السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

هل نجحت منصة “أضاحي” في تجاوز أخطاء الماضي وضبط السوق المحلي؟

Author
مولود صياد 02 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تعرف آليات تسيير المناسبات الدينية الكبرى في الجزائر، وعلى رأسها عيد الأضحى المبارك، توجهاً استراتيجياً ومدروساً نحو الاعتماد على الحلول الرقمية لتجاوز العقبات التنظيمية الكلاسيكية التي لطالما واجهت المستهلك الجزائري، لا سيما ما تعلق بتذبذب الأسعار وحالات المضاربة في الأسواق العشوائية. وفي سياق الإجراءات الرامية لضبط السوق الوطنية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين في ظل التحديات الاقتصادية، برزت المنصة الرقمية المخصصة لبيع وحجز الأضاحي كأداة تنظيمية فعالة تعكس مسعى التحول نحو تحديث العمليات التجارية وتسهيل وصول المواطن إلى المنتوج الفلاحي بشفافية. وتتزامن هذه الخطوة النوعية مع قرار استيراد كميات معتبرة من الماشية لتلبية الطلب المحلي المتزايد وسد العجز المسجل، وهو ما يطرح تساؤلات موضوعية حول مدى نجاعة هذه المقاربة المزدوجة في تحقيق استقرار الأسعار وتوفير الأضحية في ظروف تنظيمية تلبي تطلعات المستهلك، وتضمن جودة الخدمة بعيداً عن الممارسات التجارية غير الشرعية.

لغة الأرقام.. تتبع دقيق لمسار استيراد وتوزيع الأضاحي

وأظهرت البيانات الرقمية والإحصائيات المحينة للمنصة الرقمية “أضاحي”، المستحدثة مؤخرا من طرف وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، حجم العملية اللوجستية المرافقة لهذا المسعى التنظيمي، حيث قُدر عدد الأضاحي المستوردة لغاية هذا الأحد بمليون رأس غنم على مستوى التراب الوطني. ووفقا لهذه البيانات الدقيقة المسجلة زوال اليوم، فقد بلغ العدد الإجمالي للأغنام المستوردة والمبرمجة 1.000.004 رؤوس، تشمل تلك المتواجدة فعليا على المستوى الوطني وتلك التي لا تزال قيد الشحن أو الاستيراد عبر مختلف المنافذ والحدود. وفي تفصيل لهذه الأرقام، وصل عدد الأغنام التي دخلت التراب الوطني ضمن عمليات الاستيراد المعتمدة والمراقبة إلى 760 ألفا و714 رأس غنم، في حين أحصت المنصة في التوقيت نفسه 239 ألفا و290 رأس غنم متواجدة حاليا على متن وسائل النقل المختلفة، سواء كانت قيد التحميل في الموانئ والمطارات الأجنبية، أو في طور الشحن بحراً وجواً، إضافة إلى وجود 11 سفينة وطائرة تقوم برحلة الاستيراد حاليا نحو أرض الوطن لتفريغ شحناتها بشكل تدريجي ومدروس.
وأحصت المنصة في السياق ذاته، من خلال نظام التتبع الرقمي الخاص بها، ما مجموعه 93 سفينة وطائرة متجهة نحو الجزائر أو توجد في طور تحميل رؤوس المواشي المستوردة من الدول الموردة. وتتيح منصة (adhahi.dz)، التي صممت بواجهة رقمية تهدف إلى تبسيط الاستخدام لكافة الفئات، للمواطنين إمكانية حجز الأضاحي إلكترونياً وبكل يسر، والاطلاع المستمر على عدد رؤوس الأغنام المستوردة، وكذا البواخر والطائرات المكلفة بشحنها. وتعرض المنصة بيانات شاملة تتضمن مساراتها الجغرافية وتواريخ الاستلام المنتظرة بشكل آني، وهو ما يسهم بشكل مباشر في وضع المستهلك في صورة العملية التجارية، ويقلل من تأثير الشائعات المتعلقة بوفرة الماشية في السوق المحلي التي غالبا ما تسبق فترة العيد وتخلق حالة من القلق غير المبرر.

