الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

هرمجدون الأمريكي-الصهيوني.. أساطير تُطلق صواريخ

Author
صبرينة عيلان 11 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يرى كلٌّ من الخبير في العلاقات الدولية محمد اليمني، والمحلّل السياسي فاروق طيفور، في تصريحاتهما لـ”الأيام نيوز”، أن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، لا يقتصر على أهداف استراتيجية أو أمنية، بل يتخفّى خلف ستار من الرمزية الدينية والتاريخية، لتضليل الرأي العام، وإضفاء شرعية وهمية على حملات الإبادة، والتدخّل المباشر في شؤون دولة ذات سيادة. فاستحضار الخطاب العقائدي ودمجه مع سرديات “نهاية العالم” لا يعدو كونه أداة لتزييف الحقيقة وتحويل العدوان، إلى معركة مُفترضَة بين الخير والشر، بينما تبقى حسابات النفوذ والسيطرة على مصادر الطاقة، والممرّات الاستراتيجية هي المحرّك الحقيقي للقرار الأمريكي والصهيوني.

 في مشهد يمزج السياسة بالطقوس الدينية، يظهر دونالد ترامب في المكتب البيضاوي محاطا برجال دين يضعون أيديهم على كتفيه أثناء الصلاة، كأن حماية القوات المسلحة الأمريكية أصبحت رهينة “الخطة الإلهية” المرتبطة بمعركة هرمجدون. وفي الوقت نفسه، تطلق “إسرائيل” أسماء عملياتها العدوانية على إيران مثل “درع يهودا” و”زئير الأسد”، وتسمية أسراب طائراتها بـ”سفر التكوين”، متزامنة مع عيد بوريم اليهودي، في محاولة واضحة لتوظيف الرمزية الدينية لتحويل العدوان إلى امتداد لصراعات تاريخية، وإخفاء الطبيعة العدوانية الحقيقية للغارات والمخططات الأمريكية الصهيونية.

هذا التلاعب بالرموز والطقوس الدينية يكشف الوجه الحقيقي للعدوان: حرب مفروضة، تستهدف الهيمنة الإقليمية والسيطرة على مستقبل المنطقة، ويتم تلميعها إعلاميا وشرعنتها عقائديا أمام الرأي العام الغربي، في حين تظل إيران تحت طائلة تهديد مباشر من تحالف يمزج بين القوة العسكرية والطموحات التوسعية، في أبعاد دينية وسياسية مختلقة.

وفي الضفة الأخرى من الصراع، تبدو الرمزية الدينية حاضرة كذلك في الخطاب الصهيوني. فقد غيرت “إسرائيل” اسم عمليتها العسكرية ضد إيران من “درع يهودا” إلى “زئير الأسد”، وأطلقت على بعض أسراب الطائرات المشاركة تسمية “سفر التكوين”، كما اختارت توقيت العملية ليتزامن مع عيد بوريم (Purim)، وهو عيد يهودي يرتبط بسردية النجاة التاريخية لليهود من الإبادة في الإمبراطورية الفارسية القديمة. هذه الرموز لا تبدو مصادفات لغوية أو توقيتات عابرة فحسب، بل تعكس محاولة لإضفاء بعد تاريخي ولاهوتي على المواجهة مع إيران، بما يحولها في المخيال السياسي إلى امتداد لصراعات قديمة.

من “درع يهودا” إلى “زئير الأسد”

في هذا السياق، يوضح الخبير في العلاقات الدولية محمد اليمني في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن “(إسرائيل) اختارت إطلاق أسماء ذات دلالات توراتية على عدوانها العسكري ضد إيران، فقد بدأت العملية باسم ‘درع يهودا’ قبل أن يتم تغييرها لاحقا إلى ‘زئير الأسد’، كما أطلقت تسمية ‘سفر التكوين’ على بعض أسراب الطائرات المشاركة في الهجوم”. ويشير إلى أن “توقيت العدوان تزامن مع عيد بوريم، وهو أحد الأعياد اليهودية المرتبطة بقصة النجاة التاريخية لليهود من الإبادة في الإمبراطورية الفارسية القديمة”، ما يمنح العدوان بعدا رمزيا يتجاوز الحسابات العسكرية.

محمد اليمني

ويضيف اليمني أن هذا التزامن “يحمل دلالات رمزية واضحة”، لأنه يعيد استحضار سردية تاريخية تقوم على فكرة الدفاع الوجودي ضد تهديد خارجي، في محاولة لتبرير العدوان على إيران كمعركة حضارية وتاريخية. فحين تُربط الهجمات العسكرية بذاكرة دينية عميقة، تتحول العدوانات من اعتداء على دولة ذات سيادة إلى ما يُصوَّر كمعارك ذات بعد وجودي، ويصبح اختيار أسماء توراتية جزءا من استراتيجية رمزية تهدف إلى ربط الحاضر بالماضي.

ولا يقتصر الأمر على الداخل الإسرائيلي، بل يمتد إلى شبكة واسعة من التفاعلات الفكرية والسياسية، خاصة مع بعض التيارات الدينية في الولايات المتحدة. فاليمني يشير إلى “التقاطع بين الصهيونية الدينية داخل الكيان والتيارات المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة”، موضحا أن كلا التيارين ينظر إلى الشرق الأوسط من زاوية دينية ترتبط بنبوءات نهاية الزمان، حتى وإن اختلفت التفاصيل اللاهوتية بينهما.

