السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

نحو مجتمع أكثر استقرارًا.. دور التربية والتوجيه في بناء علاقات زوجية صحية

Author
رقية بامون 25 ديسمبر 2024
X Facebook TikTok Instagram

الطلاق هو فك رباط لميثاق غليظ أي حالة انفصال بين الزوج والزوجة بعد مدة زمنية من الزواج الذي ربط بينهما منذ لحظة عقد القران، ليجمعهما بيت واحد وأهداف وغايات واحدة يسعيان لتحقيقها تحت إطار هذا الرباط إلى أن يقطع الأخير بالطلاق.

والطلاق كما هو معروف منذ الأزل هو تدمير للرباط المقدس القائم بين الطرفين ومفكك للأسرة المترابطة ومضيع للأبناء، فهو من المشاكل الكبيرة المهددة للمجتمع وللأمان النفسي للطفل والفرد عموما، حيث تتفاقم المشاكل ويظهر الحقد والكره فتستحيل الحياة في ظل هذا وذاك ما يؤثر سلبا على كل الأفراد بدء بالأطفال الذين يضيعون بين الأب والأم ما يؤدي إلى اضطرابات نفسية قد يعانون منها؛ تظهر في انخفاض مستواهم الدراسي، في علاقاتهم بأقرانهم، تدميرهم لذواتهم بالولوج إلى عالم الانحراف والمخدرات. إلخ، وهو ما ينعكس سلبا على صورتهم في المجتمع وعلى مستقبلهم، كما أن الزوجة تعيش ضغوطا جراء رؤيتها بصورة سيئة من المحيط كون الطلاق وصمة عار عند الغالبية، ويقع الأثر النفسي على الزوج خاصة عند تحمل مسؤولية الأطفال وحضانتهم والإنفاق عليهم ويقع عليه أكثر فأكثر حينما يرتبط مرة أخرى وينجب أطفالا آخرين.

ولا يزال المجتمع الجزائري يعاني مثل غيره من المجتمعات الأخرى من مشكلة الطلاق باختلاف مدة زواج أصحابها، وهذا أسباب عدة حسب الدراسات النفسية والاجتماعية أبرزها: العنف الأسري، عدم تحمل الزوج للمسؤولية، إهمال الزوجة، تدخل الأهل… إلخ. لكن كان الانفصال الحل الأخير الذي يأتي بعد محاولات عدة وبعد التوصية بالصبر وربما بعد صراعات طويلة وأمراض جسدية نتيجة ما سبق وبعد تعب أهل الزوجين سعيا للحفاظ على زواجهما، ثم يلجأ الطرفين إلى الطلاق. غير أن التطور التكنولوجي المتسارع سرعة الأيام وتغير القيم والظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي عرفها العالم مؤخرا والتي أثرت على المجتمع الجزائري ما أدخل معايير جديدة للعلاقة، بدأنا نلاحظ ظاهرة جديدة وبقوة وبنسب تتزايد كل سنة ألا وهي ظاهرة الطلاق المبكر بين الشباب، وهو الذي يحدث في أول خمس سنوات من الزواج، ويتجلى في كل طبقات المجتمع دون استثناء.

ومن منطلق دراسات الباحثين في الجانب النفسي والاجتماعي نرجع إلى التطورات الحاصلة على مستوى جميع الأصعدة السالفة الذكر جعلت المفاهيم والغايات تتغير لدى المرأة والرجل والتي هي من بين أهم أسباب هذه الظاهرة، حيث أن اهتمام المرأة كثيرا بالتعلم ودخولها عالم الشغل وتمكنها من مناصب مرموقة جعل مجال إدراكها وفهمها لواقعها ونفسها يتسع أكثر لتصبح أكثر استقلالية وأكثر حرية وأكثر تفكيرا في المساواة والتطلع لوضع اقتصادي ومعيشي أفضل، ومع تزايد فكر النسوية تم تعزيز كل هذا لدى المرأة ما جعل دورها يتغير، فتتعامل مع الرجل “الند بالند”، فتظهر استغناءها واستقلاليتها المادية عنه والاكتفاء بذاتها، وهو عكس ما يتناغم مع التكوين النفسي للرجل ما ينتج لنا مشاكل في التواصل والحوار وحل النزاعات.

