الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

هل تحمي اللهجة المحلية أصالة الفيلم العربي.. أم تعرقل انتشار مبيعاته؟

Author
إيمان بن يمينة 01 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في المشهد السينمائي العربي المعاصر، يظل خيار المخرجين في الاعتماد على اللهجات المحلية الدارجة بدلا من اللغة العربية الفصحى أو اللهجات الأكثر شيوعا تاريخيا، مسألة تثير نقاشا نقديا وفنيا مستمرا.

فبينما يرى تيار من صنّاع الأفلام أن اللهجة المحلية هي الأداة الأقوى لتحقيق واقعية النص، ونقل الهوية الثقافية للمجتمعات بأبعادها النفسية والاجتماعية دون تزييف، يرى قطاع آخر أن المبالغة في الإغراق بالمحلية والخصوصية اللغوية قد تتحول إلى جدار عازل يحرم العمل من فرص الانتشار العابر للحدود، ويحد من قدرته على المنافسة في شباك التذاكر العربي أو المهرجانات الإقليمية بسبب تحديات الفهم والاستيعاب لدى المتلقي الآخر.

هذا التباين بين الحفاظ على الجذور الثقافية وتحقيق شروط التوزيع التجاري، يضع الإنتاج السينمائي أمام معادلة دقيقة تتأرجح بين عمق المضمون وسعة الانتشار.

ومن هذا المنطلق، تبرز الإشكالية المحورية التي يطرحها هذا التقرير: إلى أي مدى تساهم اللهجة المحلية في إضفاء طابع الأصالة والواقعية على العمل السينمائي، وهل تشكل بالضرورة عائقا يحول دون انتشار الفيلم وتلقيه عربيا، أم أن جودة الصورة البصرية والترجمة المصاحبة باتت كفيلة بتجاوز الحدود اللغوية الضيقة؟

ثنائية الخصوصية الإقليمية ومركزية العاصمة

يرى الناقد السينمائي ياسين بوغازي، في تصريح خص به موقع “الأيام نيوز”، أن مفهوم اللهجة المحلية في المنجز السينمائي يتجاوز كونه مجرد أداة نطق عابرة، ليصبح هو اللغة الحوارية الأساسية المنوط بها نقل الأفكار والرسائل، والوسيلة الأسرع للنفاذ إلى وجدان المتلقي وتحقيق انتمائه للعمل.

ومع بوادر النهضة السينمائية الحالية، يشير بوغازي إلى بروز نقاش نقدي حاد حول طبيعة هذه اللغة؛ بين تيار يدعو إلى الالتزام التام بلهجة الفضاء الجغرافي الذي تولد فيه الحكاية تحقيقا للواقعية، وتيار آخر يذهب إلى ضرورة اعتماد لهجة العاصمة كقاعدة ارتكاز سينمائية، نظرا لمركزيتها الإنتاجية، والثقافية، والاجتماعية والعمرانية.

ويؤكد في هذا السياق أن الخصوصية اللغوية تظل عامل قوة داخلي يربط الفيلم ببيئته، شريطة أن تصاغ الحوارات بوعي فني يبث الإبداع في الكلمة الدارجة، ولا يتركها رهينة التوظيف العشوائي الذي قد يفرغها من قيمتها الجمالية.

 تعدد اللهجات..ثراء ثقافي أم مأزق دلالي؟

في قراءته لمسألة المصداقية، يوضح ياسين بوغازي لـ”الأيام نيوز” أن قيمة الفيلم السينمائي لا تنبع من طبيعة اللغة المعتمدة بقدر ما تنبع من عمق توظيفها، معتبرا أن أزمة تباين اللهجات على المستوى المحلي تشكل معضلة حقيقية لم تنل حظها الكافي من الالتفات المعرفي حتى الآن. ويوضح أن هذا التباين في البيئات الشاسعة يمتد ليتجاوز حدود الاختلاف اللفظي البسيط إلى انزياحات دلالية حادة؛ حيث تكتسب بعض الكلمات الدارجة المقبولة في إقليم ما معانيَ مغايرة تماما قد تصل إلى حدود الحظر الأخلاقي والاجتماعي في أقاليم أخرى داخل البلد الواحد.

