أكد الوزير الأول، سيفي غريب، أمس الثلاثاء، أن النداء الموجّه للشباب الجزائري بالخارج، في وضعيات "هشة وغير قانونية"، يعكس حرص الدولة على حماية أبنائها حيثما تواجدوا. وتشمل هذه الوضعيات الشباب الذين يفتقرون إلى تصاريح إقامة أو حماية قانونية واجتماعية، أو يعانون من التهميش وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية. ويأتي هذا التحرك ضمن جهود أوسع، تشمل ندوة رؤساء المراكز القنصلية بعد غياب دام أكثر من 20 سنة، بالإضافة إلى الدور الحيوي للقناصل في دعم الجالية، وتسهيل مشاركتهم في التنمية الوطنية وتعزيز انتمائهم لوَطنهم.
يشير البروفيسور نور الدين شعباني إلى أن ما وصفه الوزير الأول بـ"الوضعيات الهشة وغير القانونية" يعكس واقعا متعدد الأبعاد يعيشه جزء من الشباب الجزائري في الخارج. ويشمل ذلك العاملين والطلبة الذين يفتقرون إلى تصاريح إقامة رسمية، أو الذين يعانون من ضعف الحماية القانونية والاجتماعية، بالإضافة إلى الفئات الأكثر عرضة للاستغلال أو التهميش الاقتصادي والثقافي. ويضيف شعباني أن بعض هؤلاء الشباب يقيمون في دول غير منظمة أو يفتقرون إلى الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والإقامة القانونية، ما يجعلهم في حالة هشة ويستدعي تدخل الدولة عبر آليات حماية فعّالة.
نور الدين شعباني
ويؤكد شعباني أن النداء الحكومي الأخير لا يقتصر على مجرد تذكير هؤلاء الشباب بحقوقهم، بل يمثل دعوة لتنسيق جهود السفارات والقنصليات لتقديم الدعم القانوني والإداري والاجتماعي وضمان عدم تعرضهم للاستغلال أو الإقصاء. كما يهدف هذا التوجه إلى تعزيز الهوية الوطنية والانتماء، وإتاحة الفرصة للشباب للمساهمة بفاعلية في التنمية الوطنية حتى وهم خارج الحدود، بما يضمن دمجهم في المجتمع الوطني والحفاظ على روابطهم مع الوطن الأم.
تدعم تصريحات البروفيسور شعباني ما أكده الوزير الأول، سيفي غريب، خلال إشرافه على افتتاح أشغال ندوة رؤساء المراكز القنصلية، حيث شدد على أن الجزائر تولي مكانة خاصة لجاليتها في الخارج، وأن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون يضع هذه الجالية في صلب اهتماماته. واعتبر غريب أن النداء الأخير الموجه للشباب الجزائري المتواجد في الخارج في وضعيات هشة وغير قانونية يمثل "دلالة إضافية على الحرص الدائم على حماية أبناء الجزائر أينما تواجدوا"، مؤكدا أن هذا التوجه لا يقتصر على شكل الإجراءات القانونية أو الإدارية، بل يشمل رؤية استراتيجية لتعزيز انتماء الجالية ودمجها الفعّال في مسار التنمية الوطنية، حتى من خارج الحدود.

تسهيل الوثائق وتعزيز دعم الشباب في وضعيات هشة
وتتواصل جهود الدولة مع انعقاد ندوة رؤساء المراكز القنصلية بعد أكثر من عقدين من الزمن، والتي مثلت فرصة استراتيجية لمراجعة السياسات والإجراءات الموجهة للجالية الجزائرية في الخارج، بما في ذلك الشباب في وضعيات هشة. ويشير الدكتور نميري عز الدين إلى أن الهدف الأساسي من هذه الندوة هو تقييم ما أنجز من خدمات وحماية للجالية واستشراف التحديات الجديدة التي تواجهها، سواء على المستوى القانوني أو الاجتماعي أو الاقتصادي.
نميري عز الدين
وتركز الندوة على عدة محاور رئيسية، منها تحديث الإجراءات الإدارية لتسهيل حصول المواطنين على الوثائق الرسمية، وتعزيز الخدمات الاجتماعية والقانونية للشباب، وتطوير آليات تشجيع مساهمة الجالية في التنمية الوطنية والمشاريع الاستثمارية، بما يعكس التزام الدولة بضمان حقوق المواطنين ومواكبة التغيرات المستمرة التي يشهدها العالم.