تدابير استباقية لضمان وفرة العرض تنفيذا لتوجيهات السلطات العليا

وجاءت هذه العملية المنظمة، للتذكير، إثر الإعلان الصادر عن وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري يوم 18 أبريل الماضي، والذي تضمن انطلاق عملية حجز المواشي المستوردة لعيد الأضحى 2026. ويندرج هذا الإجراء في إطار التنفيذ الصارم لمخرجات اجتماع مجلس الوزراء المنعقد الأحد الماضي، حيث وجه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، تعليمات دقيقة تقضي بضرورة الالتزام بالصرامة وتسريع وتيرة تنفيذ عملية استيراد مليون رأس غنم وتوزيعها بشكل عادل ومنظم عبر مختلف ولايات الوطن، تحسبا لعيد الأضحى المقبل. وتهدف هذه التوجيهات بالأساس إلى ضمان وفرة العرض في الأسواق وتفادي أي ندرة محتملة قد تنعكس سلباً على مستويات الأسعار، أو تفتح المجال لتدخل الوسطاء والمضاربين الذين يعمدون عادة إلى استغلال مثل هذه المناسبات لتحقيق أرباح على حساب المواطن البسيط.

مصطفى زبدي لـ”الأيام نيوز”: المنصة مكسب تنظيمي أنهى مشاهد الطوابير

وأكد رئيس المنظمة الوطنية لحماية وإرشاد المستهلك ومحيطه، مصطفى زبدي، في تقييم شامل ومفصل لمجريات عملية بيع الأضاحي عبر المنصة الرقمية خص به صحيفة “الأيام نيوز”، أن هذه المبادرة تعد وسيلة تنظيمية حيوية لتقديم خدمة تعتمد بالأساس على معايير النوعية والشفافية، وليست غاية بحد ذاتها تنتهي بمجرد إطلاقها التقني.
وأوضح زبدي، بناءً على المتابعة الميدانية لهيئته، أن العمل بالمنصة شكل خطوة إيجابية ملموسة ومكسباً تنظيمياً مهماً حقق استحساناً واسعاً لدى فئات مختلفة من المستهلكين، حيث مكنت المشترين من ضمان الحصول على أضحيتهم قبل أسابيع من موعد الاستلام الفعلي.
وأضاف أن هذا الإجراء الرائد وفر للمواطنين أريحية ملحوظة وساهم بفعالية في الحد الجذري من ظاهرة طوابير الانتظار الطويلة والمشحونة التي ميزت نقاط البيع خلال المواسم السابقة، وذلك بفضل الاعتماد على نظام التسجيل المسبق والمبرمج. ولفت المتحدث في الوقت ذاته، وبنظرة تقييمية، إلى أن أي منصة رقمية أو أداة تسيير حديثة تبقى قابلة للتطوير والتحسين المستمر، وتتطلب التقييم الموضوعي والانتقاد البناء للإجراءات الميدانية المتبعة للارتقاء بها.

متابعة ميدانية دقيقة: اختلالات تنظيمية وتجاوزات قيد المعالجة

وشدد رئيس المنظمة في حديثه الصريح لـ «الأيام نيوز”، على ضرورة الوقوف بموضوعية وشفافية على بعض الاختلالات التنظيمية والنقائص المسجلة لتداركها وتفادي تكرارها في المواعيد والمواسم القادمة، رغم الجوانب الإيجابية الكثيرة التي طبعت العملية بفضل آلية التسبيق الرقمي.
وأشار في هذا الصدد الرقابي إلى أن المتابعة الميدانية الدقيقة سجلت عدة تجاوزات أثرت نسبيا على جودة الخدمة في بعض نقاط التسليم والتوزيع، حيث تم رصد وتوثيق تأخر في توفير بعض حصص الأضاحي في آجالها المحددة، مما أبقى عملية البيع والتسليم مستمرة حتى اللحظات الأخيرة المسبقة لحلول العيد.
وأضاف أنه تم كذلك تسجيل حالات بيعت فيها أضاحٍ غير مطابقة تماما للمعايير المرجوة والمتفق عليها مسبقا، كبيع النعاج والأضاحي الحوامل التي لا تستوفي الشروط التجارية والدينية المعمول بها، فضلاً عن تسجيل ملاحظات حول عدم احترام توقيت الاستلام الدقيق المحدد في الرسائل النصية القصيرة الموجهة للمستفيدين، ما اضطر العديد من المواطنين لتكبد ساعات انتظار طويلة. وإلى جانب ذلك، ظهرت بعض الممارسات والتلاعبات المعزولة من قبل بعض العمال المكلفين، غير أن الهيئات الرقابية والمعنية تعاملت معها بجدية وتصدت لها فور الإبلاغ عنها من طرف المنظمة والمواطنين.

