الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

هل تنجح الجزائر في تحويل ملتقى إفريقيا للاستثمار والتجارة إلى منصة فعلية لإطلاق المشاريع داخل القارة؟

Author
إيمان عبروس 06 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تواصل الجزائر ترسيخ مكانتها كمنصة محورية للتكامل الاقتصادي داخل القارة السمراء، عبر احتضانها الطبعة الـ12 من ملتقى إفريقيا للاستثمار والتجارة، الذي ينظمه المركز العربي الإفريقي للاستثمار والتطوير، تحت شعار: “معا نفتح الأسواق”، وذلك يومي 9 و10 ماي 2026، بفندق الشيراطون بالعاصمة. ويُرتقب أن يشكل هذا الحدث محطة بارزة لدعم مسارات الشراكة القارية نحو مستويات أعمق من الاندماج والفعالية.

ويعكس هذا التوجه إرادة واضحة للانتقال من منطق الترويج النظري للاستثمار إلى منطق بناء مشاريع فعلية ذات أثر اقتصادي ملموس، بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت القدرة على خلق القيمة داخل الحدود الوطنية معيارا أساسيا لقياس نجاعة السياسات الاقتصادية.

وفي هذا السياق، أكد رئيس المنظمة الجزائرية لتطوير الاستثمار، عماري فيصل، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن تنظيم هذا الملتقى يعكس بعدا استراتيجيا تتبناه الدولة، يرمي إلى ترسيخ مكانة الجزائر كمركز إقليمي جاذب للاستثمارات داخل القارة الإفريقية، مستفيدة من جملة من المقومات، في مقدمتها موقعها الجغرافي الذي يجعلها نقطة وصل بين البحر الأبيض المتوسط وعمق إفريقيا، إضافة إلى اتساع سوقها المحلية، وتوفر موارد طبيعية متنوعة، إلى جانب بنية تحتية في طور التطور المستمر.

وأوضح المتحدث أن هذه المؤهلات تمنح الجزائر أفضلية نسبية مقارنة بعدد من دول المنطقة، خاصة في ظل التوجه المتزايد نحو إعادة تموقع الاستثمارات العالمية، والبحث عن بيئات جديدة قادرة على احتضان المشاريع الإنتاجية، في إطار شراكات أكثر توازنا واستدامة. كما أشار إلى أن هذا الملتقى يحمل رسالة قوية للمستثمرين مفادها أن الجزائر تتجه نحو أداء دور أكثر فاعلية كمحور إقليمي للنقل والتبادل التجاري، وتسعى إلى تعزيز حضورها في الساحة الاقتصادية الدولية، خصوصا على مستوى القارة الإفريقية.

من ملتقى للتشبيك إلى منصة لتمويل المشاريع

وفي قراءة معمقة لطبيعة هذا الحدث، أشار عماري فيصل إلى أن ملتقى إفريقيا للاستثمار والتجارة لم يعد مجرد فضاء للتشبيك أو عرض الفرص الاستثمارية، بل تحوّل تدريجيا إلى منصة عملية لربط المشاريع بآليات التمويل، خاصة في ظل إشراك مؤسسات مالية قارية ودولية، ما يعزز من إمكانية الانتقال من مرحلة عرض الأفكار إلى مرحلة تنفيذ المشاريع على أرض الواقع.

وأضاف أن نجاح هذا المسار يرتبط بمدى توفر مشاريع مدروسة وقابلة للتجسيد، مع ضرورة ربطها مباشرة بالممولين، سواء كانوا بنوكا تنموية أو صناديق استثمار أو مؤسسات تمويل إقليمية. كما شدد على أهمية بناء شراكات حقيقية بين الفاعلين الاقتصاديين، تقوم على تقاسم المخاطر والمنافع، بدل الاكتفاء بتوقيع اتفاقيات لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

وفي هذا الإطار، لفت إلى أن إدماج البعد التمويلي داخل الملتقى يمثل خطوة أساسية نحو تعزيز مصداقيته، إذ يمنح المستثمرين رؤية أوضح حول إمكانية تحويل أفكارهم إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، كما يفتح المجال أمام الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة للاستفادة من فرص التمويل المتاحة.