ومع تأزم ظاهرة الطلاق المبكر بين الشباب لتصل إلى طلاق خلال أشهر فقط أو أسبوع من الزواج أو أقل حسب الإحصائيات والتي بلغت 240 حالة طلاق يوميًا في سنة 2024، نتحدث هنا عن خلل في التكوين النفسي والنضوج العقلي وكمال الشخصية من عدمها لدى الطرفين بالعودة إلى تنشئتهما، حيث إن الأسرة الجزائرية تكاد لا تنمي لدى ابنها إلا السعي لكسب المال وأفكار السيطرة والتحكم من أجل إخضاع الزوجة التي تشبعت بالصفات المذكورة سابقا، أما ابنتها فتوصيها بتعلم أساسيات الطبخ والجمال والسعي وراء الموضة والزواج دون أن يفهم كلاهما ما معنى هذا الأخير وما غايته، حيث أنه لبنة وميثاق غليظ يحتاج إلى النضج العقلي وسلامة التكوين النفسي، بالإضافة إلى وجوب تمتع كل منهما بالأخلاق، الاحترام، التقدير، الصبر، الفهم، التفهم، التسامح والتضحية، كما ويجب لهما التحلي بروح المسؤولية ومهارات التواصل والحوار والأدب، وكذا تعزيز المفهوم الديني والاجتماعي للزواج.

إذن فإن غياب دور الأسرة والوالدين والمجتمع في تنشئة جيل يعي جيدا معنى هذه العلاقة الزوجية تعطي لنا أفرادا ينهلون من مواقع التواصل الاجتماعي ومن المؤثرين قيم ومبادئ وأساسيات خاطئة للحياة ما ينتج لنا امرأة ورجل يعانون من هشاشة نفسية وقدرات عقلية محدودة تجعلهم ينفجرون من أول مشكل يواجههم، كذلك جعلهم المثالية الموجودة في العالم الافتراضي محكا لحياتهم يجعل التكامل والتوافق النفسي بينهما مستحيلا، وينسلخون من الأمور المعنوية إلى الأمور المادية البحتة فلا تجد المودة والرحمة سبيلا إلى ميثاقهما الغليظ، بالإضافة إلى استعراض هؤلاء المؤثرين لقصص طلاقهم بصورة تهين الموضوع بعدما كانت المسلسلات ذات الثقافة الغربية هي الطاغية والمسبب الأول للطلاق في أوساط الشباب المتزوجين حديثا.

دون أن ننسى الإشارة إلى زواج المراهقين الذين لم يبلغوا سن الرشد بعد، حيث يتعاملون مع الزواج على أنه تجربة تعليمية غير واعية وليس مشروعا مقدسا ذا مغزى ديني، نفسي واجتماعي، كما ويتم تزويج بعض البطالين المنحرفين ظنا منهم أن الزواج مصحة علاجية ومؤسسة إصلاحية في حين أنه غير ذلك تماما، وهذا من الأخطاء الشائعة في أوساط الأسر الجزائرية.

وفي الختام، نشير إلى أهم ما يجب القيام به لتكوين شباب وشابات بالغين وناضجين للوقاية من انتشار الطلاق المبكر لدى الشباب، حيث نؤكد على ضرورة تعليم الأبناء وتثقيفهم منذ الصغر على أن العلم سلاح ذو حدين، فيجب الاستفادة منه لما ينفع الزواج لا لما يضره، تنشئة الطرفين منذ الصغر على الذكاء العاطفي ليتعلموا حل المشاكل وكيفية التعامل مع الصراعات بالإضافة إلى تعليمهم فن الحوار وأنماط الاتصال ليتواصلا على أساس أنهما فردان يكمل أحدهما الآخر، ويحتاجان لبعضهما لا غير.

كما لا ننسى تنمية الوازع الديني داخل كل منهما حتى يعرفا معنى المودة والرحمة والميثاق الغليظ، أيضا تعزيز أواصر المحبة والرحمة والحوار بين الوالدين وكل أفراد الأسرة الصغيرة أو الكبيرة حتى ينشأ الزوجين على نماذج تساعد على بناء علاقات زوجية صحية في المستقبل كون الأسرة صلاحها من صلاح المجتمع وهي من لبناته، فعلى المجتمع أن يسخر كل مؤسساته للتوعية والتثقيف النفسي والصحي حتى يقتدي الزوجان بالواقع وليس بالمواقع وكذا يوفر مختصين نفسانيين واجتماعيين لحل المشاكل تفاديا للطلاق وتبعاته.