الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
ثقافة

ندوة أدبية في مصر حول الأدب النسائي في السعودية والجزائر.. رؤية نقدية في المجموعة القصصية “حريم زحل” للأديبة الجزائرية د. زينب لوت


ندوة لجنة العلاقات الخارجية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، بعنوان: الأدب النسائي في السعودية والجزائر، سعاد عسيري ود. زينب لوت أنموذجا. مساء الأربعاء 28 من يناير/ جانفي 2026.

“حريم زحل” مجموعة قصصية تشكيلية للأديبة والناقدة الجزائرية الدكتورة زينب لوت، تتكون من قصص قصيرة ورمزية تستعرض مجموعة من القضايا الإنسانية والاجتماعية التي تركز بشكل خاص على معاناة المرأة وصراعها مع التهميش والقهر، وتتنوع موضوعات القصص بين جدلية الموت والحياة، وألم الفراق، وخيبات الحب، ومرارة الغربة، مصحوبة بلوحات فنية تعزز البعد البصري للنصوص.

وتستخدم المؤلفة لغة تصويرية بليغة لاستنطاق الذاكرة والوجع الساكن في عتمة الروح، محاولةً منحَ صوتٍ لمَنْ سلبهم المجتمع حق التعبير.

وتجمع القصص بين الواقعية والرمزية لتجسيد تناقضات الوجود البشري والبحث الدائم عن الحرية والهوية وسط عالم مليء بالانكسارات.

وتعكس القصص التشكيلية، تقاطعا عميقا بين الألم الإنساني وقضايا المرأة والمجتمع من خلال صياغة تركيب استثنائي يتغلغل في جسد المجتمع، حيث تلتقط هذه القصص الفكرة “الضالة المهملة” وتنسجها في حكايات بلغة تصويرية تكسر الفراغ وتكشف عن “الوجع الذي يسكننا بصمت”.

ويمكن توضيح تجليات هذا التقاطع من خلال النقاط التالية:

تجسيد قضايا المرأة وصراع “الحريم”: تبرز المجموعة أنَّ “الحريم” يمثل عاملا مضمرا في النماذج الإنسانية داخل المجتمع، بينما يُستخدم “كوكب زحل” كرمز لـ”منجل خرافي” يحصد الهواجس المبتورة في “بوح المرأة”.

كما تسلط القصص الضوء على قهر النساء اللواتي همش المجتمع تاريخهن، وتصور هشاشة قلوبهن حين ينهرهن صوتُ الرجال الأجش، ما يتركهن كـ”عصافير مذبوحة” تبحث عن القوة في يوم المرأة العالمي.

الألم الإنساني وتجاعيد الانتظار: يظهر الألم في المجموعة كحالة تسكن في “عتمة التلاشي” و”ذاكرة اللغة”، حيث تعكس القصص قامات الظل المنكسر بين الزمان والمكان.

ويتجلى هذا الوجع في صورة امرأة تخون حبيبها من أجل المال ثم تفقد جنينها وتجد نفسها وحيدة في مواجهة ذكرياتها، كما يُرسم الألم في صورة امرأة تعبتْ من “الحب العقيم” والجفاء، فتصبح تخاف من كل شيء حاد حتى المقص لأنَّ “الأشياء الحادة تجرح”.

انكسار الأحلام والواقع الاجتماعي: تعكس القصص كيف يحطم واقع التوظيف الأحلام الإنسانية، كما في قصة “مراد” الذي انصهرتْ أحلامه خارج تغطية الواقع.

كما تتطرق المجموعة إلى قضايا اجتماعية شائكة مثل الهجرة غير الشرعية و”رحلة الموت” التي تنتهي بجثث ملقاة قرب الموانئ المهجورة، ما يترك خيبة أمل مريرة تكسوها الملوحة.

