الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
العالم

هل تقتل السينما الرواية أم تبعثها من جديد؟.. إشكالية التحوّل من “القول” إلى “العرض”

Author
إيمان بن يمينة 22 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تخيّل أن تُوكل إليك مهمة تحويل رواية تمتد على خمسمائة صفحة إلى فيلم لا يتجاوز ساعتين.

أمامك عشرات الشخصيات، وخطوط سردية متشابكة، وصفحات طويلة من المونولوجات الداخلية والأوصاف والتفاصيل التي صنعت عالم الرواية.

لكن الشاشة لا تمنحك المساحة نفسها؛ فكل دقيقة محسوبة، وكل مشهد مطالب بأن يقول الكثير في زمن قصير.

وعندها تبدأ المهمة الحقيقية. فعملية الاقتباس لا تقوم على اختصار الرواية أو نقلها كما هي، وإنما على إعادة بنائها وفق لغة مختلفة تمتلك أدواتها الخاصة.

فما يرويه الكاتب بالكلمات، يحاول السيناريست التعبير عنه بالصورة، وحركة الكاميرا، والإيقاع، والصمت، والمونتاج، مع الحفاظ على جوهر العمل الأدبي دون أن يكون أسيراً لتفاصيله.

ولهذا يقف السيناريست أمام معادلة دقيقة؛ فهو مطالب بالوفاء لروح النص، وفي الوقت نفسه باتخاذ قرارات قد تشمل حذف شخصيات، ودمج أحداث، وإعادة ترتيب البناء الدرامي، بما يخدم متطلبات الشاشة ويحافظ على تماسك الحكاية.

ومن هنا يطرح هذا التقرير الإشكالية التالية: كيف يترجم السيناريست ثقل الكلمة الأدبية وعمقها النفسي إلى لغة بصرية مكثفة تخضع لإيقاع الشاشة؟ وأين تنتهي الأمانة للنص الأدبي، وتبدأ حرية الإبداع السينمائي؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية، يعود هذا التقرير إلى قراءة يقدمها السيناريست رستم شليحي في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، يشرح فيه طبيعة التحول الذي يطرأ على العمل الأدبي عندما ينتقل من لغة الكلمات إلى لغة الصورة، وما يفرضه ذلك من اختيارات سردية وفنية.

من الكلمة إلى الصورة.. لغتان لا تعملان بالقواعد نفسها

في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، يرى السيناريست رستم شليحي أن أول خطأ يقع فيه كثير من المتابعين هو النظر إلى الاقتباس السينمائي باعتباره عملية اختصار للرواية، بينما يتعلق الأمر في الحقيقة بالانتقال بين وسيطين مختلفين تماماً، لكل واحد منهما لغته وأدواته الخاصة.

ويوضح شليحي أن الرواية تمثل تجربة فردية يعيشها القارئ في عزلة مع الكاتب، وتمنحه حرية واسعة في تخيل الشخصيات والأماكن والإيقاع السردي. كما أن الأدب لا يخضع لقيود زمنية، إذ يستطيع الكاتب التوسع في الوصف، والاستطراد، وبناء الشخصيات، والغوص في المونولوجات الداخلية، دون أن يفرض عليه الزمن سقفاً محدداً.

أما السينما، بحسب المتحدث، فتتحرك داخل إطار مختلف تماماً، لأنها محكومة بمدة زمنية دقيقة وبإيقاع بصري لا يسمح بالاستطراد نفسه، وهو ما يجعل كتابة السيناريو قائمة على التكثيف والاختيار أكثر من كونها عملية نقل حرفي للنص الأدبي.

“نحن هنا أمام لغتين متناقضتين، الكلمة والصورة، ومحاولة نسخ إحداهما بشكل آلي على الأخرى هي أقصر طريق للفشل.”

وما يطرحه شليحي يعكس أحد أكثر الإشكالات حضوراً في دراسات الاقتباس السينمائي؛ إذ لا يُنظر اليوم إلى الاقتباس بوصفه نقلاً للنص الأدبي إلى الشاشة، إنما باعتباره عملية إعادة بناء تخضع لقوانين وسيط جديد، تختلف فيه أدوات السرد وطرق التأثير والإيقاع الزمني.

وقد شغلت هذه الإشكالية، منذ عقود، نقاد الأدب والسينما، في ظل الجدل المستمر حول ما إذا كان الفيلم المقتبس ينبغي أن يكون وفياً لحرفية الرواية، أم لروحها الفنية فقط.

