«نسب أديب حسين» توثّق لقريتها.. رواية «الرّامة» التي لم تُروَ

صدرت للكاتبة «نسب أديب حسين» ـ هذا العام (2022) ـ دراستان بنكهة التوثيق السّيريّ للإنسان والمكان والأحداث التاريخية، عن متحف أديب القاسم حسين ودار طباق للنشر والتوزيع.

بقلم: عزيز العصا – فلسطين – الأيام

الدراسة الأولى: «الرامة»: “رواية لم تروَ بعد (1870-1970)”، يشارك فيها صاحب المتحف المذكور، وقد صدرت في طبعتها الأولى (2020) وجاءت في (640) صفحة، وتقع الطبعة الثانية (2022)، في (349) صفحة من القطع الكبير، أما الدراسة الثانية: “رسائل فوق المسافات والجدران: القدس.. بيروت على حافة لقاء (1964-2022)”، وتقع في (287) صفحة من القطع المتوسط.

بقراءة متمعنة لهاتين الدراستين، تجد أن هناك حالة من التلاقي بينهما في جوانب تتعلق بالقرية قيد البحث وسكانها وذكرياتها، وحالة من الافتراق، بأن تتخصص كل منهما لفترة زمنية خاصة بها. ثم تعود الدراستان للالتقاء، والتعاضد، والتكامل، في سرد حكاية وطن ونكبة وعذابات شعب وقع تحت سوط جلّاد بشع، ليس له إلّ ولا ذمة.

إن البطل الرئيس، صاحب الصولات الأدبية والفكرية والتوثيقية، ومحور الدراسة والتحليل، في الدراستين هو نفسه والد «نَسَب» «د. أديب حسين» (1929-1993)، ابن الرامة، الذي عايش الثورة الفلسطينية والإضراب عام 1936م، والحرب العالمية الثانية، والنكبة، والنكسة، وحرب تشرين -1973م، والحروب الإسرائيلية على لبنان وحربه الأهلية.

وفي جميع تلك الأحداث الكبرى كان «د. أديب حسين» يوثق بالكلمة المكتوبة الرأي والتشخيص الدقيق للواقع، والموقف مما يدور حوله من أحداث. ولم تلهِه تلك الأحداث عن التوثيق لقريته، وعائلتها، وسيرتها ومسيرتها، فقد التفت بقوة، وبمنتهى الجدّيّة إلى متابعة السجلات والوثائق وسجّل المقابلات الشخصية…

عندما فقدت «نَسَب» والدها وهي بعمر ست سنوات ونصف، التهبت حزنًا وأسى عليه، إلا أنها وضعت نصب عينيها أن تفي لهذا الوالد الذي لم يعش حياته من أجل نفسه وحسب، بل أن ما تركه من إرث توثيقي وتسجيلي، وفق ما هو موصوف أعلاه، يؤكد أنه ترك للأجيال القادمة ما يمكّنها من سبر غور الماضي، لفهم الحاضر، وحُسن التخطيط للمستقبل.

بعد جهود استمرت لبضع سنين، من العمل والبحث المتواصليْن، تمكنت «نَسَب»، بمساعدة أسرتها، ودعم وإسناد من قبل الأصدقاء والمعارف والأهل، من إخراج هذيْن المؤلفين إلى النور، ليصبحا مصدريْن مهميْن للباحثين، ليس عن الرامة وأهلها وسكانها وحسب، وإنما حول القضية الفلسطينية برمتها، لا سيما النكبة وما شهدته من أحداث، لا بد من التوقف عندها بالقراءة والتحليل، لما جرى في عموم قرى فلسطين ومدنها، وعلى امتداد جغرافيتها التي شهدت إقامة الدولة اليهودية عليها في ذلك العام المشؤوم (1948).

ففي الكتاب الأول «الرامة: رواية لم تُرو بعد»، جعلت «نَسَب» والدها، المتوفى قبل (30) عامًا، هو المؤلف الأول؛ وفاءً منها للأب المبدع، وعملًا بحق الملكية الفكرية لصاحب الأفكار التوثيقية الخلّاقة. فتوزع هذا الكتاب على توطئة وتقديم توضحان رحلة الكتاب وماهيته، وما رافق إعداده من إرهاصات وتفاعلات، وصولًا إلى ثلاثة فصول:

تم في الفصل الأول استعراض أصل للرواية؛ بأن غاص الباحثان في تفاصيل «الرامة» الاقتصادية والتعليمية، والثقافية، والصحية، والاجتماعية، كما وثق لبروتوكولات الحياة اليومية… وإذا توقفنا عند العلاقات الاجتماعية للقرية، وذاكرتها الشعبية، من قصص، وحكايات، نجد أنها تزخر بالمرح والفرح من جانب، كما أنها تشفّ عن طيب العلاقات بين أبناء القرية ومحيطها الجغرافي، القادمين من الطوائف المسيحية والطائفة الدرزية، وهي علاقات مشبعة بالوفاء والحب والقيم النابعة من عمق الانتماء إلى الأمة العربية وأصالته، القائمة على الكرم وحسن الاستضافة، والانتصار للمظلوم وردع الظالم وكفّ يده.

