الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

هرمز يبطل لعنة الجغرافيا.. حضارة إيران تنتصر على “حجرية” ترامب

Author
الأيام نيوز 08 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

منذ البداية، تبيّن بوضوح، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كان يصعّد منسوب تهديداته تدريجيا، حتى بلغ ذروته في آخر تصريحاته، حين لوّح بتدمير إيران كليا. ومع بلوغ هذا الخطاب الجنوني حدّه الأقصى، لم يعد هناك مجال لمزيد من التصعيد اللفظي، ما جعل المشهد ينقلب إلى لحظة مكاشفة: فقد توقّف منطق التهديد، وبرزت المقاربة التفاوضية، مع اعتبار النقاط الـ10 التي قدّمها الجانب الإيراني أرضية عملية يمكن البناء عليها، خلال مهلة زمنية لا تتجاوز 15 يوما.

هذه النهاية جاءت كخلاصة لمشهد حاد، ظهرت فيه إيران ممسكة بورقة قوة استراتيجية فريدة، فهي تتحكم في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية للطاقة العالمية، ما يمنحها القدرة على كسر شوكة أعدائها وفرض شروطها على الجميع. غير أن هذه القوة تتقاطع مع لعنة الجغرافيا، فإيران محاطة بجيران يستضيفون قواعد عسكرية أمريكية، ما يحوّل أي تحرّك عسكري كبير ضد هذه القواعد إلى تحدّ مزدوج: فهي مضطرة للاحتفاظ بضبط النفس تجاه هؤلاء الجيران، الذين يصعب تصنيف موقفهم بدقّة بين أعداء لا يعلنون عن أنفسهم أو ضحايا وضع اختاره لهم الحليف الأمريكي. هذه المفارقة وضعت إيران في موقف بالغ الدقة بين استثمار قوتها الاستراتيجية وقيود بيئتها الإقليمية، وهو ما جعلها دولة يصعب أن تنتصر – بالمعنى التقليدي للكلمة – أمام هذا الحجم من الأعداء، لكنها، في المقابل، يستحيل أن تنهزم.

تتضح المفارقة بشكل أكبر عند موازنة القوة الاستراتيجية الواسعة لإيران في مضيق هرمز مع قيودها العملياتية على الأرض. فحتى مع امتلاكها قدرات هجومية متقدمة، تتراوح بين صواريخ قصيرة المدى وزوارق صغيرة وغواصات، فإن أي تصعيد مباشر ضد قواعد العدو لدى جوارها، أو السفن العابرة للمضيق كان سيضعها أمام مواجهة معقدة، بلا غطاء سياسي واضح، رغم أن لديها ما يكفي من المبررات لتبرير تحركها. هذه البيئة تجعل اتخاذ القرار العسكري عملية دقيقة للغاية، إذ يتعين على طهران الموازنة بين الضغط على أعدائها والحفاظ على الاستقرار الإقليمي النسبي، بما يمنع انفجار صراعات يصعب السيطرة عليها، إذ أن نيرانها لا تهم واشنطن التي ستلوذ بالفرار، ولا يراها جيران طهران بوضوح، فهم يطلعون على المشهد من زاوية قاتمة.

وفي المقابل، نجد أن “العدو” الأمريكي، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، يتحرك بلغة تهديدية فجّة، مليئة بالمبالغة والإسقاطات، ما يكشف ضعفا في فهم الواقع الاستراتيجي. فخطابه حول تهديد إيران بـ”العصر الحجري” وإغراق المضيق بالنار لم يؤد إلا إلى تعزيز صمود إيران وإرباك الحلفاء، وهكذا ظهر ترامب كرجل مجنون ومتهور، يتعين الحذر منه، دون الخضوع له، وهو بالضبط ما يتقنه الإيرانيون غالبا، وقد فعلوها.

ولا يقتصر الضرر من هذا الخطاب على العلاقات الدولية فحسب، بل يمتد إلى الاستقرار الإقليمي والسياسة الداخلية للولايات المتحدة نفسها. فسياسة التخويف والإرهاب الكلامي تحوّل أي تهديد إلى عامل استفزاز مستمر، وتخلق بيئة تسمح باستخدام القوة المفرطة دون اعتبار للمدنيين أو للأسواق العالمية للطاقة. وهكذا، ظهر ترامب ليس كقائد بلد يُفترض أنه متحضر، بل كمن يثير الحروب ويحوّلها إلى مسرح للعنف الكلامي والإرهاب الاستراتيجي، فيما الدولة المستهدفة – إيران – تضطر إلى ضبط النفس والصمود بعقلانية إلى أن تحقق هدفها وتجرّ عدوها للاعتراف بانتصارها، مع منح الأخير شرف الحفاظ على ماء وجهه.

