الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

هل يعيد الطرح الإيراني رسم خريطة النفوذ في الخليج؟

Author
ربيعة خطاب 01 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في سياق تصاعد التوترات الإقليمية وعدم الوصول لاتفاق لإنهاء الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، شدد المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، على وحدة المصير بين دول المنطقة، مؤكد أن دول الخليج وبحر عمان يجمعها قدر مشترك، وأن أي وجود أجنبي يسعى لفرض نفوذه لن يكون له مكان سوى الزوال.

وفي هذا السياق، يصرح حسين عمران، الخبير في الشؤون الاستراتيجية، بأن هذه التصريحات لا يمكن التعامل معها كخطاب عابر أو مجرد دعوة دبلوماسية تقليدية، بل تحمل في جوهرها رسالتين أساسيتين يجب التوقف عندهما بدقة. الرسالة الأولى ذات بعد إقليمي، وتتمثل في الدعوة إلى بناء ترتيبات أمنية مشتركة داخل المنطقة، بما يعكس توجها نحو تقليل الاعتماد على القوى الخارجية، خاصة في ظل المتغيرات الدولية وتراجع الانخراط المباشر لبعض القوى الكبرى في أزمات المنطقة. هذه الدعوة، من حيث الشكل، تنسجم مع طروحات متكررة حول “أمن إقليمي مستقل”، قائم على الحوار والتفاهم بين دول المنطقة بدل الاستقطاب الحاد.

ويشير عمران إلى أن هذه القراءة لا تكتمل دون التوقف عند الرسالة الثانية، وهي الأكثر تعقيدا وحساسية، حيث لا يمكن فصل هذه الدعوات عن محاولة إعادة صياغة ميزان النفوذ الإقليمي بما يخدم موقع إيران كفاعل رئيسي. فبحسب تقديره، فإن هذا الطرح لا يعكس تحوّلا كاملا نحو شراكة متكافئة بين جميع الأطراف، بقدر ما يمثل تصورا مشروطا للأمن الإقليمي، يرتكز على رؤية إيرانية تسعى إلى تثبيت معادلات جديدة للقوة والنفوذ داخل المنطقة.

وفي هذا الإطار، يؤكد عمران أن الحديث عن “شراكة إقليمية” يجب أن يفهم ضمن سياقه السياسي والاستراتيجي، حيث تسعى كل دولة إلى تعزيز موقعها ضمن أي منظومة أمنية مقترحة. وبالتالي، فإن المبادرات التي تطرح تحت عنوان التعاون أو التهدئة قد تحمل في طياتها أهدافا تتعلق بإعادة توزيع الأدوار، وليس فقط تخفيف التوترات أو إنهاء الأزمات.

 

ويلفت عمران إلى أن التعاطي مع هذه الطروحات لا يمكن أن يكون أحادي البعد، بل يمر عبر مسارين متوازيين يعكسان مزيجا من الواقعية السياسية والحذر الاستراتيجي. المسار الأول يتمثل في فتح قنوات الحوار والسعي إلى بناء تفاهمات إقليمية، بهدف تقليل حدة التوترات ومنع الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة قد تكون مكلفة للجميع. هذا المسار يعكس إدراكا متزايدا لدى دول الخليج بأهمية إدارة الخلافات عبر الوسائل الدبلوماسية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية المشتركة.

ويشدد عمران على أن المسار الثاني لا يقل أهمية، ويتمثل في الإبقاء على الشراكات الدولية كعامل توازن استراتيجي، يضمن عدم اختلال موازين القوى في المنطقة. فدول الخليج، بحسب تحليله، لا ترى في الانفتاح الإقليمي بديلا كاملا عن تحالفاتها التقليدية، بل تعتبر هذه الشراكات عنصرا ضروريا لتعزيز أمنها واستقرارها في بيئة إقليمية لا تزال تتسم بعدم اليقين.

ويؤكد عمران أن المرحلة الراهنة تفتح بالفعل نافذة فرصة لخفض التصعيد، خاصة في ظل إدراك مختلف الأطراف لكلفة المواجهة المباشرة. غير أن هذه الفرصة تظل محدودة بغياب الثقة الكاملة بين الفاعلين الإقليميين، وهو ما يجعل أي تقارب محتمل محكومًا بحسابات دقيقة وتوازنات حساسة.

ويشير حسن عمران إلى أن المشهد الإقليمي يتجه، وفق هذا التحليل، نحو نمط من التعاطي يقوم على “الانفتاح الحذر”، مقرونا بـ”التحوّط الاستراتيجي”، حيث تسعى الدول إلى اختبار إمكانات التهدئة دون التخلي عن أدوات الردع أو الضمانات الأمنية. وبين هذين المسارين، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة، في ظل الحرب المستمرة بين منطق التهدئة ومنطق إعادة ترتيب النفوذ داخل واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيدا وحساسية.

انفتاح حذر وتحوّط استراتيجي

وفي هذا الإطار، يضيف حسين عمران، الخبير في الشؤون الاستراتيجية، أن التوترات الراهنة لم تعد محكومة فقط بالبعد العسكري، بل باتت مرتبطة بشكل وثيق بالمعادلات الاقتصادية والطاقوية، مشيرا إلى أن منطقة الخليج تمثل شريانا حيويا للاقتصاد العالمي، وأي تصعيد فيها قد ينعكس مباشرة على استقرار أسواق النفط والغاز.

ويؤكد عمران أن حسابات الدول لم تعد تقتصر على موازين القوى التقليدية، بل تشمل أيضا كلفة الصراع على الداخل، موضحا أن الانخراط في مواجهات مفتوحة أو طويلة الأمد قد يفرض ضغوطا كبيرة على الموارد المالية، ويؤثر على مسارات التنمية والاستقرار الاجتماعي، وهو ما يدفع العديد من الأطراف إلى تبني مقاربات أكثر حذرا في إدارة الأزمة.

وفي سياق متصل، يلفت عمران إلى أن طبيعة الصراع تشهد تحوّلا واضحا نحو أشكال غير تقليدية، أبرزها الحرب السيبرانية والإعلامية، حيث أصبحت هذه الأدوات تلعب دورا محوريا في التأثير على موازين القوى، سواء من خلال استهداف البنى التحتية الرقمية، أو عبر توجيه الرأي العام، معتبرا أن هذه الأبعاد باتت جزءا لا يتجزأ من أي حرب.