العنف والقيود المجتمعية: تظهر “قضايا الشرف” في المجموعة كقيود تقتل أمنيات المرأة بالتحرر خارج حدود الجسد، حيث تتعرض للعنف الجسدي وتنتزع “رحم الأمومة” كي لا تنجب “وحوشاً أخرى” في مجتمع يمارس عليها الصمت والتأويل، كما يُنتقد السلوك المجتمعي الذي يرى في إيقاف الفتاة عن المعرفة وتزويجها قسراً وسيلة لـ”الفوز بالجنة”.

المرض والعزلة الإنسانية: يتقاطع الألم الفردي مع الإهمال المجتمعي في قصص المرض، حيث يُصور المريض كـ”شبح يتأوه” في برودة المستشفى، وحيداً أمام “ورم” يفترس جسده، بينما ينشغل أهله بمظاهر العزاء الأنيقة بعد فوات الأوان.

إنَّ القصص التشكيلية في هذه المجموعة تشبه المرآة المتشظية؛ كل شظية منها تلتقط زاوية من زوايا الوجع الإنساني، لتعيد رسم ملامح المجتمع وقضاياه ليس فقط من خلال الكلمات، بل عبر صور بصرية تحفر في الذاكرة لتكشف عما هو مسكوت عنه في “عالم الحريم والتحريم”.

الزمان والمكان في المجموعة

يلعب الزمان والمكان في المجموعة دورا جوهريا وحيويا في تشكيل الذاكرة وصياغة الوجع الإنساني، فهما ليسا مجرد خلفية للأحداث، بل هما “تركيب استثنائي” يتداخل مع النماذج الإنسانية ليكشف عن الوجع الساكن في “عتمة التلاشي”، ويمكن تفصيل هذا الدور كالتالي:

أولا: دور الزمان في تحولات الوجع والذاكرة

الزمن كقوة فناء وانفلات: يظهر الزمن في القصص كعنصر “منفلت” يُغري الشخوص ثم يتركهم في “مضمار الفناء”، حيثُ تنصهر الأحلام خارج نطاق التغطية الواقعية، كما يُوصف الزمن بأنه قد يُفقد “كرضيع” تتلفه الحضارات، ما يؤدي إلى ضياع الهوية والشعور بالنتن بعد سلب الحقوق.

انكماش الزمن وتجميد اللحظة: تمارس الذاكرة نوعا من “تخييط الزمن”، حيث ينكمش في تواريخ محددة (مثل الثامن من مارس) ليعيد إنتاج الألم بطعم جديد، وفي لحظات الفقد، تتوقف الذاكرة عند “عويل” معين، كما حدث في حالة “آمال” التي توقفت ذاكرتها عند سن الخمسين رغم مرور السنين.

الهروب عبر أروقة الزمن: يصور النص الشخوص وهم يغطسون برؤوسهم في “أروقة الزمن” هربا من أسئلة التاريخ الثقيلة، أو يركضون عبره كـ”ساعي البريد” الذي يحمل رسائل الحرمان والغياب.

ثانيا: دور المكان في تجسيد الذاكرة والوجع

المكان كهوية وذاكرة محفورة: يمثل المكان (مثل حي القصبة العتيق) “خريطة من الذاكرة”، حيث لا تفاصيل للمكان سوى ما تختزنه ذاكرة قاطنيه، وعندما يغيب الإنسان، تصبح العظام المهشمة هي التي تصنع “جيولوجيا المكان” وتؤرخ لوجعه.

المكان كعنصر فصل وبؤس: يُنظر إلى المكان في المجموعة كعامل تفرقة؛ فـ”سيفرقنا المكان ثانية” تعبر عن وجع الشتات، كما تتحول الأمكنة إلى فضاءات بائسة (مثل الموانئ المهجورة أو الغربة) التي تقذف بجثث الأحلام والضحايا، مخلفةً رائحة “متعفنة” ممزوجة بملوحة الوجع.

فضاءات الألم الخاصة: يتجسد الوجع في أمكنة محددة تزيد من حدته، مثل “برودة المستشفى” حيث يغدو المريض “شبحا يتأوه” في عزلة تامة، أو “غرفة الحلاقة” التي تصبح ملجأً لإعادة صياغة الهزيمة النفسية عبر تغيير المظهر.