ويضيف نميري أن النقاش خلال الندوة شمل أيضا طرق تحسين التنسيق بين السفارات والقنصليات في مختلف البلدان، لضمان سرعة الاستجابة لمشاكل المواطنين وتوفير الدعم اللازم لهم، سواء عبر برامج الحماية القانونية أو مبادرات التعليم والتدريب المهني. ويؤكد هذا التوجه حرص الدولة على متابعة وتكييف التدابير والإجراءات المخصصة للجالية، بحيث توفر حماية شاملة للشباب في وضعيات هشة، وتضمن اندماجهم في المجتمع الوطني والمشاركة الفاعلة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويترجم هذا النهج سياسة الدولة المتكاملة في حماية المواطنين بالخارج، التي لا تقتصر على الجوانب الإدارية، بل تشمل أبعادا قانونية واجتماعية وثقافية واقتصادية.
جمال بودراع
ويتقاطع هذا التوجه مع تصريحات الدكتور جمال بودراع، المختص في الاتصال، الذي يرى أن الدور الحيوي للقناصل يشكل حلقة وصل أساسية بين الدولة والمواطنين بالخارج. ويؤكد بودراع أن مهام القناصل تتجاوز الجانب الإداري التقليدي لتشمل وظيفة استراتيجية في التواصل مع الجالية وحمايتها، حيث يضطلعون بدور مزدوج: حماية حقوق الجالية ومتابعة أوضاعهم القانونية والاجتماعية، وفي الوقت نفسه تعزيز شعورهم بالانتماء والمساهمة في المسار الوطني. ويشير بودراع إلى أن العمل القنصلي يعتمد اليوم على التواصل الفعال؛ فالقنصل لا يقتصر على تقديم الوثائق والخدمات، بل يضمن وصول المعلومات والفرص المتاحة للجالية ويعزز مشاركتهم في البرامج الوطنية، سواء في المجالات الثقافية أو التعليمية أو الاستثمارية.
ويبرز بودراع أيضا أن بناء جسور تواصل مستمرة وشفافة يمكن القناصل من إشراك المواطنين بالخارج في مشاريع التنمية الوطنية، وتحفيزهم على المساهمة الإيجابية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلاد، ما يضمن استمرار شعورهم بالارتباط العميق بوطنهم الأم، ويحولهم من مجرد مواطنين متلقين للخدمات إلى شركاء فاعلين في التنمية الوطنية. ويعتبر هذا النهج جزءا من استراتيجية شاملة تهدف إلى ربط الجالية بوطنها وتعزيز الهوية الوطنية لديهم، وهو ما يعكس الدور الذي يلعبه القناصل كسفراء للهوية الوطنية والقيم الوطنية، ومسؤولين عن بناء الثقة بين الدولة والجالية لضمان حماية الحقوق وتعزيز المشاركة الفعالة.
ويجسد المزيج بين القرارات الحكومية والتصريحات الرسمية والتوصيات الخبراء الالتزام الجاد للدولة بحماية الجالية في الخارج، بما في ذلك إدراج بعد "الجالية الوطنية بالخارج" ضمن تسمية قطاع الشؤون الخارجية وتكليف كاتب دولة بالجالية الوطنية بالخارج، وهو ما يمثل تجسيدا عمليا لتسخير جزء من النشاط الحكومي لخدمة المواطنين بالخارج، وتعزيز دور الشبكة الدبلوماسية والقنصلية في متابعة وتنفيذ السياسات والإجراءات الموجهة للجالية.
ويؤكد الوزير الأول، سيفي غريب، أن هذا القرار يستوجب من رؤساء المراكز القنصلية "بذل العناية اللازمة من أجل متابعة تنفيذه بما يستجيب للأهمية التي توليها السلطات العليا للبلاد لترسيخ مبدأ حماية مواطنينا بكل فئاتهم وفي جميع الظروف وأينما تواجدوا"، ما يعكس حرص الدولة على تطبيق هذه السياسات على الأرض بشكل فعال ومستمر.
