الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
تقارير

هل يمكن الحديث عن “اليوم التالي” بينما يواصل الاحتلال تعطيل الحياة في غزة؟


في سياق تعقّد المشهد الميداني والسياسي في قطاع غزة، يزداد النقاش حول ملامح “اليوم التالي” للحرب اتساعاً، وسط غياب رؤية حاسمة بشأن مستقبل إدارة القطاع وآليات إعادة إعماره، وتداخل الحسابات الإقليمية والدولية في صياغة هذا المستقبل.

وبينما تتواصل الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي خلفها العدوان الصهيوني، تتباين القراءات حول إمكانية الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب في ظل استمرار استهداف الاحتلال الصهيوني للشعب الفلسطيني الأعزل من جهة، وتعدد الأطراف المتدخلة في الملف الفلسطيني من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، أفاد ثائر أبو عطيوي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، بأن أي حديث عن مستقبل غزة يظل سابقا لأوانه ما لم يتوقف العدوان بشكل شامل، مؤكدا أن الأولوية في المرحلة الراهنة يجب أن تنصبّ على معالجة الوضع الإنساني الكارثي وإعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة، قبل الانتقال إلى أي ترتيبات سياسية أو إدارية تخص “اليوم التالي”.

من جهته، يرى الباحث في الشأن الفلسطيني والصهيوني، مأمون أبو عامر، أن مستقبل القطاع لا يزال يكتنفه الغموض في ظل غياب رؤية واضحة وتضارب الحسابات الإقليمية والدولية، مشيرا إلى أن الاحتلال يسعى إلى إبقاء حالة من الفراغ في إدارة غزة، بما يسمح له بالتدخل المباشر دون تحمل مسؤوليات كاملة، في انتظار اتضاح مآلات التطورات الإقليمية والدولية التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.

في هذا الصدد، أفاد ثائر أبو عطيوي بأن رسم ملامح مستقبل قطاع غزة في “اليوم التالي” للحرب يبقى مرتبطا بشكل أساسي بوقف العدوان الصهيوني والاستجابة للمطالب الدولية المتزايدة الداعية إلى إنهاء الحرب، مؤكدا أن أي حديث عن مستقبل القطاع أو ترتيبات ما بعد الحرب يظل سابقا لأوانه ما لم تتوفر بيئة تتيح استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة الإنسانية للسكان.

مستقبل غزة مرهون بوقف العدوان وتوفير بيئة إنسانية آمنة

وأوضح المتحدث أن قطاع غزة يواجه كارثة إنسانية غير مسبوقة نتيجة حجم الدمار الذي خلفته الحرب، حيث تعرضت مساحات واسعة من القطاع للتدمير، وطالت الأضرار المنازل والمؤسسات والبنية التحتية والمرافق الحيوية، في وقت يعيش فيه مئات الآلاف من الفلسطينيين أوضاعا معيشية بالغة الصعوبة داخل مراكز الإيواء والخيام، وسط استمرار معاناة السكان من نقص الغذاء والدواء والمياه والخدمات الأساسية وغيرها.

وأشار أبو عطيوي إلى أن الحديث عن مستقبل غزة لا يمكن فصله عن حجم التحديات الإنسانية والسياسية التي أفرزتها الحرب، معتبرا أن القطاع يحتاج إلى عملية إعادة تأهيل شاملة لا تقتصر على إعادة إعمار ما دمرته الحرب فحسب، بل تمتد أيضا إلى معالجة التداعيات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي خلفتها سنوات طويلة من الحصار والصراعات المتكررة، والتي تفاقمت بصورة غير مسبوقة خلال الحرب الأخيرة.

وأبرز أن مسألة “اليوم التالي” للحرب تظل من أكثر الملفات تعقيدا وتشابكا، بالنظر إلى تعدد الأطراف المحلية والإقليمية والدولية المنخرطة في الملف الفلسطيني، وتباين الرؤى المتعلقة بمستقبل إدارة القطاع وآليات إعادة الإعمار وترتيبات المرحلة المقبلة.