ومرّ هذا الفصل على ثورة 1936م، وما شهدته من أحداث ومشاركات في الاحتجاجات على ظلم التحالف البريطاني-الصهيوني، تتشابه مع باقي قرى فلسطين ومدنها، وتوقف عند مشهد الرامة قبيل قرار التقسيم (تشرين الثاني 1947).

 أما الفصل الثاني، فبدئ بقصة «نَسَب» مع النكبة؛ كيف تراها وتتفاعل مع أحداثها، كما سمعت عنها: قراءة، وأحاديث معاصريها وذكرياتهم. وهنا تبدأ الرواية، عندما صدر قرار التقسيم (181) بتاريخ 29/11/1947م، الذي وقعت فيه الرامة ضمن حدود الدولة الفلسطينية. ومنذ تلك اللحظة انطلقت العمليات العسكرية، الني انتهت بنكبة الشعب الفلسطيني وتشريده، وإقامة الدولة اليهودية على (78%) من أرض فلسطين، وليس على 55% منها وفق قرار التقسيم.

كانت الرامة ضمن الـ (23%) الإضافية، فعانى سكانها من شظف التشرد، وانضم أبناؤها إلى قوافل الشهداء. ويتضمن هذا الفصل يوميّات الرامة، وحالات من محيطها الجغرافي، بما فيها من عذابات القتل والأسر والطرد… الخ، حتى توقفت المدافع أواخر 1949م. فاستمرت بعدها رحلة الصراع مع الاحتلال على الهوية الوطنية للدروز، وعلى تحرير الأسرى، وعودة بعض اللاجئين المتسللين، وعلى محاربتهم في لقمة العيش، والخوف الدائم على حياتهم خلال الحكم العسكري (1949-1966). ثم تأتي النكسة (1967م) التي هي الارتداد الأعنف لزلزال النكبة.

وتختم «نَسَب» هذا الفصل بحوار مطوّل مع أبيها، وبالمزيد من البحث بين أوراقه، حتى تنجح في تحدي الذاكرة؛ عندما تبقى رسالة السابقين ورسالة «نَسَب» وجيلها للأجيال القادمة، لأن “الذاكرة مقاومة”، كما يقول إدوارد سعيد.

 أما الفصل الثالث والأخير، فيوثق لـ«د. أديب حسين» حرصه على علم الأنساب، عندما تتبّع أنساب العائلات التي سكنت الرامة، فكانت تنتسب إلى: الدروز، والمسيحيين (بخاصة الأرثوذكس). كما يتتبع العائلات التي هجرت إلى الرامة من قرى الجوار، مثل: إقرث، كفر عنان، وفراضية. كما يوجد مسلمون في الرامة من عائلات مختلفة. ويختتم هذا الكتاب بملاحق، تضم وثائق غاية في الأهمية للباحثين في مختلف المجالات.

وفي الكتاب الثاني «رسائل فوق المسافات والجدران»، تتبعت «نَسَب» مراسلات والدها «د. أديب حسين»، مع المؤرخ-السياسي اللبناني-الفلسطيني عجاج نويهض (1896م-1982م)، من رأس-المتن بلبنان، وكان بمثابة «الوالد الروحي» لأديب. وكان هذا الكتاب نتاج مراسلات متواصلة، ومتابعات حثيثة بين «نَسَب» والمؤرخة الفلسطينية «د. بيان نويهض الحوت»؛ ابنة عجاج المذكور وزوجة السياسي الفلسطيني شفيق الحوت. ويتألف هذا الكتاب من تمهيد وستة فصول وملحق، وفق الآتي:

تم في الفصلين الأول والثاني استعراض عملية البحث عن تلك الرسائل، التي استمرت بين الرسالة الأولى من «نَسَب» إلى «د. بيان» أواخر عام 2013م حتى أواخر عام 2019م. لينتي الأمر بالعثور على الرسائل المتبادلة بين نويهض وأديب. وجاء في الفصل الثالث، رصْد للرسائل، وإعادة طباعتها، وهي تغطي الفترة 1964-1973.