وتتضح من خلال هذه السياسات أن حماية الشباب في وضعيات هشة ليست مجرد شعار، بل سياسة متكاملة تشمل كل أبعاد حياتهم في الخارج. فالدولة تسعى إلى ضمان حقوقهم القانونية والاجتماعية، وتيسير حصولهم على الوثائق والخدمات الأساسية، وتوفير الدعم القانوني والاجتماعي، وإتاحة الفرص التعليمية والمهنية، إضافة إلى تشجيع مشاركتهم الفاعلة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للوطن، ما يعزز شعورهم بالانتماء ويقوي الروابط مع بلدهم الأصلي. ويعكس هذا النهج الحرص على تعزيز مساهمة الجالية في التنمية الوطنية، وتفعيل دورها كشريك أساسي في المسار الوطني، مع مراعاة التحديات المتنوعة التي تواجه الشباب في وضعيات غير منظمة.
حماية الجزائريين بالخارج سياسة ثابتة لا مجرد شعار
كما يؤكد هذا التوجه ما أشار إليه الوزير الأول بأن الجزائر كرست مكانة الجالية دستوريا من خلال النص صراحة على دور الدولة في حماية المواطنين في الخارج ومصالحهم والحفاظ على هويتهم وكرامتهم، وتعزيز روابطهم مع الأمة، وتعبئة مساهمتهم في التنمية الوطنية، موضحا أن هذه السياسات لا تهدف فقط إلى الحماية، بل إلى تعزيز الانتماء وإشراك الجالية في مسار التنمية والمشاريع الوطنية. ويظهر جليا أن الاهتمام بالجالية يشمل تطوير أساليب العمل القنصلي والدبلوماسي، بما يمكن القناصل من أداء مهامهم بكفاءة، وضمان متابعة تنفيذ القرارات المتعلقة بالشباب في وضعيات هشة، وتسهيل اندماجهم في المجتمع الوطني والمشاركة الفاعلة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وتؤكد هذه الاستراتيجية الشاملة أن الدولة الجزائرية لا تقتصر على حماية أبنائها المقيمين في الخارج فحسب، بل تعمل على تعزيز انتمائهم ومساهمتهم في تنمية وطنهم، مهما كانت التحديات التي تواجههم في وضعيات الهشاشة القانونية والاجتماعية والاقتصادية. ويبرز جليا أن حماية الجالية تتطلب تكاتف الجهود بين الجهات الحكومية المختلفة، بما في ذلك وزارة الشؤون الخارجية، السفارات، القنصليات، والهيئات الاجتماعية والثقافية، لتوفير بيئة متكاملة تضمن الحقوق والحماية، وتعزز مشاركة الشباب الجزائري في الخارج في برامج التنمية الوطنية، وتؤكد على التزام الدولة بمبدأ أن المواطن بالخارج جزء لا يتجزأ من الأمة.
كما يوضح التجانس بين تصريحات الخبراء والقرارات الحكومية أن الدولة تعمل على بناء شبكة متكاملة لحماية المواطنين بالخارج، تتضمن تحسين الوصول إلى الخدمات، وتيسير الإجراءات الإدارية، وتعزيز الدعم الاجتماعي والقانوني، وتفعيل الفرص التعليمية والمهنية، مع تكثيف الجهود لضمان التواصل الفعال والمستمر مع الجالية. ويشكل القنصل في هذا الإطار حلقة استراتيجية رئيسية، فهو ليس مجرد موظف إداري، بل مسؤول عن حماية الحقوق، وربط المواطنين بالخدمات والمبادرات الوطنية، وتشجيع مشاركتهم في التنمية الوطنية، بما يعكس الدور الحيوي للشبكة القنصلية في تنفيذ السياسة الوطنية الشاملة لحماية الشباب في وضعيات هشة في الخارج.
ويظهر جليا أن تعزيز الدور القنصلي وتطوير أساليب العمل القنصلي والدبلوماسي، إلى جانب النداءات الحكومية الموجهة للشباب، يساهم في بناء منظومة فعالة ومتوازنة بين حماية الحقوق وتشجيع المشاركة الفعالة للجالية في الحياة الوطنية، ما يجعل حماية الجالية سياسة ثابتة ودائمة، وليست مجرد شعارات، ويؤكد التزام الدولة بتوفير بيئة آمنة ومستقرة للشباب الجزائري بالخارج، وضمان مشاركتهم الإيجابية في مسار التنمية الوطنية.