ورغم ذلك، يرى أن وجود اهتمام عربي ودولي واسع بمستقبل غزة يمكن أن يشكل فرصة حقيقية إذا ما جرى توظيفه في إطار يخدم مصالح الفلسطينيين ويستجيب لاحتياجاتهم الفعلية.

وأكد أبو عطيوي أن المؤتمرات واللقاءات السياسية التي عُقدت خلال الفترة الماضية أسهمت في طرح أفكار ومقترحات تتعلق بمستقبل القطاع وإدارته بعد انتهاء الحرب، إلا أن معظم هذه التصورات ما تزال تصطدم بواقع استمرار العدوان والعراقيل السياسية والميدانية التي تحول دون الانتقال إلى مرحلة التنفيذ العملي، الأمر الذي يجعل مستقبل هذه المبادرات مرهونا بالتطورات الميدانية والسياسية المقبلة.

وشدد على أن أي رؤية واقعية لمستقبل غزة يجب أن تنطلق من وقف شامل ونهائي للحرب، باعتبار أن استمرار العمليات العسكرية يقوّض كل الجهود الرامية إلى معالجة الأزمة الإنسانية أو إطلاق مشاريع الإعمار والتنمية في القطاع.

كما أكد أن القطاع بات بحاجة ماسة إلى مرحلة جديدة تركز على إعادة بناء الإنسان الفلسطيني إلى جانب إعادة بناء الحجر، من خلال توفير الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية وفرص الحياة الكريمة للسكان.

ضرورة وجود رؤية واضحة المعالم وبرامج عمل قابلة للتنفيذ

ونوّه أبو عطيوي إلى أن تعدد الجهات المتدخلة في الملف الفلسطيني يمكن أن يكون عاملا إيجابيا إذا ما جرى توجيهه نحو خدمة المصلحة الوطنية الفلسطينية، غير أنه تساءل عن مدى قدرة هذه الأطراف على توفير مظلة حقيقية تضمن الأمن والاستقرار لسكان غزة، وتساعد على تجاوز الأزمات المتراكمة التي يعاني منها القطاع منذ سنوات طويلة.

وأضاف أن الدعم العربي والإنساني الذي تتلقاه غزة يمثل أحد العوامل المهمة التي تساعد السكان على الصمود في مواجهة الظروف القاسية، مشيرا إلى أن العديد من الدول والجهات الإغاثية تواصل تقديم المساعدات الإنسانية والصحية والخدماتية انطلاقا من قناعة راسخة بأن سكان القطاع يستحقون الحياة والأمن والاستقرار، وأن إعادة إعمار غزة مسؤولية إنسانية وأخلاقية تتطلب تضافر الجهود الإقليمية والدولية.

وفي سياق متصل، أكد محدثنا أنه من الصعب في الوقت الراهن تقديم تصور نهائي لشكل النظام السياسي أو الإداري الذي سيدير القطاع في المستقبل، خاصة في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني وما يرافقه من تحديات سياسية وتنظيمية، موضحا أن أي ترتيبات مستقبلية تحتاج إلى توافق وطني قادر على الاستجابة لتطلعات المواطنين وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي والمؤسساتي.

وأشار إلى أن الأولوية خلال المرحلة الأولى التي تعقب وقف الحرب يجب أن تتركز على الجوانب الإنسانية والإغاثية، من خلال إدخال المساعدات بشكل واسع ومنتظم، وتوفير الرعاية الصحية والخدمات الأساسية، والعمل على إزالة الركام وفتح الطرقات وإعادة تأهيل المرافق الحيوية، تمهيدا للانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار الشاملة التي قد تستغرق سنوات في ظل حجم الدمار الذي لحق بالقطاع.

خِتاماً، أكد أبو عطيوي على أن نجاح أي خطة لمستقبل غزة يتطلب وجود رؤية واضحة المعالم وبرامج عمل قابلة للتنفيذ، وإرادة سياسية حقيقية لدى مختلف الأطراف المعنية، مشددا على أن استعادة الحياة الطبيعية في القطاع لن تتحقق إلا من خلال إنهاء الحرب، وتوفير بيئة مستقرة تسمح بإعادة البناء والإعمار، وتمكين الفلسطينيين من استعادة الأمل في مستقبل أكثر أمنا واستقرارا على المستويات الإنسانية والسياسية والاقتصادية.

