هل أنهت الأزمات العالمية الطارئة سياسة المحاور في الراهن العربي ؟

بحلول الرابع والعشرين من شهر جوان/ حزيران من العام الجاري، بدا أن صفحة مُظلمة من تاريخ العلاقات المصرية القطرية قد طويت، ذلك أن في صبيحة هذا اليوم قد حطّت طائرة أمير قطر تميم بن حمد، في مطار القاهرة الدولي، بعد سنوات من المقاطعة والحصار الذي فرضته 4 دول عربية على الدوحة

ثم أتى الرد المصري في الثالث عشر من أوت/آب، بزيارة قادت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الدوحة، وهي الزيارة الأولى منذ توليه السلطة في القاهرة.

وهو ما فتح الباب للحديث عن بداية عهد جديد ليس بين البلدين فحسب، بل أيضا على المستوى العربي، لا سيما بعد التقارب الخليجي القطري، والسوري الإماراتي، وغيرها من التطوّرات بعد سنوات من اتّباع سياسات المحاور داخل النظام الإقليمي العربي.

المزاج العربي أقل توتراً 

يرى الدكتور معتز سلامة، نائب رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي العربي، أن زيارة السيسي للدوحة “أتت كرد على الزيارة التي قادت الأمير تميم للقاهرة في جوان/ حزيران الماضي، وهي أيضا نتاج إعلان قمة العلا”.

ويؤكد سلامة في حديث لـ “الأيام نيوز”، أن هناك توجّهاً جديدا في الدوحة، حيث تمّ “تجاوز المشروع الإقليمي لقطر والمتمثل في دعم الإخوان المسلمين، ومحاولة تمكينهم والمراهنة عليهم” وحسب سلامة، فإن “الدوحة قرّرت أن تعود إلى مشروعها السابق، المتمثل في لعب أدوار معينة، ترتبط بالمساهمة في حل النزاعات الإقليمية، سواء عبر طرح مبادرات أو المساهمة في تنفيذ الاتفاقات “.

ويرى سلامة ” أن الدور الذي قامت به الدوحة قبل الربيع العربي، لا يمكن الاستهانة به، حيث استفادت من مواردها في خلق أدوار معينة، للمساهمة في تسوية بعض النزاعات”، وبالتالي خلق “دور إقليمي مشهود بالرغم من صغر حجمها ” ويشير سلامة، إلى قناة الجزيرة كأحد المؤسسات الإعلامية التي “كانت تتمتّع بالمصداقية والحيادية”، قبل أن تقرر الدوحة استغلالها في مشروعها الإقليمي الجديد.

ويقول سلامة أن المزاج العربي أقل توترا الآن، قياسا بالأزمات العالمية الطارئة، وبالتالي “هناك إمكانية للاستفادة من التجارب السابقة الفاشلة، وبناء علاقات تعاون وشراكة بين الدول العربية”.

خسارة الرهانات التكتيكية

على منوال آخر، يقرأ “سلامة” التقارب السوري الإماراتي “أنه تطور طبيعي، لا سيما وأن أبو ظبي لم تتورط في دعم الجماعات المسلحة في سوريا”، ليؤكد “أن الكثير من الدول العربية راجعت حساباتها”، بعد فشل ما يسمى الربيع العربي، وأن هناك درسا مُهمًّا تعلّمته تلك الدول يتمثل في “أن الدولة الوطنية هي الأساس والثابت، في متحوّلات السياسة العربية، وأن التدخّلات الخارجية لا يمكن أن تخلق واقعا جديداً”!

ويبرهن سلامة ذلك “بالمحاولات الضخمة للتدخل في شؤون بعض الدول العربية، أثناء الثورات التي حدثت، لكن جميعها لم تنجح، لأنها اعتمدت على رهانات خاسرة” مؤكداً “أن التدخل الخارجي لا يصلح كرهان استراتيجي للتغيير”، مضيفاً “تلك التدخلات قد تخلق نوعا من الزخم، لكنها لا تؤسس لواقع سياسي مستدام”.

سياسة المحاور في عالم القطبيات الجديدة

وفي إجابته عن سؤال “الأيام نيوز “، هل تجاوز العرب سياسة المحاور التي سادت خلال الخمس سنوات الماضية؟، يجيب سلامة – نائب رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي العربي-

بالقول “في اعتقادي أن الدول العربية استفادت كثيرا من التجربة الماضية”، مشيرا ” إلى أن هناك قناعة ترتّبت عن تلك التجربة، تتمثل في ضرورة احترام سيادة الدول الوطنية، وقدسيّة مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل دولة”، وبالتالي هناك نوع من التراجع عن المواقف المتشددة تجاه بعضها البعض.

ويوضح سلامة رؤيته “إن قطر مثلا تخلّت عن رهانها على الإخوان المسلمين، كخيار إقليمي يمكن الاعتماد عليه في التعاطي مع شؤون الدول الأخرى، وبالمقابل تنازلت دول الرباعي العربي عن المطالب المتشددة تجاه قطر”.

ويرى سلامة أن هناك فرصاً واعدة الآن، لبناء علاقات طبيعية بين مجموع الدول العربية، لا سيما مع الأزمات الدولية الكبرى، مشيرا إلى أن “العالم يتحوّل نحو القطبيات الجديدة، مثل بداية تشكل قطب الهند – الصين – جنوب إفريقيا..”.

وبالتالي على النظام الإقليمي العربي، استيعاب هذه التطورات وإعطاء الأفضلية لخلق فرص التعاون والشراكة عوض الانقسام ضمن محاور معيّنة.

القمة العربية.. هل ثمّة فرص؟ 

وفي قراءته للقمة العربية المرتقبة في الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني القادم بالجزائر، يقول سلامة، “إن انعقاد القمة في مواعيدها المُعلنة، أصبح أمرا واقعاً، لا سيما مع التصريحات التي تدلي بها الجامعة العربية، عن اكتمال الإعداد، فضلا عن القيادة الجزائرية التي شرعت في بعث الدعوات للملوك والرؤساء، وتصريح الرئيس السيسي من قطر مؤخرا، حول أهمية انعقاد قمة الجزائر في مواعيدها”.

ويضيف سلامة “الأهم من ذلك هو الإعداد الجيّد لمخرجات القمّة، لا سيما في ظل الأزمات الدولية، التي يشهدها العالم، فضلا عن مدى قدرتها على الارتقاء إلى مستوى تطلّعات الشعوب العربية، وترجمة ذلك عبر اجراءات فعلية”، مضيفا “إن التفكير ينبغي أن ينصبّ على ضرورة أن يمثل الموعد فرصة للخروج من سياق البيانات المكررة”.

ويضيف سلامة “أن أمام القادة العرب مسؤولية تاريخية في تجاوز هذه الخلافات، وبناء شراكة اقتصادية وسياسية فاعلة “.