الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

هل شكّل مشروع “عدل 3” نقطة التحول الحقيقية للدفع الإلكتروني في الجزائر؟

Author
صبرينة عيلان 31 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

دخلت الجزائر مرحلة جديدة في مسار التحوّل نحو وسائل الدفع الإلكتروني، بعد تسجيل قفزة غير مسبوقة في حجم المعاملات عبر الإنترنت بلغت 107,96 مليارات دينار، خلال جانفي 2026، في مؤشر يعكس تسارع وتيرة الرقمنة المالية واتساع استخدام القنوات الإلكترونية في تسوية مختلف المعاملات.

وقد ارتبطت هذه الطفرة أساسا بالدفع الإلكتروني لمستحقات برنامج “عدل3”، إلى جانب توسع الخدمات الرقمية المرتبطة بالحج، والرسوم الإدارية، والتجارة الإلكترونية، ما جعل من بداية السنة نقطة تحوّل لافتة في بنية الدفع الوطني.

“عدل 3” يسرع التحول الرقمي في المعاملات المالية
وتكشف هذه الأرقام أن الدفع الإلكتروني في الجزائر لم يعد ممارسة محدودة أو مرتبطة بقطاعات معزولة، بل بدأ يتشكل كسلوك مالي متنام مدفوع ببرامج عمومية كبرى، وتوسع البنية التحتية البنكية، وارتفاع عدد البطاقات ومحطات الدفع والتجار المنخرطين في المنظومة الرقمية، وهو ما يعكس انتقالا تدريجيا من الاعتماد التقليدي على النقد إلى اعتماد أدوات دفع أكثر تطورا وشفافية.

وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2026، برزت مؤشرات قوية لهذا التحول، من بينها ارتفاع عدد البطاقات البنكية المتداولة إلى أكثر من 22,5 مليون بطاقة، وتوسع شبكة محطات الدفع الإلكتروني إلى أكثر من 104 آلاف محطة، إضافة إلى تجاوز عمليات الدفع عبر هذه المحطات عتبة مليون عملية شهريا، ما يعكس بداية ترسخ ثقافة الدفع الإلكتروني في المعاملات اليومية.

كما تشير المعطيات الرسمية إلى توسع تدريجي في استخدام وسائل الدفع الحديثة، سواء عبر بطاقات تدعم خاصية الدفع دون تلامس، أو عبر حلول الدفع المؤجل، إلى جانب ارتفاع عدد التجار المنخرطين في منظومة الدفع عبر الإنترنت، في ظل تسهيل إجراءات الانضمام وتوسيع الخدمات الرقمية العمومية والخاصة.

ورغم هذا الزخم، ما تزال البنية التحتية للدفع الإلكتروني في طور التوسع، حيث تعكس المؤشرات استمرار الحاجة إلى تعزيز نقاط الدفع، وتطوير المنصات الرقمية، وتوسيع استعمال الأدوات البنكية الحديثة، بما يضمن انتقالا أكثر توازنا نحو اقتصاد رقمي متكامل.

وفي هذا السياق، تبرز الأهمية المتزايدة للبرامج العمومية الكبرى، وعلى رأسها “عدل3″، التي كان لها دور غير مباشر في تسريع وتيرة الرقمنة المالية، من خلال إلزام عدد كبير من المواطنين باستخدام الدفع الإلكتروني في تسوية التزامات مالية معتبرة، ما جعل هذه البرامج تتحول إلى رافعة عملية لترسيخ استخدام الوسائل الرقمية في التعاملات المالية.

من السكن إلى الرقمنة.. “عدل 3” يصنع التحول

وفي الموضوع قال صهيب بولعراق، مستشار في التحول الرقمي وتنظيم نظم المعلومات والذكاء الاصطناعي، إن الطفرة القياسية التي شهدتها المدفوعات الإلكترونية في الجزائر خلال جانفي 2026، لا يمكن فصلها عن التحول التقني الجذري الذي رافق برنامج “عدل3″، والذي تحول من مشروع سكني إلى محرك فعلي لتسريع الرقمنة المالية على المستوى الوطني.

