الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
إفريقيا

هل تنجح القارة الإفريقية في بناء استراتيجية جماعية لاحتواء الصدمات الدولية؟

Author
ربيعة خطاب 07 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتزايد المخاوف الإفريقية من التداعيات المتسارعة للأزمات الدولية، وفي مقدمتها التطورات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، لما لها من تأثيرات مباشرة على اقتصادات دول القارة وأمنها الغذائي واستقرارها السياسي. وفي هذا السياق، دعت أنغولا إلى تبني استراتيجية إفريقية موحدة للتعامل مع انعكاسات هذه الأزمات، مؤكدة أن التحديات العابرة للحدود تتطلب تنسيقًا جماعيًا ومواقف مشتركة داخل المؤسسات القارية. وجاء ذلك خلال المؤتمر الاستثنائي لـ”التحالف السياسي الإفريقي” برئاسة توغو، حيث شدد وزير الخارجية الأنغولي، تيتي أنطونيو، على أهمية بلورة استجابة إفريقية منسقة لمواجهة تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، بما يحفظ مصالح القارة ويعزز قدرتها على التعامل مع الأزمات الدولية.

وفي هذا السياق أكد وليد عتلم، الكاتب والباحث الرئيسي بالمركز الوطني للدراسات بالقاهرة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الدعوة الأنغولية تأتي في توقيت بالغ الحساسية، في ظل ما تواجهه القارة الإفريقية من تداخل غير مسبوق بين أزمات داخلية مزمنة وتداعيات خارجية متسارعة. وأوضح أن إفريقيا تضم اليوم أكثر من 1.5 مليار نسمة، يعيش نحو 460 مليونًا منهم تحت خط الفقر، فيما يعاني أكثر من 280 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، وفق أحدث تقديرات المنظمات الدولية، مضيفًا أن أكثر من 40 دولة إفريقية تعد مستوردة صافية للطاقة أو الغذاء أو كليهما، وهو ما يجعلها من أكثر مناطق العالم تعرضًا للصدمات الخارجية.

وأضاف وليد عتلم أن أنغولا، باعتبارها إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط في إفريقيا وعضوًا فاعلًا في الاتحاد الإفريقي، تدرك أن استمرار التوتر في الشرق الأوسط لا يهدد أسعار النفط فحسب، بل يهدد منظومة الأمن الاقتصادي الإفريقي بأكملها. وأشار إلى أن القارة تستورد سنويًا ما يقارب 85 مليار دولار من الغذاء، بينما يعتمد عدد من الدول الإفريقية على استيراد أكثر من 90% من احتياجاتها من القمح، كما تستورد إفريقيا أكثر من 30% من احتياجاتها من الأسمدة النيتروجينية من الأسواق المرتبطة بالخليج العربي، خاصة الأمونيا واليوريا.

وأوضح وليد عتلم أن الدعوة الأنغولية تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأزمات العالمية لم تعد أحداثًا خارجية يمكن مراقبتها عن بعد، بل أصبحت عوامل داخلية تؤثر مباشرة في الموازنات العامة، وأسعار الغذاء، وأسعار العملات، والاستقرار السياسي داخل الدول الإفريقية.

وأشار وليد عتلم إلى أن هذه المبادرة تكشف أيضًا عن تحول في فلسفة العمل الإفريقي المشترك، إذ انشغل الاتحاد الإفريقي لسنوات طويلة بإدارة النزاعات الداخلية والانقلابات العسكرية ومكافحة الإرهاب، بينما أصبح يدرك اليوم أن التهديدات القادمة من خارج القارة لا تقل خطورة عن التحديات الداخلية، وهو ما يعكس انتقالًا تدريجيًا من مفهوم الأمن التقليدي إلى مفهوم الأمن الشامل الذي يربط بين الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والأمن البحري، والاستقرار المالي.

ولفت وليد عتلم إلى أن الدعوة الأنغولية تعبر كذلك عن رغبة إفريقية في تقليص حالة الارتهان للتجاذبات الدولية، مذكرًا بأن القارة دفعت ثمنًا اقتصاديًا باهظًا خلال الحرب الروسية الأوكرانية، رغم أنها لم تكن طرفًا فيها، حيث شهدت ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار الغذاء والطاقة، وتراجعت العملات المحلية في عشرات الدول، فيما تجاوزت معدلات التضخم 30% في بعض الاقتصادات الإفريقية. وأكد أن القارة تخشى اليوم تكرار السيناريو ذاته مع استمرار التصعيد في الشرق الأوسط.