ثالثا: التقاطع بين الزمن والمكان (قامات الظل المنكسر)

تجمع المجموعة بين العنصرين فيما تسميه “قامات الظل المنكسر بين الزمن وفرضية المكان”، وهذا التقاطع هو الذي ينتج:

1 ـ تجاعيد الانتظار: التي تتطاير في الأماكن (كمحل الحلاقة) لتعكس مرور العمر والوجع الساكن في القلب.

2 ـ الذاكرة السحيقة: التي ترسم الملامح في “سحيق الذاكرة” رغم تغير الأمكنة والظروف.

3 ـ تلاشي الوجود: حيث يفقد الإنسان قدرته على “التنفس بعمق” نتيجة ضغط ذاكرة المكان والزمن معاً.

إنَّ العلاقة بين الزمان والمكان في هذه النصوص تشبه “المقص الحاد”؛ فبينما يمثل الزمان الشفرة التي تقص شريط العمر، يمثل المكان الورقة التي يُرسم عليها وجع هذا القص، وكلاهما يترك جرحاً في ذاكرة اللغة.

الصراع في المجموعة

يتجلى الصراع بين الروح والجسد، وبين الأحلام والواقع، في النصوص كحالة من “التشظي” التي تصيب الكائن الإنساني نتيجة ضغوط المجتمع والزمن، حيث تُصاغ هذه الصراعات بلغة تصويرية تجعل الوجع “يسكننا بصمت”، ويمكن تفصيل هذه التجليات من خلال المحاور التالية:

أولا: الصراع بين الروح والجسد

يظهر هذا الصراع كحوارية وجودية تعكس التوتر بين رغبات التحرر وقيود المادة:

الحوار المباشر والنفور: في نص “إنسان”، تدور حوارية بين الروح والجسد؛ حيث تشكو الروح من “عبث” الجسد الذي لا يرتاح، بينما يطالب الجسد بالتحرر و”نفخ بوق الحرية”، وتصف الروح مادية الجسد بأنها “تثقل خطاها”، معتبرة أنَّ “مزامير الفوضى” التي ينجذب إليها الجسد تحرمها من السلام.

الجسد “المستعار” والتمرد: يتجلى الصراع في نص “الجن” من خلال “الجسد المستعار” الذي ينطق بالحديث المسكوت عنه عبر صراخ وتكسير للأثاث، فيما يشبه حالة انفصال بين الروح التي تخفي أوجاعها والجسد الذي يفرغ “حاوية الغضب”.

تلاشي الجسد أمام الروح: في قصة “فاوست”، ينتهي الصراع بتسليم الروح واختفاء “الجسد المادي الهزيل”، مما يشير إلى انتصار الفناء في النهاية، وفي حالات المرض، يسلب الألم “أنوثة” الجسد، فتضطر الروح للتعبير عن نفسها عبر “تطريز الذاكرة” في المناديل.

ثانيا: الصراع بين الأحلام والواقع

يُرسم هذا الصراع كاصطدام عنيف بين “فقاعات الأحلام” و”نيران الواقع”:

تحطم الأحلام بفعل الواقع المادي: يظهر هذا بوضوح في قصة “مراد” الذي انصهرتْ أحلامه “خارج نطاق التغطية” بسبب واقع التوظيف القاسي، مما جعل الفرح يهرب من نوافذه.

كذلك في قصة “آمال”، التي ضحتْ بأحلام حبها الصادق من أجل “المال والجواهر”، لتكتشف في النهاية أنَّ أحلامها “تعرتْ” وأصبحتْ وحيدة في خريف عمرها.

الأحلام كـ”كومة رماد”: يصف النص الأحلام بأنها تتحول إلى “هشيم” تنهشه نيران الواقع والأضواء، حيث تصبح مجرد “انعكاسات منكسرة على ضلوع الحقيقة”، وفي قصة “جلسة تصوير”، يتقيأ الشخص “خليط الأوهام” بينما يطارده عواء الجوع، في محاولة بائسة لتحويل صورته الأصلية لتناسب واقع التوظيف.