تسريع القرار الاقتصادي وتقليص تعقيد التفاوض

وأكد المتحدث أن أحد أبرز مكاسب هذه الملتقيات يكمن في قدرتها على جمع مختلف الفاعلين في منظومة اقتصادية واحدة، تضم الحكومات، المستثمرين، المؤسسات المالية، وهيئات الدعم، في فضاء موحد، ما يساهم في تسريع اتخاذ القرار الاقتصادي وتقليص التعقيدات التي غالبا ما تعيق مسار التفاوض بين الأطراف المختلفة.

وأوضح أن هذا التقارب المباشر يسمح بتجاوز العديد من العراقيل البيروقراطية، ويوفر بيئة مناسبة لإجراء مفاوضات أكثر مرونة وفعالية. وأضاف أن تسريع وتيرة اتخاذ القرار لا يقتصر فقط على الجانب الإداري، بل يشمل أيضا تقليص الفجوة الزمنية بين فكرة المشروع وتنفيذه، وهو ما يمثل أحد التحديات الكبرى التي تواجه الاستثمارات في القارة الإفريقية.

وفي سياق متصل، شدد عماري فيصل على ضرورة توجيه الاستثمارات نحو تطوير سلاسل قيمة إقليمية، خاصة في قطاعات الفلاحة، الصناعات التحويلية، والطاقة، باعتبارها مجالات استراتيجية قادرة على خلق قيمة مضافة داخل القارة الإفريقية، وتقليل الاعتماد على استيراد المنتجات المصنعة من الخارج.

كما أشار إلى أن الانتقال نحو شراكات إنتاجية حقيقية يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق التكامل الاقتصادي الإفريقي، حيث لم يعد كافيا الاكتفاء بتبادل السلع، بل أصبح من الضروري الاستثمار في الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وتطوير القدرات الصناعية المحلية.

وفي تقييمه لمخرجات هذه التظاهرات، أكد عماري فيصل أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيم الملتقيات بحد ذاتها، بل في القدرة على متابعة نتائجها وتحويلها إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع. وأشار إلى أن غياب آليات متابعة فعالة كان في السابق أحد أبرز أسباب ضعف مردودية هذه الفعاليات، ما يستدعي اليوم اعتماد مقاربات جديدة تقوم على الاستمرارية والتقييم الدوري.

وأوضح أن إنشاء منصات رقمية لمتابعة المشاريع، إلى جانب تشكيل فرق عمل مشتركة بين مختلف الأطراف، يمكن أن يسهم بشكل كبير في ضمان تنفيذ المشاريع وفق جداول زمنية محددة، كما يسمح برصد العراقيل التي قد تواجهها وإيجاد الحلول المناسبة لها في الوقت المناسب.

الجزائر كمنصة لوجستية نحو إفريقيا

وفي بعده الاستراتيجي، أشار المتحدث إلى أن الجزائر تمتلك مؤهلات مهمة تؤهلها للتحول إلى منصة لوجستية إقليمية نحو إفريقيا، بفضل موقعها الجغرافي وشبكة بنيتها التحتية التي تشهد تطورا ملحوظا، خاصة في مجالات النقل والموانئ والطرق. وأوضح أن تعزيز هذا الدور يتطلب مواصلة الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية، وتطوير مناطق حرة ومناطق صناعية متكاملة، قادرة على جذب الاستثمارات وتسهيل عمليات التصدير نحو الأسواق الإفريقية، خاصة في ظل دخول منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية حيز التنفيذ. وأضاف أن استغلال هذا الموقع الاستراتيجي بشكل فعال يمكن أن يمنح الجزائر ميزة تنافسية مهمة، ويعزز من قدرتها على أداء دور محوري في ربط الأسواق الإفريقية بالأوروبية والمتوسطية.