ويأتي طرح شليحي منسجماً مع هذا الاتجاه النقدي، إذ ينطلق من فكرة أن نجاح الاقتباس لا يُقاس بمدى مطابقته للنص الأصلي، وإنما بقدرته على إعادة إنتاجه بلغة سينمائية مستقلة تحافظ على روح العمل دون أن تتقيد بحرفيته.

عندما تتحول الكلمة إلى لقطة

يشير شليحي إلى أن السيناريست لا ينقل الكلمات إلى الشاشة، وإنما يعيد ترجمتها بلغة بصرية. فإذا كان الروائي يشرح الحالة النفسية لشخصية عبر صفحات طويلة، فإن السينما مطالبة بالتعبير عن الحالة نفسها باستخدام أدوات مختلفة، مثل حركة الكاميرا، والبعد البؤري، والديكور، والإضاءة، والمونتاج، وإيقاع المشاهد.

ويضيف أن الكتابة للشاشة تعني الانتقال من “القول” إلى “العرض”، حيث تتحول التفاصيل التي يرويها الأدب إلى عناصر بصرية تحمل الدلالة نفسها، دون الحاجة إلى الشرح المطول.

ويؤكد أن هذه العملية تفرض على السيناريست اتخاذ قرارات صعبة، مثل حذف بعض الشخصيات، أو دمجها، واختصار أحداث كاملة، وإعادة ترتيب البناء الدرامي، بما يحافظ على التوتر والإيقاع الذي تتطلبه الشاشة.

التكثيف ليس خيانة للنص

يعتبر شليحي أن نجاح الاقتباس لا يقاس بمدى التزامه الحرفي بالرواية، وإنما بقدرته على الحفاظ على روحها.

ويقول إن المخرج ليس ناسخاً للنص، إنما قارئ يقدم تفسيره الخاص للعمل، ولذلك قد يقتضي الاقتباس الناجح الابتعاد عن بعض تفاصيل الرواية من أجل إنتاج عمل سينمائي متماسك.

ويضرب مثالاً بالمخرج ستانلي كوبريك في فيلم “The Shining”، الذي ابتعد عن حبكة رواية ستيفن كينغ في أكثر من موضع، لكنه قدّم، بحسب شليحي، تجربة سينمائية أصبحت مرجعاً في تاريخ الفن السابع.

وفي المقابل، يرى أن الالتزام الحرفي بالنص الأدبي كثيراً ما ينتج أفلاماً تتحوّل إلى مجرد رسوم توضيحية للرواية، من دون أن تمتلك شخصيتها الفنية الخاصة.

“قد نكون أحياناً أكثر وفاءً لروح النص عندما نخون حرفيته.”

تجارب عالمية تثبت فلسفة الاقتباس

لا تبدو هذه الرؤية معزولة عن تاريخ الاقتباس السينمائي، إذ تؤكدها تجارب عالمية عديدة أصبحت مراجع في هذا المجال، فقد أثبت تاريخ السينما أن كثيراً من الأفلام التي صُنفت لاحقاً ضمن كلاسيكيات الفن السابع لم تحقق نجاحها لأنها نقلت الرواية حرفياً، وإنما لأنها أعادت قراءتها بما ينسجم مع لغة الشاشة.

فقد حافظ فيلم The Godfather (1972)، المقتبس عن رواية ماريو بوزو، على روح الرواية وشخصياتها الرئيسية، مع إعادة ترتيب بعض الأحداث والاستغناء عن تفاصيل وخطوط سردية فرعية لملاءمة الإيقاع السينمائي.

وفي ثلاثية The Lord of the Rings، اضطر المخرج بيتر جاكسون إلى حذف شخصيات كاملة، أبرزها توم بومباديل، واختزال محطات روائية عديدة دون أن يفقد العمل هويته الملحمية.

أما فيلم The Shawshank Redemption، المقتبس عن رواية قصيرة لستيفن كينغ بعنوان Rita Hayworth and Shawshank Redemption، فقد وسّع بعض الشخصيات وأضاف مشاهد لم تكن موجودة في النص الأصلي، حتى أصبح الفيلم أكثر شهرة من العمل الأدبي نفسه. وفي Blade Runner، استلهم ريدلي سكوت رواية فيليب ك. ديك Do Androids Dream of Electric Sheep?، لكنه غيّر عالم الرواية وبنيتها وأعاد صياغة أسئلتها الفلسفية بصريًا، ليخرج بعمل سينمائي مستقل.