وأوضح بولعراق أن القفزة المسجلة في حجم المدفوعات الإلكترونية، والتي بلغت 107,96 مليارات دينار، تعود أساسا إلى قرار تنظيمي صارم اعتمدته وكالة “عدل” بالتنسيق مع القرض الشعبي الجزائري، يقضي بإلزامية تسديد الشطر الأول عبر البوابة الإلكترونية حصرا، باستخدام بطاقات الدفع (CIB) أو البطاقة الذهبية، مع إلغاء شبه كلي لوسائل الدفع النقدي والتقليدي.

واعتبر أن هذا القرار شكّل نقطة تحول مفصلية في سلوك الدفع، إذ وضع مئات الآلاف من المكتتبين أمام خيار واحد؛ إما الانخراط الفوري في المنظومة الرقمية أو فقدان الحق في الاستفادة من السكن.

وأشار إلى أن القيمة المالية للشطر الأول، المقدرة بـ343 ألف دينار للسكن ذي ثلاث غرف و431,5 ألف دينار للسكن ذي أربع غرف، ساهمت في توليد كتلة مالية ضخمة تم ضخها في فترة زمنية قصيرة، ما فسر الارتفاع غير المسبوق في المؤشرات الرقمية خلال جانفي.

ذروة رقمية غير مسبوقة بفعل البرامج الكبرى

وشدد الخبير على أن العامل التنظيمي لم يكن وحده وراء هذه الطفرة، بل تزامن مع ما وصفه بـ”الذروة الرقمية الموسمية”، حيث اجتمعت في جانفي 2026 ثلاثة مسارات مالية كبرى في وقت واحد، شملت تسديدات برنامج “عدل 3″، ومصاريف إيداع ملفات الحج، إلى جانب خدمات إدارية رقمية متنوعة.

وأوضح أن هذا التداخل بين تدفقات مالية متعددة خلق ضغطا غير مسبوق على المنظومة الإلكترونية، ما أدى إلى تضخيم حجم العمليات الرقمية بشكل استثنائي، ورفع المؤشرات إلى مستويات قياسية خلال فترة قصيرة.

وأضاف أن برنامج “عدل 3” لا يمثل مجرد عملية دفع ظرفية، بل يؤسس لنموذج مالي طويل الأمد، حيث يتم تسديد 38% من قيمة السكن على خمس دفعات أولية، بينما تُقسَّط النسبة المتبقية (62%) على دفعات شهرية قد تمتد إلى 30 سنة، وهو ما يجعل كل مكتتب فاعلاً دائماً في المنظومة الرقمية، وليس مجرد مستخدم عابر.

هل دخلت الجزائر مرحلة التحول الحقيقي؟

وأوضح بولعراق أن البيانات اللاحقة تكشف أن ما حدث في جانفي لم يكن تحولا سلوكيا مستقرا بقدر ما كان ارتفاعا إلزاميا مرتبطا بحدث استثنائي، مستشهدا بتراجع المدفوعات إلى 65,26مليار دينار في فيفري ثم إلى 11,26 مليار دينار في مارس، أي بانخفاض يقارب 89,6%، ما يعكس عودة النشاط الرقمي إلى مستوياته الطبيعية بعد انتهاء موجة الدفع الإلزامي.

كما توقف عند عدد من الإشكاليات البنيوية التي لا تزال تحدّ من وتيرة التحول الرقمي، أبرزها استمرار هيمنة السحب النقدي عبر أجهزة الصراف، وضعف انتشار البطاقات الموجهة للتجارة الإلكترونية، إلى جانب بعض التذبذبات التنظيمية التي كشفت هشاشة الاستجابة التقنية في بعض المراحل.

ورغم ذلك، أشار إلى مؤشرات إيجابية لافتة، منها توسع شبكة الدفع الإلكتروني بنسبة تفوق 33%، ودخول مئات التجار الجدد إلى منظومة الدفع الرقمي، ما يعكس بداية تشكل بنية تحتية أكثر نضجا واستعدادا للتوسع.