وبناء على ذلك، يدعو بوغازي صنّاع الأفلام إلى مواجهة هذا التحدي عبر بناء قاموس سينمائي مشترك كحد أدنى لتفادي سوء الفهم، مع إمكانية استغلال هذه الفروق الدلالية بذكاء وأدوات فنية واعية لصناعة دراما حيوية تعكس التنوع بدلا من أن تصنع جدارا بين الفيلم وجمهوره.

معادلة الانتشار الخارجي

فيما يتعلق بفضاء التوزيع الإقليمي والدولي، يجزم الناقد السينمائي، ياسين بوغازي، بأن اللهجة المحلية تفقد صفة العائق أمام الأعمال السينمائية متى ما توفرت شروط الصناعة الجادة والمنتظمة.

ويستشهد، في حديثه لـ”الأيام نيوز”، بالنموذج السينمائي المصري كدليل موضوعي على أن التدفق الإنتاجي المستمر عبر العقود، والحضور الدرامي والمسرحي الدائم، هو ما رسخ تلك اللهجة في الوعي الجمعي العربي وجعلها مألوفة ومفهومة تلقائيا لدى السمع والوجدان.

ولم يكن هذا الحضور وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكم ثقافي امتد لعقود، جعل من السينما المصرية إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة في العالم العربي. فقد أسهمت الأعمال السينمائية والدرامية في نقل اللهجة المصرية من فضائها المحلي إلى المجال الثقافي العربي الأوسع، حتى أصبحت مألوفة لدى جمهور من مختلف البلدان، وهو ما منح الفيلم المصري ميزة إضافية عند التوزيع والعرض مقارنة بأعمال تنتمي إلى بيئات لغوية أقل حضورا في المشهد الإعلامي العربي.

ومن هذا المنطلق، يخلص بوغازي إلى أن السينما العالمية والعربية لا تبحث عن قوالب لغوية هجينة، بل تطالب بصناعة ذات خصوصية محلية صارمة في قصتها وأسلوبها الإخراجي وبيئتها؛ فالأصالة هي المطلب الأول للمشاهد الآخر.

ويرى أن التميز الفني في السيناريو والإخراج والأداء كفيل بتجاوز أي عقبة لغوية، خاصة مع الإتاحة التكنولوجية الحالية لتقنيات الترجمة الفورية والدبلجة، ما يجعل الإبداع الحقيقي المحرك الأساسي للفيلم، وليس مجرد تحريك كاميرات دون غاية فنية واضحة.

ومع اتساع انتشار منصات البث الرقمي، لم يعد الفيلم المحلي موجها إلى جمهوره الوطني فحسب، بل أصبح يصل إلى مشاهدين من بيئات لغوية وثقافية مختلفة. هذا الواقع جعل مسألة اللهجة جزءا من خيارات الإنتاج والتوزيع، في ظل سعي صنّاع الأفلام إلى الحفاظ على هوية العمل، دون أن يتحوّل الاختلاف اللغوي إلى عائق أمام تلقيه، خاصة مع تطور تقنيات الترجمة والدبلجة التي وسعت من فرص وصول الأعمال ذات الخصوصية الثقافية إلى جمهور أوسع.

