هذا هو لص القبور «مايكل شتاينهاردت»

انتهت المعركة التي خاضتها السلطات العراقية ضد لصوص “تاريخ وحضارة” البلاد، إلى استعادة «لوح غلغامش»، وقد تزامن هذا مع ظهور تفاصيل كاملة عن التحقيقات التي توصل إليها مسؤولون في منطقة مانهاتن الأمريكية بشأن  قطع الآثار المنهوبة التي ضُبطتْ لدى الملياردير الأمريكي، مايكل شتاينهاردت، والتي لخصت نتائجها مدى التحالف القائم بين الجماعات الإرهابية ـ في الشرق الأوسط ـ و”زعماء الجريمة وغاسلي الأموال وغزاة القبور” لاستنزاف الخيرات الحضارية للشعوب التي تعاني من الاحتلال والحروب الأهلية والاختراقات الخارجية.

وإن كان الملياردير الأمريكي مايكل شتاينهاردت ـ وهو يهودي من أصل هنغاري وأحد أكبر جامعي الأعمال الفنية القديمة في العالم بالطرق غير المشروعة ـ قد سلم 180 قطعة أثرية مسروقة بقيمة 70 مليون دولار، وتلقى حظرًا مدى الحياة يمنعه من الحصول على المزيد من الآثار كجزء من صفقة أبرمت مع مكتب المدعى العام لمنطقة مانهاتن في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن هذه النتيجة التي تبدو كتسوية مرضية للجميع لن توقف مسلسل الاعتداء على الثروات الثقافية للشعوب، خاصة في المناطق التي تشهد حروبا طاحنة.

ووجد المحققون أن شتاينهاردت، كان بحوزته القطع الأثرية المنهوبة التي تم تهريبها من 11 بلدا عبر 12 شبكة إجرامية، وفقًا لبيان صدر يوم الاثنين عن مكتب المدعي العام في مانهاتن، سيراس فانس جونيور الذي أوضح أنه و”لمدة عقود من الزمان، أظهر مايكل شتاينهاردت شهية جشعة للقطع الأثرية المنهوبة دون أدنى قلق بشأن شرعية أفعاله، أو شرعية القطع التي يشتريها ويبيعها، أو الضرر الثقافي الجسيم الذي أحدثه في جميع أنحاء العالم”.

ومثلت هذه التسوية نهاية تحقيق دولي بدأ في عام 2017، حيث تعاون مكتب المدعى العام لمنطقة مانهاتن (DA) مع سلطات إنفاذ القانون في العراق وسوريا وليبيا ومصر ولبنان والأردن واليونان وبلغاريا وإيطاليا وتركيا بالإضافة إلى سلطات الاحتلال الصهيوني في فلسطين.

شتاينهاردت ليس بريئا لكنه لن يُحاكم

وقال محامو شتاينهاردت، أندرو جيه ليفاندر وثيودور في ويلز جونيور، في بيان كشفت فحواه CNN، يوم الثلاثاء، إن موكلهما كان سعيدًا بانتهاء تحقيق مكتب المدعي العام في مانهاتن دون توجيه أي تهم “وأن العناصر التي أخذها الآخرون بشكل خاطئ، ستُعاد إلى بلدانهم الأصلية”.

وتوصل شتاينهاردت ـ ضمن هذه التسوية ـ على إعادة جميع القطع الأثرية الـ180، التي تمت مصادرتها إلى أصحابها الشرعيين، وفقًا لـ “فانس”، بما يعني أن هذا الاتفاق من شأنه إنهاء تحقيق هيئة المحلفين الكبرى، حيث لن يتم مقاضاته شتاينهاردت جنائيًا في هذه القضية.

وأسس شتاينهاردت شركته لصناديق التحوط Steinhardt Partners LLP في عام 1967، والتي أُغلقت في عام 1995، كما شغل منصب رئيس مجلس إدارة Wisdom Tree Investments  لمدة 15 عاماً قبل تقاعده في عام 2019.

وبدأ التحقيق الجنائي في عام 2017، عندما وجد مكتب المدعي العام أدلة دامغة على أن شتاينهاردت اشترى تمثالًا تقدر قيمته حالياً بـ12 مليون دولار يمثل “رأس ثور”، كان قد سُرق خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وأعاره لاحقاً إلى متحف متروبوليتان للفنون في مدينة نيويورك.

كما تم الاستيلاء على تمثال رخامي ثان لحامل عجل، والذي تعود أصوله إلى لبنان والذي اشتراه أيضاً شتاينهاردت بملايين الدولارات، وتقدر قيمة حامل العجل الآن بـ10 ملايين دولار، وفقاً للاتفاق.