كما قدّم فيلم Life of Pi، المقتبس عن رواية يان مارتل، مثالًا على تحويل السرد الأدبي القائم على التأمل والوصف إلى تجربة بصرية اعتمدت على الصورة والمؤثرات والإيقاع أكثر من اعتمادها على الحوار.

وتؤكد هذه النماذج، إلى جانب المثال الذي أورده السيناريست رستم شليحي حول The Shining  لستانلي كوبريك، أن الاقتباس الناجح لا يقوم على النقل الحرفي، بل على إعادة خلق النص بلغة سينمائية تمتلك منطقها وأدواتها الخاصة.

الوجه الآخر للاقتباس

إذا كانت النماذج السابقة تؤكد أن الاقتباس الناجح يقوم على إعادة بناء النص لا على نسخه، فإن تاريخ الأدب والدراما يكشف أيضاً وجهاً آخر لهذه العملية، حين يغيب الاتفاق بين صاحب العمل الأصلي وصنّاع العمل المقتبس. ففي هذه الحالة، لا يعود النقاش فنياً فحسب، بل يمتد إلى أسئلة تتعلق بحقوق المؤلف وحدود الاستلهام والاقتباس المشروع.

ولعل من أبرز الأمثلة العربية على ذلك، الخلاف الذي نشب بين الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي وصنّاع مسلسل “مدرسة الحب”، وتحديداً ثلاثية”كلمات”. فقد أعلنت مستغانمي أن الخماسية استندت، من وجهة نظرها، إلى روايتها “الأسود يليق بك” من خلال توظيف شخصيات وأحداث ومونولوجات رأت أنها منقولة من الرواية دون الحصول على إذن أو اتفاق قانوني، معتبرة أن الأمر تجاوز حدود التأثر إلى الاعتداء على حقوقها الأدبية.

وفي المقابل، نفى القائمون على العمل، ومن بينهم الفنانة الجزائرية أمل بوشوشة، هذه الاتهامات، مؤكدين أن النص يحمل معالجته الخاصة ولا يمثل اقتباساً مباشراً من الرواية.

وقد أثار هذا الخلاف نقاشاً واسعاً في الأوساط الثقافية والإعلامية حول الخط الفاصل بين الاستلهام المشروع والاعتداء على حقوق المؤلف، ليصبح أحد أبرز الأمثلة العربية على أن الجدل حول الاقتباس لا يقتصر على الجانب الفني، بل يمتد أيضاً إلى الأبعاد القانونية والأخلاقية.

الاقتباس.. حوار بين عالمين

يخلص شليحي إلى أن العلاقة بين الرواية والسينما لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها منافسة بين الكتاب والفيلم، وإنما بوصفها حواراً بين وسيطين مختلفين، لكل منهما أدواته في السرد والتأثير.

فالرواية تبني عالمها بالكلمات، بينما تعيد السينما بناء العالم نفسه بالصورة، والإيقاع، والصوت، والزمن، وهو ما يجعل الاقتباس عملية إعادة خلق للعمل الأدبي أكثر من كونه نقلاً حرفياً له.

أفق الاقتباس بين حوار الفنون وثقافة التلقي

تتجاوز عملية الاقتباس النقل التقني من الورق إلى الشاشة، لتغدو حواراً فكرياً وثقافياً بين وسيطين شكّلا الوعي الإنساني: الكلمة المكتوبة والصورة المتحركة.

فالأدب، بثرائه الفلسفي وخلوته الذهنية، يمدّ السينما برصيدها الفكري، بينما تعيد السينما ضخ الحيوية في النص عبر إخراجه من العزلة الفردية إلى الفضاء الجمالي الجماعي.

وإن الرهان الثقافي الحقيقي يكمن في إدراك الاستقلالية الفنية لكل وسيط؛ فالفيلم المقتبس لا يُلغي النص الأصلي ولا يحلّ محلّه، بل يقدم قراءة بصريّة موازية تُثري الذائقة وتفتح آفاقاً جديدة للوعي، ليظل الاقتباس شهادةً على قدرة القصة الإنسانية على التجدد والانتقال عبر وسائط التعبير المختلفة.

Author إيمان بن يمينة
إيمان بن يمينة، صحفية، خريجة المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، تخصص جيوسياسة وسائل الإعلام. بدأت مساري المهني بتربص في مجلس الأمة ضمن خلية الإعلام والاتصال، ثم في إذاعة الجزائر الدولية، وأعمل حاليًا صحفية في الأيام نيوز، حيث أكتب في القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.
↑