وأكد بولعراق أن نجاح التحول الرقمي في الجزائر لن يُقاس بالدفعات الكبرى المرتبطة بالبرامج السكنية أو الإدارية، بل بمدى تغلغل الدفع الإلكتروني في الحياة اليومية للمواطنين، مشيرا إلى أن “عدل 3” شكل أول اختبار حقيقي واسع النطاق لقدرة المنظومة الرقمية على استيعاب الطلب، وأن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان هذا الزخم مجرد موجة ظرفية أم بداية تحول هيكلي فعلي.

الدفع الرقمي في الجزائر تحديات الثقة والتكنولوجيا

في حين يرى مسعودي عبد الحفيظ، الخبير المالي ومدير وكالة بنكية، أن وتيرة انتشار الدفع الإلكتروني في الجزائر لا تزال تواجه جملة من التحديات التقنية والاجتماعية والتنظيمية، معتبرا أن المنظومة البنكية الجزائرية بحاجة إلى مواصلة جهود التحديث لمواكبة التحولات الرقمية المتسارعة التي تعرفها الأسواق المالية إقليميا ودوليا.

وأوضح عبد الحفيظ، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن من بين أبرز التحديات المطروحة أنظمة الاستغلال والتسيير المعتمدة في القطاع البنكي بصفة عامة، والتي تتطلب تحديثا مستمرا لمواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة. وأشار إلى أن البنوك الجزائرية شرعت فعليا في تنفيذ مشاريع استراتيجية لتحديث أنظمتها المعلوماتية والانتقال إلى منصات مصرفية أكثر تطورا ضمن مشاريع “Global Banking” و”Core Banking”، بما يسمح بتحسين جودة الخدمات البنكية الرقمية وتعزيز كفاءتها وأمنها.

وأشار المتحدث إلى أن الكثير من المواطنين لا يزالون يتخوفون من استعمال البطاقات البنكية ووسائل الدفع الإلكتروني بسبب بعض الأعطال التقنية أو حالات الرفض التي قد تصادفهم أثناء عمليات الدفع أو السحب، مؤكدا أن هذه التجارب تؤثر على مستوى الثقة وتشجع البعض على الاستمرار في الاعتماد على الدفع النقدي.

وأضاف الخبير المالي أن محدودية الثقافة الرقمية لدى شريحة من المجتمع تمثل بدورها تحديا أمام الانتشار الواسع للخدمات البنكية الرقمية، خاصة لدى الفئات التي لم تعتد على استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة في معاملاتها اليومية.

وفي حديثه عن مسار التحول الرقمي في القطاع البنكي، أوضح عبد الحفيظ أن البنوك الجزائرية حققت خلال السنوات الأخيرة تقدما ملحوظا في مجال تعميم أجهزة الدفع الإلكتروني والصرافات الآلية والخدمات البنكية عن بعد، غير أن ترسيخ ثقافة الدفع الإلكتروني وتحويلها إلى سلوك يومي لدى المواطن يتطلب مزيدا من الوقت والجهود المشتركة بين مختلف الفاعلين.

ورغم المبادرات التي أطلقتها السلطات العمومية والبنوك لتشجيع استعمال وسائل الدفع الإلكتروني في العديد من الخدمات، على غرار تسديد مستحقات السكن، وحقوق السجل التجاري، واشتراكات الضمان الاجتماعي، وأقساط التأمين وغيرها من الخدمات، إلا أن حجم التعاملات النقدية لا يزال يمثل نسبة معتبرة من المعاملات الاقتصادية.

وأكد عبد الحفيظ أن نجاح مشروع الرقمنة البنكية في الجزائر لا يرتبط فقط بتوفير الوسائل التقنية، بل يستوجب أيضا تعزيز ثقة المواطن، وتحسين جودة الخدمات، وتكثيف حملات التوعية والتكوين الرقمي، فضلا عن مواصلة تحديث الأنظمة البنكية بما يضمن السرعة والفعالية والأمان في تقديم الخدمات المالية الحديثة وأمانا.