ويضيف أن هذا التقاطع “يخلق نوعا من التحالف غير الرسمي الذي يجمع بين الاعتبارات السياسية والعقائدية”، ففي حين ترى بعض التيارات الصهيونية أن العدوان على إيران ضرورة أمنية، ينظر بعض الإنجيليين الأمريكيين إلى الهجوم باعتباره جزءا من معركة كونية بين الخير والشر، في محاولة لتبرير طبيعة العدوان الأمريكي أمام الرأي العام.

غير أن هذا التداخل بين الرمزي والديني من جهة، والاستراتيجي من جهة أخرى، يطرح سؤالا أوسع حول طبيعة العدوان نفسه: هل يُقدم على أنه عقائدي بالفعل، أم أن الدين يستخدم فقط كأداة خطابية لتبرير الهجمات وتهيئة الرأي العام؟

بين السياسة واللاهوت

المحلل السياسي فاروق طيفور أوضح في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن “لا يمكن توصيف عدوان الولايات المتحدة ضد إيران على أنه حرب دينية بالمعنى المباشر أو الصريح”، لأن القرارات الاستراتيجية الكبرى في السياسة الدولية تُبنى أساسا على مصالح سياسية وأمنية واقتصادية، وليس على عقائد دينية. فالعدوان الأمريكي على طهران يرتبط، بحسبه، بملفات معقدة مثل النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط، والبرنامج النووي الإيراني، وأمن الممرات البحرية والطاقة، إضافة إلى شبكة التحالفات التي تقودها واشنطن لتعزيز هيمنتها في المنطقة.

فاروق طيفور

غير أن طيفور لا يغفل عن وجود أبعاد دينية في الخطاب الأمريكي الذي يبرر العدوان، إذ يشير إلى أن بعض التيارات الإنجيلية المحافظة داخل الولايات المتحدة تنظر إلى صراعات الشرق الأوسط من منظور عقائدي يرتبط بتصورات نهاية العالم، وبما يعرف في الفكر المسيحي الإنجيلي بمعركة هرمجدون. هذه الرؤية، بحسبه، تستخدم لتبرير العدوان، وربط الهجمات بأحداث يُعتقد أنها تسبق نهاية الزمن، وهو ما يمنح التدخل الأمريكي غطاء أخلاقيا زائفا أمام الرأي العام.

ويضيف طيفور أن الفارق الأساسي يكمن في التمييز بين الخطاب الديني الذي يُستخدم لتبرير العدوان، وعملية صنع القرار الفعلية، التي تخضع لحسابات استراتيجية تتعلق بحماية النفوذ الأمريكي وحلفائه، وتأمين مصالح اقتصادية وجيوسياسية، ومنع انتشار الأسلحة النووية. لذلك، يظل الدين أداة تعبئة إعلامية لتغطية العدوان، وليس أساس القرار العسكري في واشنطن.

وبينما يضع هذا التحليل حدودا واضحة بين العقيدة والحسابات الاستراتيجية، يعود النقاش إلى الدور الذي تلعبه الرمزية الدينية في تأطير العدوان، خاصة في الخطاب الصهيوني. ففي هذا السياق، يشير اليمني إلى أن اختيار أسماء العمليات ذات الدلالات الدينية أو التوراتية، مثل “سفر التكوين”، أو تزامنها مع عيد بوريم، “يحمل رمزية تاريخية وثقافية”، ويهدف إلى “ربط العدوان بسرديات دينية وتاريخية لتعزيز المعنويات الداخلية وإضفاء بعد رمزي أو وجودي على الحرب”.

وبهذا الأسلوب، يظل العدوان على إيران – سواء من قبل الولايات المتحدة أو (إسرائيل) – عملية عدوانية قائمة على فرض النفوذ وإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة، غير أن تغليفه بالرمزية الدينية يمنحه بعدا إضافيا يجعل الهجمات تبدو وكأنها مواجهة حضارية أو لاهوتية، في محاولة لإخفاء طبيعتها العدوانية أمام الرأي العام.

ويشير اليمني إلى أن هذا المسار قد يفاقم التوترات في الشرق الأوسط بشكل كبير، فحين تؤطر الحروب نفسها دينيا، “يصعب احتواؤها أو إنهاؤها عبر التسويات السياسية التقليدية”، لأن الأطراف التي تقدم العدوان باعتباره “معارك مقدسة” تخوضه ليس بالسلاح فقط، بل أيضا بالمعتقدات والرموز، مما يطيل أمد العدوان ويزيد من تعقيداته.

ومن زاوية أخرى، يوضح طيفور أن توظيف الرموز الدينية في تسمية العمليات يدخل ضمن أدوات الحرب النفسية والدعاية السياسية. فالرمزية تمنح العدوان إطارا ثقافيا وتاريخيا أوسع، وتعيد تفسير الهجمات في ضوء سرديات الهوية والذاكرة الجماعية، وهو ما يعزز حضوره في الخطاب الإعلامي والسياسي، بينما تظل القرارات العسكرية مرتبطة في الجوهر بحسابات الردع وتوازنات القوة، حتى مع تغليفها أحيانا بلغة دينية أو تاريخية.