الهروب إلى الحلم والارتطام بالحقيقة: يحاول البعض رسم “بيت من زجاج” للشمس في أحلامهم، لكن الواقع يعيدهم دائماً إلى “ألم المفاصل” وفقدان الأحبة، كما تظهر الأحلام كـ”خرافة بليدة” تُلقن للأطفال ثم يُحرمون منها عند الكبر، ما يولد صراعا نفسيا ينتهي بالانهيار.

التضحية بالذات لمواجهة الواقع: يتجلى هذا في الشخصية التي تزوجتْ من رجل قاسٍ “أضاع الإنسان بداخله” فقط لتدفع تكاليف عملية والدتها، وهو ما يمثل ذروة انكسار الحلم الشخصي أمام إكراهات الواقع المرير.

إنَّ هذا الصراع في النصوص يشبه “المقص الحاد”؛ فالواقع هو الشفرة الثابتة التي تمسك بالحياة، بينما الأحلام هي خصلات الروح التي يحاول الواقع قصها وتشكيلها، وكل “تلمس لهذا المقص” يترك جرحا غائرا لأنَّ الأشياء الحادة تجرح الذاكرة والقلب معا.

القصة التشكيلية

تنتمي هذه المجموعة القصصية، إلى مفهوم “القصة التشكيلية”، ويُعرّف هذا المفهوم الفني بأنه “تركيب استثنائي” يتشكل في المنعطفات الخلفية للحقيقة المتلاشية، حيث تسكن النصوص بصمت وتركن الوجع في “عتمة التلاشي”.

تقنيات القص في المجموعة

أما عن تقنيات القصة القصيرة التي اعتمدت عليها المجموعة لتجسيد هذا المفهوم، فيمكن استخلاصها كالتالي:

اللغة التصويرية والتشكيل البصري: تعتمد القصص على “لغة تصويرية” تكسر الفراغ وتلتقط “الفكرة الضالة المهملة” لتنسج منها حكايات، وتتجلى هذه التقنية في تحويل الكلمات إلى “حالات صور” تنساب لتعبر عن الوجع الإنساني، مما يجعل النص يشبه اللوحة الفنية التي تُرسم بالكلمات.

الرمزية المكثفة: يستخدم النص رموزاً قوية لتعميق المعنى، مثل “كوكب زحل” الذي يوصف بأنه “منجل خرافي” لحصد الهواجس، و”الحريم” كعامل مضمر في النماذج الإنسانية، كما تُستخدم الحروف المفردة كعناوين رمزية (مثل: ن، آ، ق، ج) لاختزال دلالات شعورية عميقة.

تقنية “المحكي الخافت”: تعتمد المجموعة على ما يعرف بـ”محكي خافت” يضج في “قامات الظل المنكسر”، وهو أسلوب سردي يميل إلى الهمس والبوح الداخلي بدلاً من الصخب، ما يمنح النصوص صبغة وجدانية وتأملية.

توظيف الزمن والمكان كعناصر درامية: لا يكتفي النص بالسرد الخطي، بل يجعل من الزمن والمكان فرضيات تتشكل بينهما الذاكرة، حيث يظهر الزمن كعنصر “منفلت” يغري الشخوص ثم يتركهم للفناء.

الحوارية الوجودية (المونولوج والديالوج): تبرز تقنية الحوار بين عناصر مجردة، كما في قصة “إنسان” التي تقوم على حوارية بين الروح والجسد، حيث تتبادل الأطراف الشكوى والرغبة في التحرر، مما يضفي بعداً فلسفياً على القصة القصيرة.

التناص والاستدعاء الأدبي: تستحضر المجموعة شخصيات وأعمالا أدبية وعالمية وتدمجها في السياق القصصي، مثل الإشارة إلى “مارغريت دوراس”، و”فاوست”، وشعر “محمود درويش”، مما يوسع من أفق النص ويخرجه من المحلية إلى الفضاء الإنساني العام.