وأكد وليد عتلم أن الأهمية الأكبر لهذه الدعوة تكمن في أنها تعكس بداية تشكل مفهوم جديد للأمن القومي الإفريقي، يقوم على اعتبار أمن البحر الأحمر والخليج العربي جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي للقارة، باعتبار أن أكثر من 20% من تجارة إفريقيا الخارجية تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس، كما تعتمد دول شرق إفريقيا بصورة مباشرة على استقرار هذا الممر البحري الحيوي.

واختتم وليد عتلم المحور الأول بالتأكيد على أن ما تطرحه أنغولا يتجاوز حدود إصدار البيانات السياسية، ليشكل محاولة لتأسيس رؤية استراتيجية إفريقية مشتركة لإدارة الأزمات الدولية، بما يسمح للقارة بالتحول إلى طرف فاعل في صياغة الحلول، بدل الاكتفاء بتحمل تداعياتها.

وفي السياق ذاته، أوضح وليد عتلم أنه في حال استمرار التصعيد في الشرق الأوسط، فإن إفريقيا ستكون من أكثر مناطق العالم تضررًا، ليس بسبب مشاركتها في الصراع، وإنما نتيجة هشاشة اقتصاداتها واعتمادها الكبير على التجارة الخارجية.

وأشار وليد عتلم إلى أن قطاع الطاقة يمثل التحدي الأكبر أمام القارة، موضحًا أن أسعار النفط شهدت خلال موجات التصعيد الأخيرة ارتفاعات تجاوزت 20% خلال فترات قصيرة، بينما تشير سيناريوهات مؤسسات الطاقة الدولية إلى أن أي تعطيل واسع لمضيق هرمز قد يدفع الأسعار إلى ما بين 120 و150 دولارًا للبرميل، وهو ما ستكون له انعكاسات بالغة الخطورة على معظم الاقتصادات الإفريقية المستوردة للطاقة.

وأضاف وليد عتلم أن هذا الارتفاع سينعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج والكهرباء، وبالتالي على معدلات التضخم، مشيرًا إلى أن تقديرات البنك الإفريقي للتنمية تؤكد أن كل زيادة قدرها عشرة دولارات في سعر برميل النفط ترفع فاتورة الواردات الإفريقية بمليارات الدولارات سنويًا، وهو ما يزيد الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي وأسعار الصرف.

وأكد وليد عتلم أن الأمن الغذائي يبقى الحلقة الأكثر هشاشة، إذ تستورد القارة سنويًا ملايين الأطنان من الحبوب والزيوت والأسمدة، وأي اضطراب في الملاحة عبر البحر الأحمر أو الخليج العربي ينعكس مباشرة على تكلفة الغذاء، كما يؤدي ارتفاع أسعار الأسمدة إلى تراجع الإنتاج الزراعي المحلي، بما يهدد بتوسيع دائرة الجوع وسوء التغذية، خاصة في دول الساحل والقرن الإفريقي.

وأوضح وليد عتلم أن استمرار حالة عدم اليقين سيؤثر أيضًا في الجانب المالي، إذ سيدفع المستثمرين إلى تقليص استثماراتهم في الأسواق الناشئة، وهو ما يهدد تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى إفريقيا، التي لا تزال بحاجة إلى مئات المليارات من الدولارات سنويًا لسد فجوة البنية التحتية.

وأضاف وليد عتلم أن المخاطر الأمنية تبدو أكثر تعقيدًا، لأن القرن الإفريقي يمثل نقطة التقاء بين أزمات الشرق الأوسط وإفريقيا، ويطل على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، حيث يمر عبر البحر الأحمر وباب المندب ما بين 12 و15% من التجارة العالمية، ونحو 30% من تجارة الحاويات، إضافة إلى ملايين البراميل من النفط يوميًا، وهو ما يعني أن أي تصعيد سيؤثر مباشرة على جيبوتي وإريتريا والصومال والسودان ومصر، كما سيرفع تكاليف التأمين البحري والشحن وينعكس على مختلف الاقتصادات الإفريقية.

وأشار وليد عتلم إلى أن استمرار الحرب يهيئ بيئة مناسبة لنشاط الجماعات الإرهابية، في ظل انشغال القوى الدولية، موضحًا أن القارة تشهد نشاط أكثر من عشر جماعات إرهابية كبرى، من بينها حركة الشباب، وبوكو حرام، وتنظيم داعش في غرب إفريقيا، وتنظيم داعش في الساحل، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وغيرها، فيما أصبحت منطقة الساحل وحدها تمثل أكثر من نصف وفيات الإرهاب عالميًا خلال السنوات الأخيرة، وفق المؤشرات الدولية.