حين هدد ترامب بتحويل إيران إلى “العصر الحجري”، فإنه أظهر عجزه عن فهم الواقع المعقد، فهو لا يستطيع تنفيذ تهديداته إلا عبر قواعده العسكرية في الخليج، حيث يُقدّم قادة هذه الدول أنفسهم كضحايا محتملين. فهل يدرك هؤلاء القادة أن صمتهم أمام هذا السلوك الفج يعكس قوة الصبر التي تحلت بها إيران حفاظا عليهم، بينما هم يغرقون في مخاطر استراتيجية وسياسية؟ وإضافة إلى ذلك، أليس الرئيس الذي يهدد بالعصر الحجري هو نفسه أسير فكر حجري؟

لقد ردّ النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف على تهديدات ترامب، مؤكدا أن إيران “حضارة عبرت آلاف السنين من الاضطرابات وأوهام الحاقدين ولن ترتعد فرائصها بترهات ترامب التي تنتمي للعصر الحجري”، على حدّ تعبيره. وقال عارف إن “ردنا على وحشية العدو هو التمسك بالمصالح الوطنية والاعتماد على القوة الذاتية لشعب إيران العظيم”.

وجاء الرد الإيراني بعد منشور لترامب على منصة «تروث سوشيال» لوّح فيه بـ”اندثار حضارة بأكملها”، معتبرا أن ذلك “مرجح”. هذه المفارقة تتضح أكثر حين ننظر إلى عمق الحضارة التي يمثلها هذا البلد: فهي ليست مجرد دولة يمكن النظر إليها وفق توازنات اليوم، فالحضارة هنا ليست حجارة أو تماثيل محفوظة في المتاحف، بل قدرة على البقاء والتكيف عبر الزمن. الأدب والفلسفة والعلوم والروحانية كلها تشكل مزيجا من العقلانية والإبداع، ومصدرا للصمود أمام تهور القوى الخارجية. ومن الخيام إلى ابن سينا، ومن الغزالي إلى الرومي، يتضح أن هذا الإرث لا يُمحى بالتهديدات العسكرية أو الخطابات الفجّة.

وهذا يجعل الدفاع عن الحقائق التاريخية والمعرفية ليس انحيازا ضيقا، بل صونا للذاكرة الإنسانية أمام تبسيط وحشي يختزل الأمم إلى خرائط قصف وأهداف عسكرية. فالمدفع لا يستطيع تفسير الحضارات، كما لا تستطيع الكراهية قهرها بكلمات، حتى لو خرجت من فم رئيس أقوى دولة في العالم. السؤال المركزي إذن: ماذا يكشف هذا الخطاب العدواني، بكل فظاظته وتهديداته، عن أزمة القوة الأمريكية نفسها، وعن محدودية فهم من يعتقد أن السيطرة تنبع من لغة القنابل قبل لغة العقل؟

وفي سياق متصل، أشار مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا إلى أن الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة والتي تخلت عنها واشنطن أصبحت “ضحايا المأساة” في الشرق الأوسط. وأضاف نيبينزيا خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي: “لقد رأينا بالفعل كيف حاولت الولايات المتحدة تبرير ضرباتها باستخدام حق الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مع إعطائها تفسيرا استباقيا”.

وتابع: “على الرغم من تضامننا الكامل مع الدول العربية التي تخلت عنها واشنطن وأصبحت ضحايا المأساة في المنطقة، لا يسعنا إلا أن نلاحظ أن محاولة فرض قواعد اللعبة في مضيق هرمز لن تخدم إلا أولئك الذين يريدون تقويض الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وخارجه”. كما أدان المندوب الروسي العدوان الأمريكي والإسرائيلي، مؤكدا احترام موسكو لسيادة جميع دول المنطقة ووحدة أراضيها، ورفضها أي هجمات على المدنيين أو البنية التحتية المدنية.

من جانبه، دعا الإعلامي الأمريكي المشهور تاكر كارلسون العسكريين الأمريكيين إلى عدم الامتثال لأوامر الرئيس ترامب بشأن ضرب إيران. وقال كارلسون في بودكاست له أمس الثلاثاء: “ينبغي على الأشخاص الذين على اتصال مباشر مع الرئيس أن يقولوا (لترامب): ‘لا، أنا أقدم استقالتي، وسأفعل كل ما بوسعي في إطار القانون لوقف ذلك لأنه جنون. وإذا تلقيت أمرا لن أنفذه، وتصرف مع شفرة الحقيبة النووية بنفسك’، لأن كل شيء على المحك الآن وهذه ليست هستيريا”.

وكان كارلسون قد وصف الضربات الأمريكية على البنية التحتية في إيران بأنها “غير مقبولة” وتمثل “جريمة حرب”، معتبرا أن الولايات المتحدة لم تحقق انتصارا في هذا النزاع. وردا على انتقادات كارلسون، الذي كان من مؤيدي دونالد ترامب سابقا، قال الرئيس الأمريكي في تصريحات صحفية إن كارلسون “شخص محدود الذكاء”. وهو ما يوحي، ضمنيا، بأن ترامب يرى نفسه أكثر ذكاء، وربما أكثر مما ينبغي؛ ذلك النوع من الذكاء الذي ينقلب على صاحبه، كما ينقلب ترامب على حلفائه في الخليج، بل وينقلب على مواقفه، معلنا تراجعه أمام إيران التي كان يطالبها بالاستسلام.

رابط دائم
https://elayem.news/k5ge8