بقراءة متأنية لتلك الرسائل تجد أنها مشبعة بالأفكار، والمواقف، وما كانت عليه  الأحوال السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعائلية… الخ، في كل من فلسطين ولبنان. وكانت ذروة تلك الرسائل فيما يتعلق بتبادل المعلومات حول حرب تشرين (انطلقت في 6/10/1973) بين العرب بقيادة مصر، والكيان الإسرائيلي بدعم مطلق أمريكي وأوروبي، من حيث: النتائج، والتطورات، والمفاجآت.

 ولعلّ ذروة الأهمية، في ذلك كله، تكمن في رسالة نويهض في 30/10/1973، وردّ «د. أديب حسين» عليها بتاريخ (18/12/1973م). ففي هاتين الرسالتين تظهر نتائج تلك الحرب، كما يقرأها نويهض في وسائل الإعلام، فيرد عليه أديب بأصدق العبارات وأكثرها دقّة، في تحديد خسائر «إسرائيل» بنحو (5,000-7,000) قتيلًا و(12,000-15,000) جريحًا، ويصف حالة المجتمع لدى «إسرائيل»، إذ عمّ الحزن جميع أطراف البلاد؛ فلم يخل بيت من الحزن، ومعنوية الشعب هبطت إلى الحضيض، وأصبحوا في حالة من الذعر والخوف وعدم الاستقرار، ومعنويات الطيارين السيئة؛ إذ كانوا يرمون بقذائفهم بعيدًا عن الأهداف، خوفًا من اصطيادهم، ووقوعهم في الأسر، حتى أن قسمًا منهم رفض الأوامر”.

وفي الفصل الرابع، توثيق للزيارة التي قامت بها «نَسَب» لبيت عجاج نويهض في البقعة، بتاريخ (02/11/2020م)، وكانت على تواصل، عبر الفيديو المباشر، مع «د. بيان» التي غادرته في 26/04/1948م وهي بعمر الطفولة، فتتبعته واستعادت ذكرياتها فيه.

وجاء الفصل الخامس، مخصصًا للمراسلات بين «نَسَب» و«د. بيان»، خلال عاميّ 2019 و2020، تنمّ عن عمق الصداقة التي نشأت بينهما، وهم تتبادلان الرأي في عديد من القضايا العامة والخاصة.

ينتهي الكتاب بالفصل السادس، وهو عبارة عن رسالتيْن متبادلتيْن بين بين «نَسَب» التي تنتمي إلى جيل الانتفاضة، و«د. بيان» التي تنتمي إلى جيل النكبة. ولكل من هذيْن الجيليْن آراؤه وطموحاته، إلا أن ما يجمعهما هو الوطن الذي ضاع في غفلة من الضعف والفرقة والتشرذم.

ختامًا..

يشكل هذا الإنتاج الفكريّ ذروة الإبداع والتفاني في الإخلاص والوفاء الذي عبرت به بين «نَسَب» لوالدها، من خلال هذيْن السّفريْن، اللذين يشكلان إضافة نوعية للمكتبة العربية…

هنا، لا بد من الإشارة إلى أننا أمام ذخيرة علمية للباحثين في مختلف المجالات؛ إذ أن الباحثين في النكبة، ويومياتها، يجدون بيانات وبيّنات واضحة، وصادقة ودقيقة، تشكل إضافة مهمّة للرواية الوطنية حول النكبة التي لا تزال ناقصة من جانبنا. وينطبق نفس الشيء على حرب تشرين-1973 التي يتوفر عنها في مراسلات نويهض-أديب ما لا يوجد في أي مصدر آخر.

كما أن في هذيْن الكتابيْن، معًا، رسم دقيق ليومياتٍ تصل بالقارئ المتمعّن إلى معلومات مهمة، خلال فترة تتراوح بين (80-100) عام، عن التطور الديمغرافي والاجتماعي والاقتصادي في فلسطين بشكل عام، والجليل على وجه الخصوص –بخاصة الأنساب في الرامة.

نبذة..

نَسَب أديب حسين؛ تمتهن الصيدلة، وتهوى الأدب، وقد تطورت الهواية إلى أداء حَسَن وإبداعات يشار لها بالبنان، بدأتها منذ طفولتها؛ قبل أن تلج العقد الثالث من عمرها، في مجال الرواية، والقصة، والحكاية، وإتقان تدوين اليوميات وتوظيفها للتوثيق لقريتها «الرامة» مسقط رأسها، والقدس مدينتها التي عشقت عبر مسيرة عملها فيها، فأردفت بالحصول على اللقب الثاني في الدراسات المقدسية من مركز دراسات القدس في جامعة القدس، ومقره في باب القطانين بالقدس.

*عزيز العصا/ معهد القدس للدراسات والأبحاث/ جامعة القدس