الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

هل يختار الطلبة التخصصات بدافع الشغف أم فرص العمل؟

Author
بثينة صايفي 12 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

مع إعلان نتائج شهادة البكالوريا، يدخل آلاف الناجحين في الجزائر مرحلة جديدة لا تقل أهمية عن الامتحان نفسه، تتمثل في اختيار التخصص الجامعي الذي سيحدد إلى حد بعيد ملامح مستقبلهم الأكاديمي والمهني. فبعد سنوات من الدراسة والسعي لتحقيق معدل يسمح بولوج التخصصات المرغوبة، يجد الطلبة أنفسهم أمام قرار مصيري يتطلب الموازنة بين الرغبة الشخصية والواقع العملي، في ظل منظومة توجيه جامعي ترتبط أساسًا بالمعدل المحصل عليه.

ويعيش كثير من الناجحين، خلال هذه الفترة، حالة من الحيرة، خاصة مع تعدد الخيارات الجامعية وتباين فرص العمل التي تتيحها مختلف التخصصات. فبين من يسعى إلى دراسة المجال الذي يحلم به منذ سنوات، ومن يفضل اختيار تخصص يعتقد أنه يضمن له مستقبلًا مهنيًا أكثر استقرارًا، تتداخل عوامل عديدة تؤثر في القرار النهائي، من بينها المعدل، وتطلعات الأسرة، ونظرة المجتمع لبعض المهن، إضافة إلى التحولات التي يشهدها سوق العمل.

وفي هذا السياق، يرى سهيل خضراوي، أستاذ التعليم الثانوي، أن اختيار التخصص الجامعي لا يخضع لاعتبار واحد، وإنما يتأثر بدرجة كبيرة بالمعدل المحصل عليه في شهادة البكالوريا، موضحًا أن الناجحين يمكن تقسيمهم، بشكل عام، إلى ثلاث فئات تختلف أولوياتها وإمكاناتها عند مرحلة التوجيه الجامعي، كما تختلف طبيعة الخيارات المتاحة أمام كل فئة.

أصحاب المعدلات المرتفعة… الشغف حاضر لكن الطب يبقى الخيار الأبرز

وأوضح خضراوي أن الطلبة المتحصلين على معدلات تفوق 15,5يتمتعون بهامش واسع في اختيار تخصصاتهم، لأن نتائجهم تسمح لهم بالالتحاق بمعظم الشُعب الجامعية والمدارس العليا التي يرغبون فيها. وهذا الامتياز يمنحهم فرصة أكبر لاختيار التخصص الذي يتوافق مع ميولهم وقدراتهم، مقارنة ببقية الطلبة الذين تحدد معدلاتهم سقف الخيارات المتاحة أمامهم.

وأضاف أن هذه الفئة غالبًا ما تميل إلى اختيار المجالات التي تتوافق مع اهتماماتها العلمية أو المهنية، إلا أن الواقع الاجتماعي لا يزال يؤدي دورًا مهمًا في توجيه قراراتها. فالكثير من الأسر تنظر إلى بعض التخصصات، وعلى رأسها الطب، باعتبارها رمزًا للتميز والنجاح، وهو ما يدفع عددًا معتبرًا من المتفوقين إلى التوجه نحو هذا المسار، حتى وإن كانت لديهم ميول نحو تخصصات أخرى كالإعلام الآلي أو الهندسة أو العلوم الدقيقة.

وأشار إلى أن المكانة الاجتماعية التي يحظى بها الطب في المجتمع الجزائري، إلى جانب الصورة الإيجابية المرتبطة به، تجعل هذا التخصص يحافظ على جاذبيته عامًا بعد آخر، رغم تنوع الشُعب الجامعية وظهور تخصصات حديثة تواكب التطورات العلمية والتكنولوجية.

الفئة المتوسطة… البحث عن التوظيف قبل كل شيء

أما بالنسبة للطلبة الذين تتراوح معدلاتهم بين 12 و15، فيؤكد خضراوي أنهم يمثلون النسبة الأكبر من الناجحين في شهادة البكالوريا، غير أن خياراتهم تكون أكثر تقييدًا بسبب شروط الالتحاق ببعض المدارس العليا والتخصصات التي تتطلب معدلات مرتفعة.