تقنية التكثيف والاختزال: تظهر في القصص التي تعتمد على “الومضة” أو الموقف الواحد المركز، حيث ينصب التركيز على “الفكرة الضالة” وتجريدها من الزوائد السردية للوصول إلى جوهر الوجع.

القصة التشكيلية في هذه المجموعة تشبه لوحة “الموزاييك” (الفسيفساء)؛ حيث تمثل كل قصة قطعة ملونة صغيرة من الوجع أو الحلم، لا تكتمل الصورة الكلية للمجتمع وقضايا المرأة إلا بتراص هذه القطع بجانب بعضها البعض لتشكل مشهدا إنسانيا متكاملا.

ظاهرة الحريم في المجموعة

تناولت الدكتورة زينب لوت ظاهرة “الحريم” في مجموعتها القصصية بوصفها “عاملاً مضمراً” يتغلغل في بنية المجتمع والنماذج الإنسانية، فهي ليست مجرد ممارسة ظاهرة، بل هي نسق خفي يحرك السلوكيات والقيود المجتمعية، ويمكن استخلاص كيفية تناولها لهذه الظاهرة من خلال الأبعاد التالية:

الحريم كقيد فكري وتربوي (حريم وحريم): تبرز المجموعة أنَّ ظاهرة الحريم تتجسد في عقلية “الرجل” الذي يرى في تزويج ابنته وسيلة لـ “الراحة” من عبئها، وفي إيقافها عن التعليم “تنزيهًا عن الرذيلة”. هذا الفكر يحول أحلام المرأة إلى أشياء “خامدة” كالغبار العالق في المنزل، ويربط بين “تدجين” المرأة وبين الفوز بالجنة، مما يجعل من “الحريم” منظومة للسيطرة على المعرفة والطموح.

الحريم كفضاء للقمع و”التأويل”: تصف المجموعة ظاهرة الحريم بأنها “تسييج” للمرأة داخل حدود الجسد، حيث تُقتل أمنياتها بالتحرر بفعل عقليات “أبوية قبلية”، وتظهر قضية “الشرف” كأداة لإبقاء المرأة داخل “قفص التأويل”، مما يدفعها في بعض الأحيان إلى أفعال انتقامية رمزية مثل “انتزاع رحم الأمومة” حتى لا تنجب وحوشاً أخرى في مجتمع يمارس عليها العنف الجسدي والصمت.

الحريم كمنفذ لـ”البوح المسكوت عنه”: يتجلى الحريم في القصص كحالة من الكبت التي لا تجد مخرجاً إلا عبر طرق غير مباشرة، مثل “ظاهرة الجن”؛ حيث تستخدم المرأة “الجسد المستعار” وصوت الحنجرة المتغير لتسكب “حديثها المسكوت عنه” وتفرغ “حاوية الغضب” تحت غطاء المرض الروحي، بينما يكتفي المجتمع (البعل المتدين) بالصبر على البلاء دون معالجة الأسباب الحقيقية للوجع.

الحريم كسلوك اجتماعي يومي: تظهر ظاهرة الحريم في المجموعة من خلال “أحاديث النساء” الجانبية حول المظاهر (المعاطف، والجواهر، والحمية الغذائية)، وهو ما يراه “المدير” (الرجل) عاملاً ثابتاً لا يتغير، مطالباً بـ”خصم ألسنتهن” كما يخصم من رواتبهن، مما يعكس نظرة المجتمع الدونية لهذا العالم واختزاله في التفاهات.

الرمزية الكونية (حريم زحل): تربط المؤلفة بين “الحريم” وكوكب “زحل”، الذي يمثل “منجلاً خرافياً” يحصد الهواجس المبتورة في بوح المرأة، ويشير النص إلى أنَّ “زحل” يمثل مساحة استيطان للرجال، بينما يظل بالنسبة للمرأة فضاءً لـ”الحريم” الذي يصعب فيه اختراق الخيال لاستيهام الواقع.

إنَّ تناول المؤلفة لظاهرة الحريم يجعل منها “خيوطاً غير مرئية”؛ فهي التي تنسج “تجاعيد الانتظار” في قلوب النساء وتدفع الشخوص للهروب نحو “أروقة الزمن” أو “خلف الرداء الأسود” حيث لا يظهر من المرأة سوى عيون تذرف الأشواك العالقة في نفسها.