و من جهته، أكد رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاستثمار، أكرم زيدي، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن الملتقيات الاقتصادية القارية تؤدي دورا محوريا في دعم الاندماج الاقتصادي الإفريقي، من خلال توفير فضاءات للحوار وتبادل الخبرات وبناء الشراكات بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.

وأوضح أن هذه اللقاءات تساهم في تنسيق السياسات الاقتصادية والتجارية بين الدول الإفريقية، بما يدعم إنشاء سوق قارية أكثر انسجاما وتكاملا، خاصة في ظل المبادرات التي يقودها الاتحاد الإفريقي لتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء. وأشار إلى أن هذا النوع من الملتقيات يمثل أداة فعالة لتعزيز التعاون جنوب – جنوب، من خلال تمكين الدول الإفريقية من تبادل التجارب والخبرات، والعمل على تطوير حلول مشتركة للتحديات التي تواجهها.

وفي سياق متصل، أكد أكرم زيدي أن ملتقى إفريقيا للاستثمار والتجارة يمثل فرصة مهمة لعرض الإمكانات الاقتصادية التي تزخر بها الجزائر ودول القارة الإفريقية، خاصة في ظل توفر قطاعات واعدة في مجالات الفلاحة، الطاقة، الصناعة، والاقتصاد الرقمي.

وأوضح أن هذه الفعاليات تساهم في جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، من خلال توفير منصة مباشرة للتواصل بين المستثمرين وصناع القرار، ما يعزز من فرص إقامة شراكات اقتصادية فعالة وقابلة للتجسيد. كما أشار إلى أن القارة الإفريقية أصبحت اليوم محط اهتمام متزايد من قبل المستثمرين الدوليين، نظرا لما توفره من فرص نمو كبيرة، خاصة في ظل ارتفاع عدد السكان واتساع الطبقة المتوسطة، ما يخلق طلبا متزايدا على مختلف المنتجات والخدمات.

تبادل الخبرات وبناء اقتصاد المعرفة

وفي بعده المعرفي، أكد المتحدث أن هذه الملتقيات تمثل فضاءات مهمة لتبادل الخبرات والنماذج التنموية بين الدول الإفريقية، بما يساهم في تطوير السياسات الاقتصادية وتعزيز قدرات المؤسسات. وأوضح أن هذا التفاعل يساهم في بناء اقتصاد قائم على المعرفة، من خلال الاستثمار في الموارد البشرية، وتشجيع الابتكار، واستقطاب الكفاءات الإفريقية، بما يدعم تحقيق التنمية المستدامة. وأضاف أن تعزيز التعاون في مجالات البحث العلمي والتكوين يمكن أن يشكل رافعة أساسية لتطوير الاقتصاد الإفريقي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتحول الرقمي والتكنولوجي.

وفي سياق حديثه، لفت أكرم زيدي إلى أن القارة الإفريقية تواجه جملة من التحديات، من بينها ضعف البنية التحتية، البطالة، الأمن الغذائي، إلى جانب تحديات التحول الرقمي والطاقوي. وأشار إلى أن هذه التحديات تفرض على الدول الإفريقية العمل بشكل جماعي، من خلال تنسيق السياسات الاقتصادية، وتطوير مشاريع مشتركة، وتعزيز التكامل الإقليمي، بما يسمح ببناء منظومة اقتصادية أكثر ترابطا وقدرة على مواجهة الأزمات.

وفي هذا الإطار، شدد زيدي على أن القطاع الخاص يمثل محركا أساسيا لتحويل مخرجات الملتقيات الاقتصادية إلى مشاريع فعلية، من خلال استثماره في مختلف القطاعات الإنتاجية، ومساهمته في خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد.

كما يشكل ملتقى إفريقيا للاستثمار والتجارة فرصة استراتيجية لتعزيز موقع الجزائر داخل القارة، غير أن نجاحه يبقى مرهونا بقدرته على تحويل مخرجاته إلى مشاريع فعلية، مدعومة بالتمويل والمتابعة، بما يحقق أثرا اقتصاديا ملموسا ومستداما.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي