2025.12.04
هذا أنا.. ولكن في هيئة بحر! مقالات رأي

هذا أنا.. ولكن في هيئة بحر!


يوسف الشمالي
24 نوفمبر 2025

البحر، هذا الامتداد الذي لا يُقاس بحدود النظر، هو المرآة الكبرى التي تعكس وجه الإنسان حين يجرؤ على النظر في أعماقه. ليس البحر مجرّد مساحة مائية، بل هو ذاكرة حيّة، كائن له نبضه وهديره وصمته، يتقاطع فيه المادي بالرمزي، والملموس بالمتخيل. حين نقف أمامه، لا نرى فقط ملوحة الزّرقة ولا الموج المتكسّر على الرمل، بل نرى تاريخًا من الأسئلة التي لم تُجب، ونسمع صوتًا قديمًا يأتي من جهة القصيدة، من زمنٍ كان الشعراء فيه يُبحرون بالكلمات قبل أن يعرفوا السفن.

في التراث الأدبي، لم يكن البحر مكانًا فحسب، بل كان حالةً نفسية. هو المدى الذي يهرب إليه الشعراء حين تضيق الأرض، وهو المجهول الذي يرمزون به إلى قدرهم، إلى الحب، إلى الفقد، إلى الله أحيانًا. "امرؤ القيس" رأى فيه طريق التّيه، و"أبو تمام" جعله صورة للبطولة، و"المتنبي" التقط من هديره معنى الكبرياء، بينما عند "نزار قباني" تحوّل البحر إلى جسدٍ أنثوي يتقلّب بين الغواية والحنان. البحر في الأدب العربي ليس عنصرا طبيعيًّا بل كيانا لغويّا، يُعاد خلقه في كل بيتٍ شعريٍّ بحسب انفعال قائله. إنّه يتّسع للمدلول كما تتّسع مياهه للسماء. فهو من جهةٍ، استعارة للحياة بكل تقلّباتها، ومن جهةٍ أخرى هو امتحانٌ للغة نفسها: هل يمكن للكلمة أن تبلغ عمق الموج؟

ولأن العرب أحبّوا الوزن والإيقاع كما أحبّوا السفر، لم يكن غريبًا أن يُسمّوا أوزان شعرهم "بحورًا". فالشاعر حين يختار البحر الكامل أو الطويل أو الوافر، إنّما يختار مركبه الإيقاعيّ للإبحار في المعنى. هناك صلة خفيّة بين الموجة العروضية والموجة المائية، كلاهما يولد من خفقٍ داخليّ ويتكسّر على شاطئ المعنى. فبحر البسيط مثلاً، بامتداده وانسيابه، يشبه بحرًا هادئًا في ظهيرة صيف، بينما البحر الطويل كالمحيط لا يُرى آخره، يحتاج إلى نفسٍ طويل ومجدافٍ من الصبر. كأنّ "الخليل بن أحمد"، حين نظّم هذه البحور، لم يفعل سوى أن رسم خرائط لرحلات شعريّة تشبه رحلات البحّارة، فيها المخاطرة والاكتشاف والضياع.

غير أن البحر في الوعي الجمعي العربي لم يكن دومًا رمزًا للرومانسية أو الحنين، بل كان أيضًا مصدر خوف وغموض. فالمجتمعات الساحلية في بلادنا تعلّمت أن تحبّه بحذر. يهب رزقه كما ينتزع الحياة بلا إنذار. من أمثلتنا الشعبية: "البحر غدّار"، و"البحر ما له أمان"، كأن الناس وجدوا فيه مرآةً لطبيعة الإنسان ذاته، هذا الكائن المتقلّب بين الهدوء والعاصفة. ومع ذلك، لم يكفّوا عن مخاطبته بلهجة الأب أو الصديق أو الغريم، يرمون له أمنياتهم كما تُرمى القوارب الصغيرة في موجه، ثم ينتظرون عودتها على شكل سمكةٍ أو معجزة.

لكن ثمّة بحر آخر، ليس كبقيّة البحار، بحرٌ له لون المقاومة ونبض الكرامة، بحر غزة. ذاك البحر الذي صار للحرية شاطئًا، وللألم نافذة، وللأمل مرآة. هناك، عند الحدّ الأخير من الوطن، يتّسع البحر ليصير قلبًا يواجه الحصار، وصوتًا لا يخضع للمدافع. إنه البحر الذي يشهد على صبر الناس ودمهم، البحر الذي لا يلين ولا يُهادن. ولعلّ "محمود درويش" حين قال في جداريته: "هذا البحر لي... هذا الهواء الرطب لي"، لم يكن يعلن ملكيةً جغرافية بقدر ما كان يعلن انتماءً وجوديًّا، وحقًّا في التنفّس، في أن يكون للإنسان مكانٌ يقول له: أنا لك. فبحر غزة ليس أزرقًا فقط، بل هو أحمر من شدّة النّزف، وأخضر من عناد الحياة. إنّه البحر الذي يحرس الذاكرة كما تحرس الموجة رملها من الزوال، يرفض أن يكون ممرًّا للهوان، ويصرّ أن يبقى أفقًا مفتوحًا على فكرة الحرية.

وربما آن الأوان أن نعيد اكتشاف البحر بعيدًا عن الموروثات التي كبّلته، كما نعيد اكتشاف اللغة نفسها حين تتحرّر من تكلّف البلاغة. فالبحر ليس فقط ما كان يقول عنه الأوّلون، ولا ما صوّره الشعراء من رومانسية أو بطولات، بل هو تجربة وجودية خالصة: مساحة للإنصات. حين تجلس أمامه صامتًا، يذكّرك بأن اللغة ضيّقة، وأن ما لا يُقال أعمق من كل الكلام.

في لحظةٍ ما، حين يختلط صخب الموج بهدوئك الداخلي، تشعر أنّ البحور كلها - المائية والعروضية والمعنوية - تتلاقى في نقطة واحدة: في الإيقاع الخفيّ للحياة. فكما يمدّ البحر موجه ثم يسحبه، يمدّ الإنسان حلمه ثم يتراجع عنه، وكما تتعاقب موجات الشِّعر بين ارتفاع وانخفاض، تتعاقب نبضات الوجود بين الأمل والانكسار. ليس البحر في النهاية سوى استعارة للإنسان نفسه: غامضٌ، متغيّر، عميق، جميل وخطر في آنٍ واحد. لذلك ربما لا يُفهم البحر بالكلمات، بل بالسكوت أمامه، حيث تتلاشى الحدود بين اللغة والماء، بين الوزن والصدى، بين الشاعر والبحّار.

وهكذا، يبقى البحر، مهما تغيّرت الأزمنة، فضاءً لتجريب المعنى، ومختبرًا للحرية. هو النداء الذي لا يُجاب إلا بالرحيل، والعالم الذي لا يُرى إلا من فوق موجٍ متكسّر. لا يحتاج البحر إلى مديحٍ جديد، بل إلى نظرة جديدة، نظرة تُعيد إليه ما فقده في زحمة الصور الجاهزة، وتعيد إلينا تلك الدهشة الأولى حين وقف الإنسان أمام الموج وقال في نفسه: هذا أنا، ولكن في هيئة ماء.