجالات البحث والتكوين والتوعية.

عبد الباقي سيد عبد الهادي، باحث في التاريخ والتراث

وتتجلى أهمية الوظيفة العلمية للمتحف من خلال الأدوار المنتظر أن يضطلع بها في مجال البحث العلمي. ويرى عبد الباقي سيد عبد الهادي أن المشروع سيسهم في إنشاء مرجع وطني للعينات الطبيعية يضم النباتات والحيوانات والصخور والأحافير والموارد الجيولوجية، الأمر الذي يتيح للباحثين والجامعات ومراكز البحث الوصول إلى قواعد بيانات وعينات موثقة تدعم الدراسات المتعلقة بالتنوع البيولوجي والتغيرات المناخية والبيئة والجيولوجيا وعلم الحفريات، وتساعد على تطوير مشاريع بحثية أكثر دقة وشمولا.

ويعتقد الباحث أن هذا التوجه يفتح المجال أمام تطوير بحوث متعددة التخصصات وبناء شراكات مع المتاحف والمؤسسات العلمية الدولية، بما يعزز حضور الجزائر في ميادين البحث العلمي المرتبطة بالتراث الطبيعي، ويمنح المؤسسات الجامعية ومراكز البحث أدوات جديدة لتطوير المعرفة العلمية وإنتاج الدراسات المتخصصة وتوسيع آفاق التعاون الأكاديمي وتبادل الخبرات العلمية.

ويمتد دور المتحف، وفق هذا التصور، إلى مجال حفظ التراث الطبيعي وصيانته. ويلفت الباحث إلى أن المشروع سيؤدي وظيفة أساسية في حماية العينات النادرة والمهددة بالاندثار، سواء كانت نباتية أو حيوانية أو جيولوجية، عبر اعتماد تقنيات حديثة في الحفظ والصيانة والتوثيق الرقمي، إلى جانب جمع المقتنيات العلمية الموزعة بين عدد من المؤسسات وتوحيدها ضمن إطار وطني واحد يضمن استدامتها ويحافظ على قيمتها العلمية ويجعلها متاحة للأجيال المقبلة ولأغراض البحث والدراسة والتكوين المتخصص.

ويتوقف عبد الباقي سيد عبد الهادي أيضا عند البعد الثقافي والتربوي للمشروع، إذ يرى أن المتحف سيشكل فضاء لنشر الثقافة العلمية لدى مختلف فئات المجتمع، لا سيما الأطفال والشباب، من خلال تنظيم معارض دائمة وأخرى مؤقتة وورشات تعليمية وبرامج تفاعلية تعرف الزوار بتاريخ الأرض والتطور الطبيعي والتنوع البيئي في الجزائر، وتشجع الاهتمام بالمعرفة العلمية وبأهمية حماية الموارد الطبيعية والمحافظة عليها.

ويمنح هذا الدور التوعوي للمتحف أهمية إضافية في ظل التحديات البيئية التي يواجهها العالم، لأن ترسيخ ثقافة المحافظة على الموارد الطبيعية وتعزيز الوعي بأهمية التنمية المستدامة أصبحا من القضايا التي تستدعي أدوات جديدة للتربية والتثقيف والتواصل العلمي مع المجتمع، خاصة في أوساط الأجيال الصاعدة ومختلف الفئات الاجتماعية، وهي وظائف ينتظر أن يؤديها المتحف ضمن مقاربة تجمع بين المعرفة العلمية والتوعية البيئية.

ولا تقتصر القيمة المنتظرة من هذا الصرح على الوظائف العلمية والثقافية، بل تشمل أيضا المجال السياحي. ويرجح الباحث أن يتحول المتحف إلى وجهة علمية وثقافية تستقطب الزوار والباحثين من داخل الجزائر وخارجها، وتشجع أيضا تنظيم التظاهرات العلمية والبرامج الثقافية المتخصصة، الأمر الذي قد يمنح السياحة الثقافية والعلمية دفعة جديدة ويعزز صورة الجزائر باعتبارها بلدا يمتلك إرثا طبيعيا غنيا يستحق الاكتشاف والتثمين.

من حفظ المقتنيات إلى صناعة المعرفة وتثمين التراث

وتنسجم هذه الرؤية مع ما جاء في بيان مصالح الوزير الأول، الذي وضع تعزيز مكانة الجزائر كوجهة علمية وثقافية وسياحية ضمن الأهداف الرئيسية للمشروع، في إشارة إلى أن المتحف لا يقتصر دوره على حفظ المقتنيات الطبيعية، بل يندرج ضمن رؤية أشمل تستهدف تحويل التراث الطبيعي إلى عنصر فاعل في التنمية العلمية والثقافية والسياحية وفي دعم الإشعاع الحضاري والعلمي للجزائر.

ويربط الباحث نجاح المشروع بجملة من الشروط الأساسية، في مقدمتها توفير كفاءات علمية متخصصة في علوم المتاحف والبيولوجيا والجيولوجيا والترميم، ورصد ميزانيات دائمة للبحث والصيانة، واعتماد الرقمنة في إدارة المجموعات العلمية، إلى جانب ربط المتحف بشبكات التعاون الدولية وتطوير برامج للتكوين المستمر وتبادل الخبرات.

ويرى أن توافر هذه العناصر سيحول المتحف إلى مركز وطني للإنتاج المعرفي والابتكار العلمي، ويمنحه القدرة على تجاوز الوظيفة التقليدية المرتبطة بعرض المقتنيات، ليصبح فضاء للتوثيق والبحث والتكوين وتبادل الخبرات والانفتاح على التجارب الدولية في مجال حفظ التراث الطبيعي وإدارته وتطوير أساليب تثمينه واستثماره في المجالات العلمية والثقافية.

ويخلص عبد الباقي سيد عبد الهادي إلى أن المتحف الوطني الكبير للتاريخ الطبيعي “ليس مجرد مشروع عمراني أو ثقافي، بل هو استثمار طويل المدى في المعرفة والهوية والبحث العلمي، ومنصة وطنية لحفظ التراث الطبيعي وتثمينه، وجسر يربط بين العلماء والطلبة والجمهور”، ويفتح في الوقت نفسه آفاقا جديدة لنشر الثقافة العلمية وتعزيز الاهتمام بالتراث الطبيعي الوطني. وهي أدوار تتوافق مع التوجه الذي أعلنه بيان مصالح الوزير الأول، والذي يراهن على هذا المشروع من أجل إحداث نقلة نوعية في تسيير الإرث الطبيعي الوطني وترسيخ التزامات الجزائر في مجالي حماية البيئة والتنمية المستدامة، إلى جانب بناء صرح علمي وثقافي قادر على صون الذاكرة الطبيعية للبلاد ووضعها في خدمة النهضة العلمية والثقافية والتنموية ودعم جهود البحث والتكوين والتوعية البيئية على المدى البعيد.