قضية العنف ضد المرأة

تناولت الدكتورة زينب لوت قضية العنف ضد المرأة في مجموعتها القصصية كظاهرة متعددة الأوجه، لا تقتصر فقط على الإيذاء الجسدي المباشر، بل تمتد لتشمل القهر النفسي والاجتماعي المرتبط بمنظومة “الحريم” والتقاليد الأبوية القبلية، وقد عالجتْ هذه القضية من خلال النقاط التالية:

العنف الجسدي والضرب: يظهر العنف الجسدي بشكل صريح في النصوص كأداة للقمع الزوجي؛ ففي قصة “أنا”، تصف الشخصية تعرضها لـ”الضرب” من قبل زوجها الذي صنع المال وأضاع الإنسان بداخله، مشيرة إلى أنه “انهال بضربها” حين علم بحملها، كما يبرز هذا النوع من العنف في قصة “قضية شرف”، حيث تتعرض المرأة لـ”عنف جسدي” يدفعها لاتخاذ موقف انتقامي رمزي من قدرتها على الإنجاب.

العنف المعنوي وقضايا “الشرف”: تربط المؤلفة بين العنف وبين المفاهيم المجتمعية الضيقة، حيث يُستخدم “الشرف” كأداة لوضع المرأة في “قفص التأويل”، وتصور القصص كيف تُقتل أمنيات المرأة بالتحرر خارج حدود الجسد بفعل العقلية “الأبوية القبلية” التي ترى في السيطرة على المرأة وتسييجها حماية لهذا الشرف.

قهر النساء والتهميش التاريخي: تتناول المؤلفة العنف كحالة من “القهر” التاريخي الذي يمارسه المجتمع، حيث تهمش ذاكرته تاريخ النساء وتلغي حقوقهن، ويظهر هذا القهر في صورة المرأة “الضعيفة” التي يكسرها “الصوت الأجش” للرجل، فتنهار كـ”العصافير المذبوحة” التي تفتقد القوة لمداواة هشاشة قلبها.

العنف التعليمي والفكري: يبرز في المجموعة نوع من العنف يتمثل في “إيقاف الفتاة عن المعرفة”، وهو ما تعده العقلية الذكورية “تنزيهًا عن الرذيلة” وفوزاً بالجنة، وهذا النوع من العنف يهدف إلى جعل أحلام المرأة “خامدة كالغبار” داخل المنزل، ويحصر دورها في أنْ تكون “زوجة صالحة” لا يظهر منها سوى عيونها لتذرف الأشواك العالقة في نفسها.

الخيانة والإهمال كعنف نفسي: تصور المؤلفة الخيانة الزوجية كنوع من العنف الذي “يذبح الصوت” ويهشم الروح، ففي قصة “عروس”، يتجلى وجع النهاية في اكتشاف الزوجة لخيانة زوجها (خصلة الشعر الحمراء)، مما يحول حياتها إلى مرارة تشبه “عصير العمر المحلى بمرارة رحيل الفراشات”.

إنَّ تناول العنف في هذه المجموعة يشبه “المنجل الخرافي” (كما وصفتْ كوكب زحل)؛ فهو لا يكتفي بجرح الجسد، بل يحصد الهواجس والأحلام، تاركاً المرأة في مواجهة واقع يحاول تدجين صراخها وتحويله إلى “صمتٍ مطرزٍ” في مناديل الذاكرة.

إضاءات حول الدكتورة زينب لوت

1 ـ تتمتع الدكتورة زينب لوت، مؤلفة مجموعة “حريم زحل”، بمسار أكاديمي ومهني حافل في مجال النقد والأدب، حيث يتركز مشروعها العلمي حول قضايا النقد الحديث والمعاصر والسرد النسائي.

أولاً: المسار الأكاديمي والمهني

* تشغل الدكتورة زينب لوت حالياً منصب أستاذة محاضرة جامعية بالمدرسة العليا للأساتذة.