وأضاف وليد عتلم أن المخاوف تتزايد مع احتمالات توسع شبكات التعاون بين بعض الفاعلين غير الحكوميين في الشرق الأوسط وبعض التنظيمات المسلحة في إفريقيا، سواء عبر تهريب السلاح أو التمويل أو التدريب، وهو ما قد يحول البحر الأحمر والقرن الإفريقي إلى ساحة متداخلة للصراعات الإقليمية.

كما أكد وليد عتلم أن الحكومات الإفريقية ستواجه ضغوطًا سياسية متزايدة نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع معدلات النمو، بما قد يؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، خاصة في الدول الهشة اقتصاديًا، فضلًا عن الضغوط التي قد تفرضها حالة الاستقطاب الدولي على العواصم الإفريقية لاختيار مواقف بين القوى الكبرى، بما قد يهدد سياسة التوازن التي انتهجتها خلال السنوات الأخيرة.

وفي المحور الثالث، أوضح وليد عتلم أن إفريقيا تمتلك نظريًا جميع المقومات التي تؤهلها لبناء موقف جماعي مؤثر، إذ تضم 55 دولة، وتمثل أكبر كتلة تصويتية داخل الأمم المتحدة، وتمتلك نحو 30% من الثروات المعدنية العالمية، وأكثر من 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة عالميًا، فضلًا عن سوق قارية يزيد حجمها على 1.5 مليار نسمة.

واستدرك وليد عتلم بأن الواقع العملي لا يزال يفرض تحديات كبيرة أمام توحيد القرار الإفريقي، لأن القارة ليست كتلة سياسية متجانسة، بل تضم دولًا تختلف في مصالحها الاقتصادية، وتحالفاتها الدولية، ومستويات التنمية، ومواقفها من القضايا الدولية، وهو ما يجعل الوصول إلى سياسة خارجية إفريقية موحدة هدفًا استراتيجيًا أكثر منه واقعًا قائمًا.

وأكد وليد عتلم أن التطورات الدولية الأخيرة دفعت الاتحاد الإفريقي إلى إعادة تقييم أولوياته، بعدما أثبتت الحرب الروسية الأوكرانية ثم الحرب في الشرق الأوسط أن غياب الموقف الإفريقي الموحد يجعل القارة تتحمل كلفة الأزمات دون أن يكون لها تأثير حقيقي في إدارتها.

وأشار وليد عتلم إلى أهمية الإسراع في تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية باعتبارها إحدى أهم أدوات تعزيز المناعة الاقتصادية للقارة، إلى جانب إنشاء آلية للاستقرار المالي الإفريقي، وتطوير نظم الإنذار المبكر، وتعزيز التصنيع الغذائي والدوائي، وتوسيع شبكات الربط الكهربائي، والاستثمار في الطاقة المتجددة.

وأضاف وليد عتلم أن من الضروري أيضًا تعزيز القدرات البحرية الإفريقية، خاصة في البحر الأحمر وخليج عدن وخليج غينيا، لأن حماية الممرات البحرية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي الإفريقي.

كما شدد وليد عتلم على أهمية تطوير مؤسسات التمويل الإفريقية، وفي مقدمتها البنك الإفريقي للتنمية، حتى تصبح أكثر قدرة على تمويل الاستجابة للأزمات دون الاعتماد الكامل على المؤسسات المالية الدولية.

واكد وليد عتلم على أن الدعوة الأنغولية قد تمثل نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من التفكير الاستراتيجي الإفريقي إذا نجحت في التحول من خطاب سياسي إلى برنامج عمل مؤسسي. وأوضح أن القارة لم تعد بحاجة إلى بيانات تضامن بقدر حاجتها إلى منظومة إفريقية لإدارة الأزمات تقوم على التكامل الاقتصادي، والأمن الجماعي، والاستقلال النسبي في القرار السياسي. وأضاف أن حماية المصالح الإفريقية في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة لن تتحقق بالحياد السلبي، وإنما ببناء قدرة ذاتية على امتصاص الصدمات، وتنويع الشراكات الدولية، وتعزيز التكامل القاري، بما يحول إفريقيا من ساحة تتأثر بالأزمات العالمية إلى فاعل يمتلك أدوات التأثير في معادلات النظام الدولي الجديد، ويعزز استقلال القرارين السياسي والاقتصادي الوطني.