من جانبه، يرى الباحث في الشأن الفلسطيني والصهيوني، مأمون أبو عامر، أن مستقبل قطاع غزة ما يزال يكتنفه قدر كبير من الغموض، في ظل غياب رؤية واضحة بشأن شكل الإدارة والحكم في مرحلة ما بعد الحرب، وتضارب المصالح والحسابات السياسية والإقليمية المرتبطة بالقطاع.

وأوضح أبو عامر، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الاحتلال الصهيوني لا يبدو راغبا في عودة سلطة فلسطينية أو أي جهة فلسطينية تمتلك صلاحيات حقيقية لإدارة قطاع غزة، مشيرا إلى أن الاحتلال يسعى إلى الإبقاء على حالة من الفراغ أو الهشاشة الإدارية والأمنية، بما يسمح له بالتدخل المباشر متى شاء دون تحمّل مسؤوليات قانونية أو سياسية تترتب على إعادة احتلال القطاع بشكل كامل.

وأشار المتحدث إلى أن هذا التوجه ينسجم مع رؤية إسرائيلية أوسع تهدف إلى جعل قطاع غزة منطقة غير قابلة للحياة، لافتا إلى أن تقارير أممية سابقة كانت قد حذرت من هذا الواقع حتى قبل اندلاع الحرب، فكيف الحال بعد حجم الدمار الهائل الذي خلفه العدوان.

وأضاف أن الظروف الإنسانية المتدهورة قد تُستغل مستقبلاً لتهيئة بيئة تدفع جزءا من سكان القطاع إلى الهجرة أو التهجير خارج غزة، وهو ما يسعى إليه الاحتلال.

وأبرز الباحث في الشأن الفلسطيني والصهيوني أن الاحتلال يعمل أيضا على تعزيز حضور مجموعات مسلحة محلية مرتبطة به، من خلال الدعم والتسليح والتدريب، بهدف استخدامها كأدوات ميدانية في بعض المناطق، بما يحقق مصالحه الأمنية ويجنب قواته التدخل المباشر في كل المناطق.

وفي المقابل، أكد أبو عامر أن الطرف الفلسطيني لا يمتلك في المرحلة الراهنة أوراقا ميدانية مؤثرة سوى الصمود ورفض الاستجابة للضغوط الإسرائيلية، منوهاً بأن الوسطاء الإقليميين والدوليين، بما في ذلك الدول العربية والإسلامية، لم يتمكنوا حتى الآن من ممارسة ضغط فعّال على الإدارة الأمريكية لدفعها نحو إلزام الاحتلال بوقف سياساته في القطاع.

وشدد الباحث على أن انشغال الإدارة الأمريكية بملفات إقليمية أخرى، وفي مقدمتها الملف الإيراني، يحد من فرص إحداث تحول سريع في المشهد الغزي، مرجحاً أن يبقى الوضع معلقا إلى حين اتضاح مآلات التطورات الإقليمية.

وأشار إلى أن أي تهدئة أو اتفاق بشأن الملف الإيراني، قد يدفع واشنطن إلى زيادة الضغط على حكومة الاحتلال، من أجل ضبط الأوضاع في غزة والتعامل مع الأزمة الإنسانية المتفاقمة هناك.

وأضاف أن من بين السيناريوهات المطروحة مستقبلا، تشكيل لجنة أو إدارة محلية تتولى تسيير الشؤون اليومية في القطاع، غير أن الظروف السياسية والأمنية الحالية لا تسمح حتى الآن بتبلور تصور واضح أو نهائي حول شكل “اليوم التالي” للحرب.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد أبو عامر على أن المشهد في غزة سيظل، خلال الأشهر المقبلة على الأقل، رهين حالة الغموض وعدم اليقين، إلى أن تتضح اتجاهات السياسة الأمريكية وتفاعلات الملفات الإقليمية المؤثرة، وعلى رأسها الملف الإيراني، وهو ما سيحدد إلى حد كبير طبيعة المرحلة المقبلة في القطاع ومسار إعادة تشكيل واقعه السياسي والإداري.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.
↑