* تتخصص أكاديمياً في مجال النقد الحديث والمعاصر.

* حازت على تكريم دولي في مدينة وجدة بالمغرب عام 2018، وذلك بمناسبة مؤتمر السرد النسائي العربي.

ثانياً: أهم المؤلفات المنشورة

أصدرتْ المؤلفة مجموعة متنوعة من الكتب التي تتراوح بين الرواية والنقد والقصة، ومن أبرزها:

1 ـ رواية “حصار المرايا”: صدرتْ عن دار الكتاب بمستغانم، الجزائر (2015).

2 ـ كتاب نقدي “حواس اللغة: تعريب اللغة وتوليف النص” (2016)..

3 ـ كتاب نقدي “شعرية الانفتاح: قراءة فلسفية في لزوميات المعري” (2016).

4 ـ كتاب جامعي “الرواية في الوطن العربي الخصوصية والتلقي”: تجربة عز الدين جلاوجي (2016).

5 ـ مجموعة قصصية “فاكهة الصمت… تنضج”: صدرتْ في بغداد (2017)..

6 ـ كتاب “نون النسوة: دراسات في السرد النسائي”: (كتاب مشترك، طبعتان 2018).

7 ـ كتاب نقدي “لعبة الفوضى”: دراسة في الأعمال السردية للكاتبة الكويتية فاطمة يوسف العلي، رائدة القصة التشكيلية.

8 ـ مجموعة “حريم زحل”: القصصية الصادرة عن دار غراب للنشر والتوزيع بالقاهرة (2020).

ثالثاً: الإسهامات العلمية والمقالات النقدية

تتوزع مقالاتها وإسهاماتها بين المجلات الوطنية والدولية والمنصات الإلكترونية:

المقالات الدولية: تناولتْ موضوعات شائكة مثل “ثنائية المصطلح النسوية والنسائية” (مصر، 2019)، و”النظام العالمي الغرماسي في الرواية الجزائرية” (العراق، 2017)، و”حازم القرطاجني وعبد القاهر الجرجاني” (فلسطين، 2019).

المقالات الوطنية (الجزائر): كتبتْ عن “التماسك والتناسق النصي عند الجرجاني” (2019)، و”أقاليم الروح في التصوف الإبداعي عند الأمير عبد القادر” (2015).

النقد المسرحي والفني: نشرتْ دراسات حول “العيادة المسرحية والتشكيل السنوغرافي”، و”فانتازيا الشيطان ولعبة فاوست” عبر موقع الهيئة العربية للمسرح.

المقدمات النقدية: كتبت مقدمات نقدية لأكثر من 11 عملاً أدبياً ما بين روايات ودواوين شعرية لكتاب من الجزائر، ومصر، وتونس، والعراق.

إنَّ المسار المهني للدكتورة زينب لوت يشبه “المشرط النقدي” الذي لا يكتفي بوصف الظواهر الأدبية، بل يغوص في جيولوجيا النص ليفكك شيفرات “حريم” المجتمع و”تحريمه” بلغة أكاديمية رصينة.

تحية تقدير للأديبة المبدعة والناقدة الجادة د. زينب لوت على جهودها النقدية المتنوعة، وبحوثها الرصينة على المستوى الوطني في الجزائر التي تشهد نهضة أدبية ونقدية يشار إليها بالبنان، وتذكر فتشكر، حيث تمثل إضافة حقيقية وجادة للمشهد الثقافي والأدبي والنقدي على مستوى الوطن العربي، كما تعدت د. زينب لوت حدود الوطن وأساحت في عالمنا العربي، مشاركة في المؤتمرات النقدية شرقا وغربا، بل خرجت بإبداعها كذلك إلى آفاق رحبة تخدم بها المشهد الأدبي، وبخاصة في مجال الأدب النسائي الذي اهتمت به تنظيرا وتطبيقا.

Author بسيم عبد العظيم عبد القادر
شاعر وناقد أكاديمي، قسم اللغة العربية، كلية الآداب ـ جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر
↑