اهتمام أكاديمي

لا يقتصر النقاش حول توظيف اللهجات المحلية في السينما على الأوساط النقدية، بل يحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الأكاديمية، ولا سيما في مجال دراسات الترجمة السمعية البصرية. ففي دراسة نشرتها الباحثة سارة راموس بينتو عام 2017 في مجلة The Translator، تؤكد أن اللهجات في العمل السينمائي لا تؤدي وظيفة تواصلية فحسب، بل تشكل مكونا سرديا وثقافيا يسهم في بناء العالم الدرامي للفيلم، من خلال تحديد الانتماء الجغرافي والاجتماعي للشخصيات، وإبراز خلفياتها الثقافية، وإضفاء مستويات من المعنى قد لا تستطيع اللغة المعيارية نقلها بالفاعلية نفسها.

وتوضح الدراسة أن اللهجات تؤدي أيضا دورا في تشكيل إدراك المتلقي للشخصيات والعلاقات الاجتماعية داخل السرد، الأمر الذي يجعلها عنصرا فنيا لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد خيار لغوي.

وتخلص الباحثة إلى أن نقل هذه الخصوصيات إلى جمهور ينتمي إلى بيئة لغوية مختلفة يمثل أحد أكثر التحديات تعقيدا في ترجمة الأفلام، لأن المهمة لا تقتصر على ترجمة الكلمات أو المعاني المباشرة، وإنما تمتد إلى محاولة نقل الحمولة الثقافية والاجتماعية والدلالية التي تحملها اللهجة الأصلية. لذلك، يعتمد نجاح الترجمة على إيجاد حلول تحقق تكافؤا وظيفيا يحافظ قدر الإمكان على الدور الذي تؤديه اللهجة في البناء الدرامي، دون أن يفقد الفيلم هويته الثقافية أو يخل بوظيفته السردية.

واقع السينما اليوم

يختتم ياسين بوغازي تصريحه لـ”الأيام نيوز” بالإشارة إلى أن الواقع السينمائي اليوم في الجزائر، يمتلك نماذج عالية وقيمة تاريخية وثراء ثقافيا ممتدا، يمنح الصناعة موارد بصرية وفكرية هائلة للمنافسة دوليا ومحليا.

ورغم التواجد اللافت في المحافل الدولية، حيث يصنف المنتج السينمائي بكونه سينما مهرجانات بامتياز تحصد التكريمات والمشاركات، برغم قلة حجم الإنتاج، إلا أنه يؤكد أن الاستمرار والمنافسة الحقيقية يواجهان تحديات تتجاوز حدود اللغة إلى البنية التحتية للقطاع.

وتكمن الصعوبة الراهنة، حسب رؤيته، في كيفية تجاوز مخلفات التراكمات السابقة التي مست الهياكل التنظيمية، والقانونية، والإنتاجية، وتطوير آليات التسيير الإداري، وهي الركائز الأساسية الكفيلة بتحويل العمل السينمائي من جهود فردية ونخبوية إلى صناعة مستدامة وقوية.

 تحديات متزايدة

بين من يرى في اللهجة المحلية ذاكرة ثقافية لا يمكن التفريط فيها، ومن يخشى أن تتحول إلى حاجز أمام اتساع دائرة التلقي، تبقى المسألة أبعد من مجرد اختيار لغوي. فهي تعكس رؤية صناع الأفلام لهوية السينما التي يريدون تقديمها، ولموقعها بين المحلية والعالمية.

وفي ظل التطورات التي تشهدها تقنيات الترجمة، وتزايد اهتمام الجمهور بالأعمال ذات الخصوصية الثقافية، يبدو أن التحدي الحقيقي لم يعد في اللهجة نفسها، بقدر ما يكمن في قدرة الفيلم على تحويل هذه الخصوصية إلى قيمة فنية وإنسانية يفهمها الجميع، مهما اختلفت لغاتهم.

 

 

Author إيمان بن يمينة
إيمان بن يمينة، صحفية، خريجة المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، تخصص جيوسياسة وسائل الإعلام. بدأت مساري المهني بتربص في مجلس الأمة ضمن خلية الإعلام والاتصال، ثم في إذاعة الجزائر الدولية، وأعمل حاليًا صحفية في الأيام نيوز، حيث أكتب في القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.