وقال مكتب المدعي العام، إنه أثناء عملية الكشف عن التماثيل اللبنانية، علم أن شتاينهاردت يمتلك آثاراً إضافية منهوبة في شقته ومكتبه، وبعد فترة وجيزة، بدأ تحقيقاً جنائياً لهيئة المحلفين الكبرى في اقتنائه وحيازته وبيعه أكثر من ألف قطعة أثرية منذ عام 1987 على الأقل.

وكجزء من هذا التحقيق نفذ مكتب المدعي العام، 17 أمر تفتيش قضائي وأجرى تحقيقات مشتركة مع سلطات إنفاذ القانون في 11 بلدا، حيث داهم المحققون منزل ومكتب شتاينهاردت وهناك صودرت 180 قطعة تم تحديد 171 منها بحوزة تجار الآثار، الذين حصلوا عليها بالنهب خلال الاضطرابات المدنية.

وتشمل القطع المصادرة والتي يرجع تاريخ بعضها إلى ما قبل 1500 قبل الميلاد: أقنعة الموت الحجرية من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وصندوق لبقايا بشرية من جزيرة كريت، ولوحة جدارية ممزقة من جدران فيلا رومانية قديمة.

كما كان من بين الآثار المنهوبة، طبق ذهبي يعود إلى “النمرود”، وتم سرقته من العراق أثناء هجوم “داعش” على مناطق ومدن عراقية حيث تم نهب آثار وبيعها في أسواق الفنون العالمية، وقد ظهر الطبق للمرة الأولى في هذه الأسواق عام 2019.

«لوح غلغامش» التاريخي يعود إلى موطنه

يوم الثلاثاء الفارط أعلنت السلطات العراقية، عودة «لوح غلغامش»، التاريخي الذي يقدر عمره بـ3500 عام إلى موطنه العراق، بمساعدة الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي وصفته بـ”الانتصار” على سراق “تاريخ وحضارة” البلاد.

وجرى تسليم اللوح خلال مؤتمر صحفي مشترك لوزيري الخارجية فؤاد حسين والثقافة والسياحة والآثار حسن ناظم الذي قال إن لوح غلغامش “له أهمية كبيرة لأنه من أقدم النصوص الأدبية في تاريخ العراق”.

واللوح الأثري مصنوع من الطين ومكتوب عليه بالمسمارية جزء من «لوح حلم غلغامش» الذي يعتبر أحد أقدم الأعمال الأدبية للبشرية، ويروي مغامرات أحد الملوك الأقوياء لبلاد ما بين النهرين في سعيه إلى الخلود.

وقال رئيس هيئة الآثار والتراث في وزارة الثقافة ليث مجيد لوكالة فرانس برس إن اللوح “سرق خلال أعمال نبش في موقع أثري عام 1991” فيما كان العراق غارقا في حرب الخليج الأولى.

واعتبر وزير الثقافة أن استعادة اللوح “رسالة لكل الذين هربوا الآثار وتلاعبوا فيها وباعوها في المزادات العالمية، بأن المآل الأخير سيكون استردادها”، فيما أوضح وزير الخارجية أن العراق “تمكن من استعادة 17916 قطعة أثرية من دول عدة هي الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وهولندا وإيطاليا”، على مدى عام واحد.

ورأى في تسلم هذه القطعة الأثرية “انتصارا على المحاولات اليائسة التي تحاول سرقة التاريخ العظيم والحضارة العريقة، ورسالة إلى كل من يسعى لتشويه هوية عراق ما بين النهرين”.

وكان تاجر أعمال فنية أمريكي اشترى اللوح الأثري في 2003 من أسرة أردنية تقيم في لندن، وبعد وصول اللوح إلى الولايات المتحدة باعه التاجر في 2007 لتجار آخرين مقابل 50 ألف دولار وبشهادة منشأ مزورة.

وفي 2014 اشترت هذا اللوح بـ1,67 مليون دولار أسرة غرين التي تمتلك سلسلة متاجر “هوبي لوبي” والمعروفة بنشاطها المسيحي من أجل عرضه في متحف الكتاب المقدس في واشنطن.

لكن في 2017، أعرب أحد أمناء المتحف عن قلقه بشأن مصدر اللوح بعدما تبين له أن المستندات التي أبرزت خلال عملية شرائه لم تكن مكتملة، وفي سبتمبر 2019 صادرت الشرطة هذه القطعة الأثرية.