وأوضح أن كثيرًا من هؤلاء الطلبة يركزون عند اختيار تخصصاتهم على الجانب المهني أكثر من الجانب المرتبط بالشغف، إذ يبحثون عن المسارات التي تمنحهم فرصًا أوفر للاندماج في سوق العمل بعد التخرج، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها الشباب في مجال التشغيل.

وأضاف أن تخصصات مثل شبه الطبي والمدرسة العليا للأساتذة تعد من أبرز الوجهات التي يقبل عليها أصحاب هذه الفئة، باعتبارها توفر آفاقًا مهنية أكثر وضوحًا مقارنة ببعض التخصصات الأخرى، رغم أن معدلات الالتحاق بها ارتفعت خلال السنوات الأخيرة نتيجة الإقبال المتزايد عليها.

ويرى أن هذا التوجه يعكس تغيرًا في طريقة تفكير كثير من الطلبة، الذين أصبحوا يمنحون أولوية أكبر لإمكانية الحصول على منصب عمل بعد التخرج، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، وهو ما يجعل الاعتبارات المهنية تتقدم في كثير من الأحيان على الرغبات الشخصية.

أصحاب المعدلات الدنيا… مواصلة الدراسة خيار لبناء مستقبل أفضل

أما الطلبة الذين ينجحون بمعدلات تتراوح بين 10 و11، فيرى خضراوي أن خياراتهم غالبًا ما ترتبط بالتخصصات التي تسمح بها معدلاتهم أكثر من ارتباطها بالشغف أو بفرص التوظيف.

وأوضح أن هذه الفئة تحاول في الغالب الاستفادة من فرصة النجاح في البكالوريا ومواصلة الدراسة الجامعية، على أمل تحسين وضعها العلمي والمهني في المستقبل، سواء من خلال الاجتهاد داخل الجامعة، أو مواصلة التكوين في مراحل الدراسات العليا، أو اكتساب مهارات إضافية تمكنها من تعزيز فرصها في سوق العمل.

وأضاف أن الحصول على معدل متوسط في البكالوريا لا يعني بالضرورة محدودية فرص النجاح مستقبلًا، فالمسار الجامعي يظل مفتوحًا أمام الطالب لإثبات قدراته وتطوير كفاءاته، كما أن العديد من الخريجين تمكنوا من تحقيق نجاحات مهنية بفضل المثابرة والتكوين المستمر، وليس اعتمادًا على معدل البكالوريا وحده.

عوامل أخرى تؤثر في القرار

ورغم أهمية المعدل في عملية التوجيه الجامعي، إلا أن قرار اختيار التخصص لا يتوقف عند هذا العامل فقط، إذ تؤدي الأسرة دورًا بارزًا في توجيه الأبناء نحو بعض الشُعب التي ترى أنها أكثر استقرارًا أو مكانة اجتماعية، كما يتأثر الطلبة بآراء الأساتذة والأقارب وتجارب الطلبة الجامعيين، فضلًا عن المعلومات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول واقع بعض التخصصات وفرص العمل التي تتيحها.

وفي المقابل، يحرص عدد من الطلبة على البحث عن معلومات دقيقة حول البرامج الدراسية وآفاق كل تخصص قبل اتخاذ القرار، في محاولة للجمع بين الميول الشخصية ومتطلبات سوق العمل، بما يساعدهم على بناء مسار جامعي يتناسب مع طموحاتهم وإمكاناتهم.

المعدل لا يزال العامل الحاسم في التوجيه الجامعي

وخلص الأستاذ سهيل خضراوي إلى أن التوجيه الجامعي في الجزائر يبقى مرتبطًا بشكل كبير بالمعدل المحصل عليه في شهادة البكالوريا، باعتباره المحدد الأساسي لهامش الخيارات المتاحة أمام الطالب. فكلما ارتفع المعدل، اتسعت فرص الالتحاق بالتخصصات المختلفة، بينما تقل هذه الخيارات كلما انخفض المعدل، وهو ما يجعل عددًا من الطلبة مضطرين إلى التنازل عن بعض طموحاتهم أو ميولهم الشخصية.

وأكد أن الوصول إلى الاختيار المناسب يظل رهين قدرة الطالب على تحقيق التوازن بين ما يرغب في دراسته وما يتيحه الواقع من فرص، مع ضرورة إدراك أن النجاح المهني لا يرتبط باسم التخصص وحده، وإنما يعتمد أيضًا على الاجتهاد، واكتساب المهارات، والاستمرار في التكوين والتطوير طوال المسار الجامعي والمهني.

↑