مقترحات استشرافية للارتقاء بمستوى الخدمات وضمان راحة المستهلك

واقترح زبدي، في سياق بحثه عن بدائل تحسينية، جملة من الحلول والتدابير التنظيمية الرامية إلى بلوغ مستوى احترافي متكامل في المواسم القادمة ومعالجة كافة النقائص المسجلة، مبرزاً الأهمية القصوى لمسألة توسيع شبكة نقاط التوزيع لتشمل مناطق جغرافية أوسع، بغية تخفيف الضغط الملحوظ على المراكز الكبرى واستيعاب حجم الطلب المتزايد على هذه الصيغة المبتكرة. ودعا المتحدث الأطراف الوصية إلى ضرورة التبكير أكثر في إطلاق عملية الاقتناء والحجز لضمان سيرها بانسيابية أكبر وتنظيم أدق، مقترحاً كفكرة عملية إقرار خدمة إبقاء الماشية في نقاط البيع المخصصة مقابل رسوم إضافية تضمن الحفاظ عليها ورعايتها بيطرياً وغذائياً إلى غاية اقتراب موعد النحر الفعلي. وأوضح أن هذا الإجراء يهدف أساسا إلى تفادي نقل الأضاحي مبكراً إلى مساكن المواطنين، خاصة في التجمعات العمرانية الكثيفة، وهو ما أدى سابقاً إلى تذمر واسع بين السكان، وتسجيل حالات نفوق للماشية أو تعرضها لسوء الرعاية بسبب انعدام الفضاءات المناسبة وتغير نمطها البيئي والغذائي.

دعوة لتقييم شامل ومستمر لإنجاح المبادرات التنظيمية الكبرى

وخلص زبدي في ختام تصريحاته التحليلية الشاملة لصحيفة “الأيام نيوز”، إلى توجيه دعوة صريحة لعقد جلسات تقييمية وتشاورية جادة لهذه العملية لتشمل مختلف الفاعلين والمتدخلين من قطاعات وزارية ومنظمات مجتمع مدني، بالنظر إلى الأهمية القصوى التي تحظى بها هذه المناسبة والمتابعة الحثيثة التي أولتها إياها السلطات العليا للبلاد. وأكد أن تقييم العملية بمجملها، وبنظرة محايدة، يشير إلى نجاحها العام في توفير البديل التنظيمي الكفيل بكسر شوكة المضاربة، مشدداً على أن الوقوف على الاختلالات لا يعد أمراً معيباً أو انتقاصاً من المبادرة الرائدة، بل يمثل خطوة منهجية ضرورية وأداة عمل فعالة لتحسين الأداء وتصويب الأخطاء. ويهدف هذا المسار التقييمي في نهاية المطاف إلى الوصول لمستوى خدمات يرقى لتطلعات المستهلك الجزائري، ويوفر له أريحية وتنظيماً أكبر في المناسبات القادمة، بعيداً عن أي مظاهر فوضى أو استغلال، بما يتماشى مع التوجه العام نحو عصرنة قطاع التجارة والفلاحة في الجزائر.

Author مولود صياد
صحفي ومدقق حقائق خريج جامعة الجزائر 3 كلية الإعلام والاتصال